منذ أكثر من 1000 عام تأسست القاهرة وبالتحديد عام 969 ميلاديًا، على يد السلالة الفاطمية أثناء حكمها لمصر، اُختير موقعها بالقرب من العاصمة القومية للفراعنة بالقرب من دلتا نهر النيل وأطلقوا عليه هليوبوليس، لتسهيل عملية التجارة والنقل عبر مياه النيل. ظلت القاهرة في النمو حتى أصبحت أهم عاصمة وأكبر مدينة في الوطن العربي وأفريقيا، وسادس أكبر مدينة في العالم، وهي تعد مركزًا للحياة السياسية والثقافية للمنطقة. 

أصبح التخطيط للمدن أهم مراحل بناء الدولة الحديثة، وقد شهدت العقود الأخيرة تحولًا كبيرًا في شكل المدن عالميًا، والاتجاه نحو بناء مدن أكثر تحضرًا. ووفقا لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية يعيش أكثر من 53% من سكان العالم في المناطق الحضرية، وتستمر المدن الحضرية في النمو بشكل ملحوظ عالميًا. لماذا كل ذلك النمو في المدن الحضرية وما هو دورها في بناء اقتصادات الدول؟

نشأة المدن الحضرية

ظهر مفهوم المدن الحضرية للمرة الأولى من عالِم التخطيط الحضري تشارلز إدوارد جانيريه المعروف باسم لو كوربوزييه، وهو مهندس معماري سويسري فرنسي وكاتب لواحدة من أعظم النظريات التي تعد الأساس في إنشاء الهندسة المعمارية الحديثة. كان شغل لو كوربوزييه الشاغل هو توفير معيشة أفضل للسكان من خلال خلق بيئة سياسية وثقافية واجتماعية تجذب الأشخاص والشركات للوجود بداخلها، لتتحول في وقت لاحق إلى تكتلات اقتصادية عملاقة، وأداة قوية للتأثير على الوضع السياسي والاقتصادي إقليميا.

ويُمكن وصف المدن الحضرية في الوقت الحالي بنفس مدرسة لو كوربوزييه على أنها مدن تتكون من قلب حضري مُكتظ بالسكان لديها مجموعة من الخصائص التي تميزها مثل الولاية الإدارية، ووجود صناعات مرتبطة، وشبكة نقل متطورة وبنية تحتية جيدة. وغالبا ما تكون المدن الحضارية هي المراكز السياسية والثقافية والاقتصادية للدول. وتعد مدينة باريس في فرنسا ومدينة مومباي في الهند ومدينة نيويورك في الولايات المتحدة الأمريكية وطوكيو في اليابان وسيول في كوريا وغيرها مثالًا على المدن الحضرية العملاقة التي أحدثت فارقًا في الوضع الاقتصادي، وساهمت في دفع عجلة التنمية الاقتصادية لتلك البلاد.

مميزات المدن الحضرية

يمكن تفسير الاتجاه العالمي للتحول نحو المدن الحضرية الكبيرة وذات التركز السكاني بالفوائد الاقصادية المتعددة التي تنشأ من وجود مثل تلك المدن بأي دولة؛ إذ تمكن المدن الحضرية من تكوين ما يعرف باقتصاديات التكتل الذي ينشأ من خلال تمركز مجموعة كبيرة من السكان في موقع جغرافي واحد، يسمح ذلك التمركز بجذب عدد كبير من الشركات للاستثمار في تلك المنطقة، للاستفادة من الطلب المرتفع في تلك المنطقة والتكاليف المنخفضة لعمليات التسويق والنقل والتوزيع.

تمتلك المناطق الحضرية أيضًا مؤهلات أكبر من حيث رأس المال (المادي والبشري)، فغالبًا ما يكون مستوى المهارات بالمناطق الحضرية أكبر من غيرها، ولها بنية ديمغرافية أفضل، وهو ما يضمن استمرارية عرض رأس المال البشري (الأيدي العاملة). أما عن رأس المال المادي فتمتلك المناطق الحضرية مخزونًا كبيرًا في رأس مالها المادي من حيث وجود عدد كبير من الشركات بها، والمخزونات ومرافق البنية التحتية، بالإضافة إلى وجود بنية تحتية أفضل. وتتعظم تلك الفوائد كلما زادت نسبة التحضر في المدينة. 

