أعلنت جماعة الإخوان المسلمين الليبية انتقالها لتصبح جمعية تسمى “الإحياء والتجديد”، في خطوة أثارت ردود فعل كثيرة حول محاولات التنظيم، المصنف إرهابيًا وفقًأ لمجلس النواب، للمناورة والالتفاف على المشهد المتأزم الذي يحيط بقواعده وكوادره بالداخل الليبي، وهو مالا ينفصل عن المتغيرات الجارية بالأوضاع الإقليمية. ونتناول في هذا التقرير طبيعة وسياقات قرار إخوان ليبيا، والبحث في الأهداف التي يسعى التنظيم لتحقيقها عبره، بالإضافة لمستقبل جماعة الإخوان المسلمين في ليبيا وفرص إعادة تموضعها بالميدان الليبي.

سياقات التحول  

تمثل خطوة تحول إخوان ليبيا إلى جمعية “مجتمع مدني” دعوية تكتيك مكرر داومت الجماعة على انتهاجه؛ للمناورة والإفلات من التحديات المرحلية التي تواجه الجماعة، بالفترات التي تعقب ممارستها للعمل السياسي بصورة مُعلنة، مع إعادة تفعيل قواعد العمل السري للتنظيم بالتزامن مع تلك الخطوة. ويبدو رهان الإخوان المسلمين واضحًا على استعادة الحاضنة الشعبية المنحسرة عنهم، عبر التغلغل مجددًا بالمجتمع الليبي في صورة جمعية دعوية إسلامية وسطية، وخصوصًا من خلال تفعيل برامج عمل خيرية لإعادة رسم الصورة الذهنية أو الانطباع الشعبي عنهم، بما يضمن تغيير موقف مكونات المجتمع الرافض لمنهجهم. وفسر بيان جماعة الإخوان الليبية، الصادر في 2مايو الجاري، تحولها بأنه استجابةً لحاجات الوطن ومتطلبات المرحلة، وبالنظر للمشهد الليبي الراهن، يمكن الإشارة إلى مجموعة معطيات أساسية توضح وضع التنظيم وسياقات قرار التحول، وهي كالتالي:

أولًا: أزمة التنظيم الدولي: يعاني التنظيم الدولي للإخوان المسلمين من أزمات متعددة، منذ سقوط المركز الأم بالقاهرة بعد إطاحة ثورة 30يونيو بالجماعة من المشهد، وانتقال إدارة التنظيم إلى لندن، وسقوط المرشد العام “محمود عزت” ومن قبله “محمد بديع” وغيرهم من قيادات الجماعة بقبضة القوات الأمنية وإحالتهم للقضاء. بالإضافة لاتجاه تركيا، التي احتضنت الهاربين من الأقطار العربية وتحديدًا مصر وليبيا، لتحسين علاقاتها مع الدول التي ناصبتها العداء بسببهم، ما يعني احتمالية رفع الغطاء التركي عنهم، سواء بتسليم المطلوبين أو تقييد نشاطهم السياسي.

كما قاد انكشاف تورط الجماعة بروابط وتحركات منسقة مع عدد من التنظيمات الإرهابية، وامتداد تداعيات ذلك على أمن أوروبا، إلى تصاعد الضغوط الدولية وتقييد نشاط المؤسسات والمراكز التي تمثل رافدًا أساسيًا لتدفق التمويلات للإخوان، بل ونشاطهم في المجتمعات الأوروبية التي مثلت ملاذًا آمنًا لقيادات وعناصر التنظيم التي فرت من الملاحقات القانونية في بلدانهم. وهي في مُحصلتها ضغوط قوية أضعفت هيكل التنظيم الدولي، الذي يريد إعادة صياغة المركز بالفروع، وخفض حدة الرفض المحلي للجماعة، ما يؤسس لمنهج إعادة التسمية وفصل الدور المجتمعي، الذي يمكن الاستثمار فيه، عن الدور السياسي الذي فشل الإخوان فيه.

