اكتسب المشهد الفلسطيني في منطقتي القدس الشرقية وقطاع غزة طابعًا متقلبًا بين التصعيد العنيف ومحاولات استكشاف سبل التهدئة دون نتائج حتى الآن، حيث تدهور الوضع الأمني في منطقتي باب العامود والشيخ جراح وضواحي المدينتين في سلوان وباب حطة بالقدس الشرقية، ثم ما لبثت أن دخلت القدس الشرقية في هدوء نسبي بعد تصاعد الأحداث بشكل خطير بين حركة حماس والجيش الإسرائيلي في قطاع غزة، بعد أن أطلقت الأولى مجموعة صواريخ وصلت إلى مناطق متفرقة، في القدس، وتل أبيب، وأشدود، وعسقلان.

شدد رئيس الحكومة الإسرائيلية “بنيامين نتانياهو” على اتخاذ خطوات صارمة ضد حركة حماس، رافضًا وساطة الدول التي تدخلت لبحث سبل التهدئة الأمنية في غزة، لذا يثار السؤال حول الاحتمالات الواردة لاندلاع انتفاضة فلسطينية، واحتمالات اجتياح إسرائيل لقطاع غزة بريًا؟

الصورة العامة

تشتبك العديد من المؤشرات التي ارتسمت في الأيام الأخيرة لتشكل صورة متقلبة نوعًا ما، يمكن إيضاحها فيما يلي: 

هدوء نسبي في القدس الشرقية في مقابل تصاعد في إسرائيل: نتج عن تراجع الحكومة الإسرائيلية في قرار إخلاء العائلات الفلسطينية في الشيخ جراح، ووقف مسيرات المستوطنين المتطرفين، وتنظيم دخول المصلين لمسجد الأقصى بصورة طبيعية نسبيًا في الاحياء الشرقية للقدس الشرقية مثل باب الهوى وسلوان وباب العامود.

ولكن على الجانب الآخر يُلاحظ تزايد أعداد المتظاهرين في صفوف عرب إسرائيل في أنحاء مختلفة، مثل: تصاعد المواجهات في النقب وبئر السبع، وحيفا وأم الفحم  انعكس في بيانات لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية في إسرائيل، التي دعت عرب إسرائيل إلى تنظيم أكبر مسيرة احتجاج في مناطق متفرقة في الناصرة واللد ومناطق أخرى. 

تصعيد أمني عنيف: أطلقت حماس والجهاد الإسلامي مجموعات صواريخ على مناطق متفرقة في إسرائيل (تل أبيب، وعسقلان، ومستوطنات غزة) ووصلت الصواريخ إلى مستوطنات بيت شيمش في القدس الغربية. وبحسب القناة الـ 12 الإسرائيلية، فقد أصيب خط أنابيب الوقود بين إيلات وعسقلان في هجوم صاروخي من غزة.

لاحقا اعتمد الجيش الإسرائيلي عملية عسكرية أطلق عليها اسم “حماة الأسوار” ضد قطاع غزة. وصرّح الجيش الإسرائيلي استهدافه 500 هدف تابع لحركة حماس في أنحاء متفرقة من قطاع غزة بواسطة غارات جوية، وضربات مدفعية، وهجمات صاروخية من القوات البحرية. 

غياب بوادر التهدئة في غزة: لا يقدم أي طرف (سواء إسرائيل أو حماس) بوادر تهدئة تجاه بعضهما البعض. إذ يصر نتانياهو على استخدام أقصى درجات الردع العسكري ضد حماس عبر استهداف: 1- قيادات حمساوية وجهادية . 2- أهداف عسكرية. 3- بنية تحتية لحماس (مثل الأنفاق). 4- خلايا إطلاق الصواريخ والإرباك الليلي وعلى الجانب الآخر تستمر حماس في إطلاق رشقات الصواريخ فى العديد من المدن الإسرائيلية بهدف الرهان على احتكار منظومة الردع ضد إسرائيل لصالحها.

محاولات توسط للتهدئة: حسب تقارير عربية نسبت فشل مجلس الأمن الدولي في الوصول إلى بيان جماعي للبحث الهدوء في القدس إلى الولايات المتحدة. التي منحت إسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها وضبط الأمن في القدس رغم مطالبتها بحق الفلسطينيين في السلامة والأمن.

في حين أقرت جامعة الدول العربية تشكيل لجنة وزارية عربية تضم كل من مصر والأردن والسعودية وفلسطين وقطر والمغرب “للتحرك والتواصل مع الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن وغيرها من الدول المؤثرة دوليًا لحثها على اتخاذ خطوات عملية لوقف الإجراءات والسياسات الإسرائيلية غير القانونية في القدس”.