جانب آخر من المميزات التي تتيحها المدن الحضرية هو إمكانية تطبيق النظريات الاقتصادية التي تعرف بـ “التخصص” حيث يمكن للمدينة أن تتخصص في صناعة بعينها أو مجموعه صناعات مرتبطة توفر قيمة مضافة مرتفعة وتبادل أيسر للمعرفة، وهو ما يساهم في تدعيم أنشطة البحث والتطوير وتوليد الابتكار. يظهر ذلك جليًا في تقرير منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية الذي يشير إلى أن أكثر من 81% من براءات الاختراع التي تم تسجيلها بها كان بأسماء مرشحين يقطنون بالمناطق الحضرية.

ومن ثم فإنه يُمكن لمدن حضرية بعينها أن تساهم في تحقيق طفرة اقتصادية بالبلاد، فعلى سبيل المثال يُمثل وادي سيليكون في ولاية كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأمريكية حوالي 14.6% من الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي، فيبلغ حجم اقتصادها 3.1 ترليون دولار، وتُصدّر بحوالي 105 مليار دولار، تليها ولاية تِكساس التي يبلغ حجم اقتصادها 1.76 ترليون وتساهم بحوالي 8.6% في اقتصاد أمريكا، تليها ولاية نيويورك التي يبلغ حجم اقتصادها 1.7 ترليون دولار وتساهم بحوالي 8.2 من اقتصاد أمريكا. ولكل ولاية طابع اقتصادي خاص، فتشتهر ولاية كاليفورنيا بصناعة تكنولوجيا المعلومات، وتعد الأول عالميًا في هذا المجال، بينما تشتهر نيويورك أنها عاصمة المال والأعمال عالميًا، وتشتهر ولاية تِكساس بتصدير منتجات الطاقة والمنتجات الزراعية. 

من جانب آخر وبالنظر إلى الصين (ثاني أكبر اقتصاد في العالم بناتج محلي اجمالي 14.6 ترليون دولار)، سنجد أن أربع مدن فقط تشكل حوالي 33% من الناتج المحلي الإجمالي للصين (قوانغدونغ 1.6 ترليون، جيانغسو 1.5 ترليون، شاندونغ 1.1 ترليون، تشجيانغ 0.9 ترليون). أما اليابان فإن طوكيو تساهم بحوالي 18% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، تليها أوساكا بحوالي 7.37%. ومن ثم فإنه يمكن لبناء مدن حضرية أن تحدث طفرات في الوضع الاقتصادي للبلاد، خاصة وأن المدن الحضرية توفر المميزات التي سبق الإشارة لها والتي تتحول إلى تكتلات اقتصادية ومراكز ثقل كبيرة في اقتصادات الدول.

مُدن حضرية مصرية

تعد العاصمة الإدارية الجديدة -ذلك المشروع العملاق الذي أُعلن في 13 مارس 2015 خلال مؤتمر شرم الشيخ لدعم الاقتصاد المصري- هي النموذج التطبيقي لبناء مدينة حضرية ينطبق عليها مفهوم التخطيط العمراني لما بعد الحداثة، فقد اختير المشروع ليكون على بعد 45 كم من القاهرة التاريخية بين محافظتي القاهرة والسويس، ليتم إنشاؤه على مساحة 683 كم مربع، ليستهدف توفير سكن لحوالي 6 – 6.5 مليون نسمة.

الشكل 1: موقع العاصمة الادارية الجديدة من العاصمة التارخية للقاهرة

بتحليلنا لموقع الاختيار فقد تم اختيار الموقع بعناية لتكون العاصمة الإدارية الجديدة مركزًا سياسيًا وماليًا وتجاريًا لمصر؛ يربط الموقع بين محور قناة السويس الذي يمثل ميناءً كبيرًا يمكن من خلاله التعامل مع باقي دول العالم، وبين العاصمة التاريخية القديمة التي توفر الأيدي العاملة. يتكون مخطط المدينة من 4 مراحل تحتوي المرحلة الأولى التي تمثل 3.8% من مساحة المدينة على القطاع الإداري والوزاري الذي يُسمى بالمنطقة الحكومية، هذا فضلًا عن وجود منطقة سكنية وبنية تحتية تدعم البيئة الاجتماعية للمدينة (دينية، ثقافية، صحية، تعليمية، ترفيهية، …).