ثانيًا: تصاعد الانقسام بالفرع الليبي: ضربت موجات من الانقسام هيكل تنظيم الإخوان بليبيا، وكان إعادة النظر في سياسات الجماعة هو المحور الرئيسي للخلاف. وتبلور الانقسام في بروز تيارين للإخوان: الأول، يتصدره المفتي المعزول “صادق الغرياني” ومركزه مدينة مصراته، ويوالي تركيا بصورة رئيسية، وهو متحالف مع قيادات قاعدية وداعشية، ويتبنى مواقف صدامية مع باقي المكونات الليبية، لاسيما البرلمان والجيش الوطني. والثاني، هو تيار طرابلس والزاوية، وعلى رأسه رئيس حزب العدالة والبناء “محمد صوان”، ويوالي قيادات التنظيم الدولي في لندن، كما لديه حساسية من تغول قيادات الجماعة المصراتيه على بقية قيادات المنطقة الغربية.

وتجلت حالات الانقسام والمواجهة بين التيارين في تجاذبات “فتحي باشاغا” و”فائز السراج” خلال فترة حكم حكومة الوفاق، إلى جانب استقالة رئيس المجلس الأعلى للدولة “خالد المشري” من الجماعة (يناير 2019)، ثم إعلان فرع الإخوان بمدينة الزاوية التي ينتمي لها “المشري” استقالة جماعية لأعضائه من الفرع الليبي للجماعة (أغسطس2020)، وأعقب ذلك إعلان أعضاء فرع مدينة مصراته استقالتهم جماعيًا من التنظيم (أكتوبر2020). 

ثالثًا: انحسار الدعم الداخلي: تواجه الإخوان المسلمين الليبية تآكلًا واضحًا بقواعدها الداخلية، إذ كشفت مجريات الانتخابات البرلمانية عام 2014، والانتخابات البلدية 2021، عن عزوف الليبيون عن تأييد قوائم ومرشحي التنظيم، إذ لم يحصد الإخوان بالانتخابات البرلمانية سوى (20) مقعدًا، حوالي 10% من مقاعد مجلس النواب، ولم تستطع قوائم الجماعة الفوز بالانتخابات البلدية في مُعظم مدن ليبيا، حتى ببلديات المنطقة الغربية التي تمثل معقلًا رئيسيًا لها. كما اتضح جليًا أن استقالات قيادات وفروع الجماعة بعدد من المدن الليبية لم تغير من موقف الناخب الليبي تجاه الإخوان، بل اتجهت أصواتهم لدعم القوائم المستقلة التي تنافس قوائم الجماعة، أو القوائم التي تضم شخصيات أعلنت انشقاقها واستقالتها.

وقد حاولت قيادات الإخوان تدارك هذا التراجع عبر استصدار فتاوى من شأنها تحفيز المواطنين على دعمهم، كما هو الحال بتحركات المفتي المعزول “صادق الغرياني” الذي أفتى بضرورة النزول ودعم قوائم الإخوان، ولكن تلك الجهود لم تفلح تلك المساعي في حشد الناخبين لدعم مرشحي التنظيم؛ إذ وجد إخوان ليبيا أن المجتمع قد أصبح لديه درجة من الوعي بأنهم سبب رئيسي في تدهور المشهد بالفترة الماضية، وأن الحل يكمن في توجيه أصواتهم لأية كيانات أو شخصيات بديلة تقدم نموذجًا يقضي على هيمنة الجماعة على السلطة بالبلاد.

دوافع مُلحة

يأتي انتقال هيكل عمل تنظيم الإخوان في ليبيا إلى جمعية الإحياء والتجديد مستهدفًا لحصد عدة مكتسبات مرحلية، كالتبرؤ من السياسات والتحركات التي أججت الصراع الليبي، وأنتجت اقتتالًا متجددًا على مدار عشر سنوات، كما تحاول الجماعة إعادة نسج شبكة من الاتصالات والتحالفات بينها والقوى السياسية المرفوضة مجتمعيًا. إلى جانب محاولة الإخوان التموضع بصورة جديدة داخل المجتمع الليبي، أملًا في التمكن من التوغل مجددًا بين مكوناته، بالإضافة للاستفادة من مخصصات تمويل منظمات المجتمع المدني المرصودة بالموازنة الليبية، أو المدرجة ضمن المشروع الأمريكي لدعم استقرار ليبيا. وهو ما يمكن بيانه فيما يلي:

أولًا: التنصل من سياسات الجماعة السابقة: يعكس قرار التحول لجمعية رغبة التنظيم في التنصل من سياساته السابقة، والتخفيف من كافة الإخفاقات التي كبدتها للمجتمع الليبي، بالشكل الذي يعيد إليها القدرة على تلميع صورتها مجددًا. وسيكون تركيز الجماعة على نسب أية مواقف سابقة، وما يتصل بها من مسؤوليات، لحزب العدالة والبناء، كونه الذراع السياسي لها في ليبيا. وهو الأمر الذي تراهن على كونه أداة فعالة لإعادة الدخول للمشهد الليبي كفاعل جديد يشارك بعيدًا عن الأزمات السابقة التي عصفت بالبلاد، بل وطرح نفسها كبديل مجتمعي قادر على تعويض الدور المفقود للمجتمع المدني المتعثر، في ظل المعضلات الإنسانية التي تواجهها ليبيا.

ثانيًا: تشكيل شبكة تحالفات مرنة: يريد الإخوان فتح قنوات اتصال رسمية مع الفواعل الليبيين، من حلفاء تقليديين وغيرهم، وعبر العمل المجتمعي والدعوي والتنموي سيكون لعناصر وقيادات الجماعة القدرة على التحرك والتفاعل بحرية، وفقًا لمصالح ومنهجية التنظيم، بهامش حركة أوسع. وصياغة هذا النمط من العلاقات المصلحية أمر تمرس به الإخوان، وسيكون مطلوبًا بمرحلة الانتخابات القادمة، وخصوصًا إذا تم الاستقرار على أن يكون انتخاب الرئيس الجديد بصورة غير مباشرة عبر مجلس النواب، ما سيحفز أطماع الإخوان في العودة للمشهد عبر بوابة التحالفات والضغوط والرشاوي.

ثالثًا: إعادة التموضع بالداخل الليبي: تسعى الإخوان الليبية لإيجاد مجالات للنفوذ والتأثير المتدرج بالداخل، وترى أن بوابة العمل المجتمعي هي المدخل الأكثر ملائمة لإعادة التموضع بالأوساط الليبية، وأن ذلك الدور سيتيح لها رسم صورة ذهنية تخفض الرفض الشعبي لها، أو تمنح عناصرها فرصة لإظهار أنهم منشغلين بهموم المواطنين وإن كانوا خارج السلطة. وبذلك، ستتمكن من التقارب مع المكونات الليبية، وطرح نفسها أمامهم ككيان أجرى مراجعات انتهت بالابتعاد عن العمل السياسي، ويرغب في إصلاح نفسه، وهي واحدة من المسارات التي تجيد الجماعة المناورة فيها، وقد تمكنها من ترميم قواعدها مرة أخرى لاسيما في ظل السيولة السياسية والاجتماعية التي تشهدها ليبيا.

رابعًا: الاستفادة من المزايا القانونية والتمويلية لمنظمات المجتمع المدني: تستهدف الجماعة تحصين موقفها القانون عبر تحولها لجمعية مُرخصة من وزارة الثقافة الليبية، وهو ما سيعيق ملاحقتها كجماعة غير قانونية تمارس أنشطة غير مرخصة، وسيقيد دورها ككيان يعمل بهياكل وأطر سرية مشبوهة. بالإضافة للاستفادة التي ستجنيها من التمويل الحكومي لمنظمات المجتمع المدني العاملة بأنشطة توعوية-دعوية، وإمكانية إعادة تنظيم تدفق التبرعات والتمويلات المتدفقة إليها وفقًا للقوانين الليبية. أضف إلى ذلك فرصة تحصلها على تمويلات كبرى من تلك المخصصات التي رصدتها الولايات المتحدة، وفقًا لقانون دعم استقرار ليبيا، والتي بلغت (23) مليون دولار أمريكي بالعام الجاري 2021.
وفي النهاية، يمكن القول إن جماعة الإخوان المسلمين الليبية تتجه لتفعيل تكتيكًا للمناورة داومت عليه لتجاوز إخفاقاتها، ولا تتجاوز خطوة التحول لجمعية “الإحياء والتجديد” كونها تغييرًا للاسم والشعار، وهو ما أكد عليه قيادات الإخوان الذين ظهروا إعلاميًا للترويج للجمعية الجديدة، وتصريحاتهم بأن منهج الإخوان المسلمين سيكون هو الناظم الرئيسي ومنهجية العمل المحركة للكيان الجديد.

Scroll Up