هل تُقبل إسرائيل على اجتياح غزة بريًا؟

لم يقرر المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر اعتماد عملية برية ضد حماس، بل اكتفت الحكومة بتنظيم خطة عسكرية جوية وبحرية تحت مسمى كودي وهي “حماة الأسوار”. تستهدف أنفاق هجومية تنتهي عند معابر وحدود قطاع غزة قد تتعرض من خلالها الدبابات والتشكيلات العسكرية الإسرائيلية لخطر الهجوم من عناصر تتبع حماس؛ لذا تحرص إسرائيل من خلال غاراتها على استهداف خلايا حمساوية في مدينة غزة. مما أسفر عن سقوط قيادات من حركة حماس مثل محمد الفياض (حسب تصريحات المتحدثين الرسميين للجيش الإسرائيلي).

يعني الاجتياح الإسرائيلي البري لقطاع غزة تفعيل نشاط عسكري مكثف في الجبهة الجنوبية لإسرائيل، مما قد يحد من الانتشار العسكري لإسرائيل على الجبهات الشمالية قبالة سوريا ولبنان، لذا تحتاج الحكومة الإسرائيلي إلى اختبار نوايا حزب الله ومليشيات الشيعية التابعة لإيران في سوريا قبل الدخول في عملية عسكرية في غزة.

كما يمكن أن يتسبب الاجتياح البري في إثقال الحكومة الإسرائيلية الحالية والجيش الإسرائيلي تكلفة سياسية وعسكرية باهظة الثمن لا يقدر نتانياهو على تحملها في الظرف الراهن. لا سيما وأن الوسائل الجوية والصاروخية الإسرائيلية تفي بالغرض وتحقق لإسرائيل تفوقا نوعيًا أكبر، انعكس في تصريحات أفيف كوخافي رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الذي أكد على استهداف 500 هدفا واغتيال قيادات لحركة حماس.

هل يفضي المشهد في القدس إلى انتفاضة؟

يرتكن سيناريو اندلاع انتفاضة في القدس على عدة متغيرات حاكمة، من أهمها أن تتسلل التظاهرات إلى مدن الضفة الغربية (المنطقة ب)، وهو ما تم تحييده إذ أغلقت إسرائيل الطرق الرابطة بين القدس والمنطقة ب، بل وفرضت هدوء نسبيًا في أنحاء القدس الشرقية. 

كما أعلنت الجماعات الاستيطانية المحسوبة على التيار اليميني الديني في إسرائيل وبالتحديد المستوطنين في الضفة الغربية بيانًا تتنصل فيه من الاستفزازات الإسرائيلية الأخيرة في القدس؛ وذلك درئا لتسلل العنف أو مسيرات التظاهر إلى الضفة الغربية فيعرضهم إلى الخطر. لذا قد يمنح الفلسطينيون في الضفة هدوء نسبيًا.

يتوقف أيضا سيناريو الانتفاضة على مواصلة التيار اليميني القومي الاستفزازات المتكررة في منطقتي باب العامود والتي تمنح النضال الفلسطيني طابعا دينيا قويا، والشيخ الجراح التي تمنح النضال الفلسطيني طابعا وطنيا، بجانب ان هذه الاستفزازات تدعمها قوات الأمن الإسرائيلية بكافة فئاتها. وتجدر الإشارة إلى أن محكمة العدل العليا أجلت نشر قرار إخلاء وهدم المنازل في الشيخ الجراح، بناء على طلب من الحكومة.

ختاما يمكن التأكيد على مجموعة من النقاط، وهي:

  1. أن نتانياهو يرغب في مواصلة هذا المشهد التصعيدي مع حماس لأيام إضافية؛ بغرض أهداف سياسية تساعده على التشويش على مساعي نفتالي بينيت ويائير لابيد على تشكيل الحكومة، وبالتالي الذهاب إلى سيناريو الانتخابات الخامسة.
  2. ستحاول قوات الامن الإسرائيلية تعزيز وجودها في الضفة الغربية وأنحاء متفرقة من الأحياء العربية في إسرائيل من أجل منع الدخول في سيناريو انتفاضة فلسطينية.
  3. استمرار استهداف إسرائيل لقيادات حماس والخلايا المسلحة التابعة لها وللجهاد الإسلامي؛ وذلك من أجل إعادة السيطرة على منظومة الردع ضد حماس، والرد على الهجمات الصاروخية لحماس التي وصلت إلى المستوطنات والبنى التحتية.
  4. أن أحد الجوانب الجديدة فى هذه الأحداث يتمثل فى المظاهرات والإشتباكات التى تحدث فى بعض المدن العربية خاصة فى مدينة أم الفحم واللد، والسؤال هنا هل سوف تستمر هذه التظاهرات من عدمه وإلى أي حد بمكن أن تؤثر على المشهد كله.
  5. أن جهود التهدئة سوف تبدأ خلال وقت قصير من أجل إحتواء هذا الموقف، ومن المتوقع أن تقبل الأطراف المتصارعة بتدخل عربي ودولي لمنع تدهور الأوضاع أكثر من ذلك ويكتفى كل طرف بما حققه.
  6. أن السلطة الفلسطينية سوف تسعى إلى تدويل هذه الأحداث حتى يمكن أن تجذب أكبر إدانة لإسرائيل .