هذا فضلًا عن وجود حديقة تبلغ مساحتها 23 كيلو متر مربع، ومن ثم فإن ذلك التصميم يهدف إلى خلق مركز سياسي اقتصادي للمدينة؛ إذ إن تجميع الجهات الحكومية في مقر واحد يساهم في تحسين بيئة الأعمال في مصر من خلال تحسين الخدمات الحكومية المقدمة للشركات والأفراد على حد سواء، ووجودها بالقرب من القاهرة القديمة المأهوله بالسكان 9 مليون نسمة تقريبًا، سيسهل عملية نقل العاملين والسكان للعيش بها، وتوفير أماكن تِجارية ومالية للشركات مع بنية تحتية متميزة تساهم في تحويل المدينة إلى مركز مالي عالمي في منطقة الشرق الأوسط على غرار سنغافورة، أو مدينة مومباي في الهند أو نيويورك في الولايات المتحدة الأمريكية. أما عن قربها من قناة السويس فإن ذلك الأمر يعظم ميزتها الجغرافية من حيث قربها من الموانئ، ويسهل على الشركات متابعة أعمالها التجارية بسهولة ويسر.

ذلك المنظور في التخطيط الحديث الذي اتبعته الدولة المصرية لم يتوقف على العاصمة الإدارية الجديدة، بل تم انتهاج نفس السياسات التخطيطية في مدن أخرى في محافظات أخرى بمصر لتحويلها إلى مراكز اقتصادية واجتماعية تساهم في خلق قيمه مضافة للاقتصاد، فعلى سبيل المثال مدينة العلمين الجديدة والتي تم تصميمها لتكون مدينة سياحية خضراء يمكن أن يُطلق عليها مدن الجيل الرابع.

تقع المدينة في المنطقة بين طريق وادي النطرون إلى الضبعة بطول 48 كم من الطريق (الإسكندرية – مرسي مطروح)، وتنقسم المدينة إلى شريحة سياحية وتاريخية وسكنية، من المخطط لتلك المدينة أن تكون مدينة سياحية عالمية على طراز لوس أنجيليس بالولايات المتحدة الأمريكية، أو ريو ديجينيرو في البرازيل، أو برشلونة في إسبانيا؛ إذ يوجد بالمدينة حي للفنادق السياحية، ومركز للمؤتمرات والمعارض، ومنطقة ترفيهية، ومركز ثقافي يتكون من متحف مفتوح ومدينة سكنية لتوفير السكن المناسب لقاطني المدينة، وتعتمد المدينة معايير استدامة الطاقة وتدوير المخلفات وتُوفر مساحات خضراء للفرد بمساحة 15 مترا مربعا للفرد ومن ثم يطلق عليها مدينة خضراء أو مدينة مستدامة.

من المتوقع أن تصبح تلك المدينة مركزًا لريادة المال والأعمال على المستوى الإقليمي والدولي، فيتوفر بها جميع الخدمات الحكومية، والكثافة السكانية التي تسمح للشركات العالمية أن تتخذ من تلك المدينة مقرًا لها. 

نموذج آخر على المراكز الحضرية العمرانية المصرية التي من المؤَهل لها أن تكون مركزًا اقتصاديًا إقليميا هي مدينة دمياط الجديدة. تقع المدينة على طول البحر الأبيض المتوسط بحوالي 5 كم، وتبعد 4.5 كم عن مدينة دمياط، تبلغ مساحة المدينة 18 كم2، بُنيت بهدف أن تكون مركزًا سياحيًا واعدًا ملحقًا به مجمع صناعي يسهم في تلبية احتياجات المدينة وتساهم في توليد قيمة مضافة للاقتصاد المصري، سواء بالتصدير إلى المحافظات الأخرى بمصر أو بالتصدير إلى الدول الأخرى.

ومن ثم فإنه لم يعد حلمًا أن نرى مدنًا مصرية تكون مراكز سكانية ذات ثقل إقليمي على المستوى الاقتصادي والسياسي؛ إذ إن تلك المدن المصرية من المرشح لها أن تكون مدنًا حضرية عملاقة مثلها كمثل باقي المدن الحضرية في العالم، لتساهم في تعظيم القيمة المضافة للاقتصاد المصري، وتعظم من الصادرات المصرية وتخلق بيئة أعمال جاذبة للشركات العالمية للاستثمار بها واعتبارها مقرًا إقليميًا لممارسة أعمالهم في المنطقة.

Scroll Up