تشهد القدس الشرقية سلسلة من المظاهرات، سواء كانت من الجانب الإسرائيلي أو الجانب الفلسطيني، والتي تطورت إلى مستوى الاحتكاك العنيف بين قوات الشرطة الإسرائيلية ومسيرات المتظاهرين الفلسطينيين. تثار مجموعة من الأسئلة: لماذا الآن؟ ولماذا في القدس بالتحديد؟ ومن المستفيد من عملية الاشتعال المفاجئ؟ وفرص استمرار تطورات هذا المشهد؟

الصورة العامة.. التيار القومي الإسرائيلي يشعل الضفة

أعلنت جماعات استيطانية نيتها الاحتفال بيوم “توحيد القدس” (13 إبريل)، وهو ما دفع الحكومة الإسرائيلية إلى إرسال قواتها الشرطية إلى ساحات المسجد الأقصى لتأمين دخول هؤلاء المستوطنين. تبين أن الدعوى الإسرائيلية خرجت من جماعات استيطانية “قومية” وليست دينية، تدعمها حركات متطرفة ذات طابع قومي مثل حركة اللهب التي ترفع شعار “فلنحرق العرب، الموت للعرب”. 

أشعلت الحكومة الإسرائيلية شرارة الأزمة حين شرعت في فصل مكبرات الصوت عن مسجد الأقصى، وطوقت ساحات المسجد؛ منعًا لإقامة صلاة التراويح، وتذرعًا بتأمين وصول المستوطنين. 

ومع توالي الاستفزازات الإسرائيلية من جانب الحكومة وكذلك من المستوطنين المنتسبين للتيار القومي -كان آخرها أن أقامت إسرائيل بوابات تقيد الدخول لأداء صلاة التراويح في الأقصى عند منطقة باب العامود (أو باب دمشق، وهو الباب الأكبر والأهم لدخول الأقصى (17 إبريل)- بدأت تشتعل مواجهات عنيفة في 20 إبريل بين المصلين وقوات الشرطة، وفي 23 إبريل أصبح الاحتكاك يأخذ مستوى حرجًا بين المقدسيين من جانب وقوات الشرطة والمستوطنين القوميين من جانب ثان.

رفضت الأحزاب الإسرائيلية الدينية والهيئات الاستيطانية المنتسبة للتيار الديني (الحريدي) الدخول في خط المواجهة مع الفلسطينيين في القدس الشرقية، بل أكدوا في بيان باللغتين العربية والعبرية أن التصعيد الإسرائيلي في القدس الشرقية وبالتحديد في باب العامود لا يمت لهم بصلة وأنهم براء منه؛ كونه يُنسب إلى التيار القومي المتهم في ذاته بفصل التوراة عن إسرائيل. وحذّر البيان المستوطنين الدينيين من التورط في هذه المناوشات.

أما في منطقة الشيخ جراح، فاشتعلت شرارة الأزمة في 8 إبريل حين استيقظ أهالي المنطقة على الأعلام الإسرائيلية المرفوعة فوق مبنيين سكنيين تم بيعهما إلى عائلات يهودية متطرفة منتسبة إلى التيار الإسرائيلي القومي وتتبع حركة “موليدت” أي “الوطن” بالعبرية. 

فنظّم الفلسطينيون مسيرات تظاهر وطنية ضد قرار هدم المباني في حي الشيخ جراح وتهجير الاسر الفلسطينية (28 عائلة) خارج القدس الشرقية. واشتعلت المواجهات مع قوات الأمن الإسرائيلية، وأخذت مستوى أكبر عندما دخل التيار القومي الإسرائيلي خط المواجهة، اتضح ذلك جليًا في تلبية عضو الكنيست والناشط المتطرف البارز “إيتامار بن جفير” والناطق الرسمي لحركة “الجبهة الوطنية اليهودية” الدعوة بالقدوم إلى منطقة الشيخ جراح وقيادة مسيرات استفزازية لمستوطنين قوميين، رفعت شعار “عودوا إلى الأردن”.

دلالات فريدة

تعود أهمية الأحداث المتتابعة في باب العامود والشيخ الجراح في القدس الشرقية إلى عدة عوامل، تشكل من خلالها دلالات مختلفة، يمكن عرض أبرزها فيما يلي:

  • التيار القومي يقود الحراك الإسرائيلي: بالنظر إلى طبيعة الإسرائيليين الذين أقحموا أنفسهم في مواجهات مع الفلسطينيين يتبين أنهم منتسبون إلى التيار القومي والحركات اليمينية المتطرفة القومية مثل “حركة لهب”. وبما أن التيار الاستيطاني الديني قد تنصل من مسؤولية التصعيد في القدس، فأصبح التيار القومي يستأثر بالدفاع عن الاستيطان في الضفة الغربية وعن هوية إسرائيل في نظر المجتمع الإسرائيلي.
  • إكساب القدس رمزية قومية مضافة: بالتتبع التاريخي لوضع القدس على الخريطة الدينية الإسرائيلية يتبين أنها غائبة تمامًا؛ لفقدان الآثار اليهودية التوراتية فيها وضخامة الأثر المسيحي والإسلامي على المدينة. لذا لم يشجع التيار الديني الاستيطان في القدس الشرقية عكس التيار القومي الذي وجد في القدس منصة مهمة لخلق حركات هوياتية قومية إسرائيلية تقدمه على الساحة السياسية. وهو ما يفسر تنصل التيار الديني من التصعيد، واستئثار الحركات القومية بالانخراط في مناوشات مع الفلسطينيين.
  • بنيوية التطرف القومي الإسرائيلي: من خلال تتبع تطورات المشهد التصعيدي في القدس الشرقية يتبين أن التطرف الإسرائيلي يتحول إلى شرارة شعبية تعتمد على حركات مدنية تقف خلفها قوات الأمن الإسرائيلية كداعم رئيس وحامٍ لتحرك الإسرائيليين في مواجهة الفلسطينيين. تسبب في ذلك ضعف القيم المناهضة للعنصرية في إسرائيل: إذ واجه عضو الكنيست الاسرائيلي السابق عوفير كساف والناشط اليساري الاعتداء من قبل إسرائيليين متطرفين؛ فقط لكونه دافع عن حق الفلسطينيين في الوجود في الشيخ جراح.
  • الشيخ جراح تمثل نضالًا وطنيًا: يختلف النضال الفلسطيني الذي خرج في باب العامود من أجل الحفاظ على الشعائر الدينية لشهر رمضان مثل الاعتكاف، وإفطار رمضان، وصلاة التراويح. عن النضال الذي تفجر في حي الشيخ جراح انتصارًا للوجود الفلسطيني في القدس الشرقية. ربما ذلك يفسر استئناف تصاعد الأحداث في باب العامود مرة أخرى بعد الهدوء النسبي في 26 و27 إبريل بعد انسحاب القوات الإسرائيلية، ليتجدد مرة أخرى في 8 و9 مايو حتى وصلت إلى المواجهات الدامية.

يسعى الفلسطينيون إلى لحفاظ على وطنية النضال في حي الشيخ جراح، ويتضح ذلك في رفضهم استقبال زعيم حزب القائمة الموحدة (المحسوب على تيار الإخوان المسلمين) “منصور عباس”؛ كونه عُدَّ متحالفًا مع إسرائيل، وخائنًا للقضية الفلسطينية (على حد وصفهم).

مسارات المشهد

يحكم المشهد عدة متغيرات ترسم مساراته، يمكن توضيحها في الآتي:

المسار الأول: انتشار الحريق في القدس الشرقية

لا يمكن فصل المشهد عن التأزم الداخلي الذي يواجه نتنياهو في ملف تشكيل الحكومة ومصيره السياسي مستقبلا؛ فاشتعال القدس الشرقية ودخول أطراف فلسطينية في خط المواجهة هو مشهد يصب في صالح نتانياهو؛ كون الأمر يزيد من حنق المجال العام الإسرائيلي الذي قد يرفض تشكيل حكومة إسرائيلية بالتعاون مع اليسار الإسرائيلي. 

ويبدو أن هناك خطى تعكس تحقق أمل نتنياهو في تعرقل المباحثات الحالية بين يائير لابيد (زعيم معسكر اليسار والوسط) ونفتالي بينيت (زعيم حزب يمينا الصهيوني الديني)، إذ دفع الأخير برفع مشاريع قوانين إلى الكنيست لضم غور الأردن وإقامة مستوطنات جديدة في الضفة. وهو ما لن يجد استحسانًا لدى لابيد المحسوب على الوسط اليسار.

أما المتغير الثاني، هو إصرار الحكومة الإسرائيلية الحالية على تطبيق قرارات التهجير وهدم المباني في عدد إضافي من مناطق القدس الشرقية مثل سلوان، وحي بطن الهوى وهدم حي البستان بالكامل.

أما المتغير الأخير، فهو دخول حماس على خط المواجهة وتنفيذ تهديدات محمد ضيف القائد العسكري لكتائب القسام، وهو ما سيسهم في اندلاع مظاهرات جديدة قد تنتشر في أرجاء القدس الشرقية. 

المسار الثاني: فرض الهدوء

رغم غياب المؤشرات الداعمة لهذا السيناريو، إلا أن اندلاع انتفاضة ثالثة في الضفة الغربية هو مسار غير مأمول على الإطلاق داخل أروقة الحكومة الإسرائيلية؛ كونه سيسهم في اختراق حماس للضفة، وسقوط مدوي للسلطة الفلسطينية ينتج عنها مواجهات دامية.

لذا ستبدأ إسرائيل بردع حماس لعدم الدخول في تطورات المشهد التصعيدي في القدس الشرقية، مع استمرار الاعتقالات بحق النشطاء الفلسطينيين، مع تجميد قرارات هدم مباني الفلسطينيين.