في خطاب تسلمه جائزة نوبل للسلام، قال آبى أحمد رئيس الوزراء الإثيوبي إن الحرب تجسيد للجحيم. لكن الرجل يبدو الآن كمن يقذف بنفسه وبلاده والآخرين في أتون هذا الجحيم, يقود إثيوبيا لحرب أهلية عاتية، تحمل نذر دمار للمنطقة, يصبح بجوارها ما جرى في سوريا (لعب أطفال)، بتعبير جيفري فيلتمان المبعوث الأمريكي الجديد إلى القرن الإفريقي!.
ترفع جرائم الحرب الأهلية الإثيوبية المشتعلة منسوب الاحتقان والتوتر في القرن الإفريقى، وقد تتوسع إلى إريتريا وجنوب السودان وجيبوتي والصومال وكينيا، وحتى لا يكون ذلك كلاما نظريا، أكد أبونا ماتياس رئيس الكنيسة الأرثوذكسية الإثيوبية، هذا الأسبوع، أن حكومة أديس أبابا تعمل على إبادة عرقية التيجراي، قائلا: إنهم يعملون ليل نهار لا يتوقفون لتدمير تيجراي؛ وإبادة شعبها.
وأضاف: المجازر في جميع الأنحاء؛ يريدون مسح شعب تيجراى من على وجه الأرض. بينما تساءلت مجلة فورين بوليسي: هل تكون إثيوبيا يوغوسلافيا التالية؟، وقالت: يبدو مُستقبل إثيوبيا قاتما، بالنظر لخطر تفككها على الطريقة اليوغوسلافية. وتوقعت مجموعة الأزمات الدولية استمرار المعارك فى تيجراى، سنوات؛ لأن أهالي تيجراى غاضبون من جرائم القتل والاغتصاب واسعة النطاق فى الإقليم. كل هذا والاتحاد الإفريقى والمجتمع الدولي ودن من طين وأخرى من عجين!.
يرى كثير من خبراء القرن الإفريقى أن إثيوبيا هي أعدى أعداء إثيوبيا، وهى تدفع ثمن صعود آبى أحمد المدعوم من قوى عربية وإقليمية ودولية، جاء للسلطة أبريل 2018، متعهدا بمواصلة الطابع (الفيدرالي) للدولة (80 عرقية)، لكنه أحكم قبضته الديكتاتورية؛ عبر فرض (المركزية) على العرقيات، أيدته الأمهرة، وعارضته التيجراى والأورومو. للإنصاف، لا يجوز تسطيح الرؤية إزاء أسباب الحرب الأهلية، وإن ارتبطت بالصراع القائم على السلطة، فإنها متجذرة فى نفوس الشعوب الإثيوبية المتنوعة عرقيا وثقافيا ودينيا، يذهب بعض الخبراء إلى أن إثيوبيا ظلت موحدة على مضض، طوال تاريخها الحديث، فالانقسامات واردة منذ زمن منليك إلى عهد آبى أحمد، إثيوبيا بؤرة حروب أهلية مزمنة، المادة الـ39 من الدستور الإثيوبي الراهن تتيح لكل قومية إعلان دولتها المستقلة، وذلك ما يحاول رئيس الوزراء إبطاله بقوة السلاح، لحد التطهير العرقي والمذابح، على نحو ما يحدث فى تيجراى وغيرها من أقاليم إثيوبيا؛ ما يضع وحدتها على المحك، وقد يدفعها إلى التحلل.
دولة بهذه الهشاشة لا يمكن أن يسمح لها بالتحكم فى مصير 150 مليون مصري وسوداني، وقطع شريان حياتهم، تتبع أديس أبابا سياسة (حافة الهاوية)، ضد مصالح مصر والسودان فى النيل الأزرق، تعرقل التوصل لاتفاق منصف حول (سد الخراب)، ومع ذلك لا تخجل من مطالبة البلدين بعدم الاعتداد بالاتفاقيات القديمة، ومنها 1902، و1929، و1959، والتى وصفتها بالاستعمارية؛ مع أن حصة مصر لا تتجاوز 5% من حجم الأمطار التى تهطل على إثيوبيا التى تشرب مواشيها قدر حصتي مصر والسودان مجتمعتين، من ثمّ ينبغي لدولتي المصب رفض أي اتفاق جزئي، والاحتراس من محاولات (عربية-أمريكية) ضاغطة لإغراء السودان بالاتفاق مع إثيوبيا، وشق التنسيق مع مصر؛ ومن ثم علينا إعادة صياغة استراتيجية واضحة لعلاقاتنا بدولتي السودان وجنوب السودان، لتصبح أكثر تميزا على علاقاتنا بأي من دول العالم، وألا يكون ذلك مؤقتا بل راسخا غير قابل للتبدل عبر الأجيال، يؤكد نابليون أن الوضع الجغرافي هو الذى يملى السياسة؛ لذا يجب أن نؤمن جميعا بأن القاهرة والخرطوم وجوبا في سرج واحد، بقضايا النيل، وألا نكتفى بالحفاظ على الحقوق المكتسبة، بل زيادتها عبر مشروعات حصاد المياه بدول الحوض.
وعلى السودانيين والمصريين إدراك أن الصراع سوف يشتد، إن لم يشتعل، بسبب الصلف الإثيوبي وعرض مياه النيل فى سوق التجارة العالمية. وإذا كانت قوى إقليمية ودولية تقف بالخندق الإثيوبي، فإن هذا ينبغى ألا يغرى بالتراجع، العكس هو الصحيح؛ نعم لا تترك حسابات المواجهة، ماديا وسياسيا، مساحة واسعة لتصفية التهديد، لكن ذلك ينبغى ألا يتحول إلى قناعة، لأننا لو هبطنا على سلالم الخيارات المتاحة، فقد ننتهى إلى سقوط مذل؛ الردع بكل أشكاله على الطاولة، وكل مصري قلبه على هذا الوطن, مؤيدا أم معارضا، عليه الانتباه للمخطط وراء سد الخراب الإثيوبي؛ والوقوف خلف القيادة السياسية في أي خيار (يضمن حقوق مصر الأبدية), فالأمر لا يحتمل الفرجة أو الحياد؛ ومصر- لو عقدت العزم- قادرة على صنع تاريخ جديد نفخر به!.

نقلا عن صحيفة الأهرام في عددها الصادر غدا الأربعاء

Scroll Up