تحولًا من نموذج كان يمثل نجاحًا نسبيًا في تجاوز الموجة الأولى من الوباء العام الماضي، حيث تصرفت نيودلهي بسرعة وأعلنت إغلاقًا على مستوى البلاد وبدأت حملة وطنية للتلقيح، حتى بدت قريبة من هزيمة الفيروس في فبراير. باتت الهند حاليًا بؤرة وباء كورونا عالميًا، بتسجيلها مئات الآلاف من الحالات يوميًا تخطت يوم 7 مايو 400 ألف حالة، ولديها أعلى متوسط يومي من عدد الوفيات في العالم.
بات المشهد مأساويًا؛ أعداد مهولة من المرضى تتشارك الأسرة في المستشفيات التي باتت عاجزة عن مواكبة الزيادة المضطردة في الأعداد، إمدادات الأكسجين في المستشفيات متراجعة، حملات التطعيم متباطئة جراء تصدير ملايين الجرعات للخارج، أفران حريق الجثث تذوب من الاستخدام المفرط، واستجابة حكومة بطيئة رغم علمها أن حدوث موجة ثانية شرسة أمر ممكن بحلول أواخر العام الماضي. وساهمت الممارسات غير المسؤولة في زيادة التفشي حيث استمرت التجمعات الانتخابية، واجتذب مهرجان هندوسي ملايين الأشخاص إلى نهر الغانج خلال أبريل، وانخفض ارتداء الأقنعة والتباعد الاجتماعي، علاوة على ظهور سلالة جديدة سريعة الانتشار تعرف بـ “الطفرة المزدوجة” كانت على ما يبدو موجودة منذ أكتوبر الماضي.

الحالة الوبائية

مع ارتفاع حالات الإصابات والوفيات بكورونا، لاحظ الأطباء عودة بعض المرضى الذين خرجوا من المستشفيات بأعراض مختلفة، تشمل ألم الجيوب الأنفية أو انسداد الأنف على جانب واحد من الوجه، وعدم وضوح الرؤية، وإفرازات سوداء ودموية من الأنف، وتغير لون الأنف، والصداع من جانب واحد، والتورم أو التنميل، وآلام الأسنان. وكان المرض الجديد عبارة عن عدوى فطرية مميتة تسمى “الفطر الأسود”، ويقول الأطباء إنها تتفشى بشكل متزايد بين الأشخاص الذين يعانون من ضعف جهاز المناعة بسبب فيروس كورونا والعقاقير المستخدمة لعلاجه، مما فاقم من الأزمة الصحية في البلاد.
وقد جرى الإبلاغ عما يقرب من 9 آلاف حالة إصابة، تسيطر ولايتي غوجارات ومهاراشترا الغربية على أكثر من نصفهم، في حين يتوزع الباقي على 15 ولاية أخرى أبلغت عما بين 8 إلى 900 حالة، ولوحظ أن المرض يظهر خلال 12 إلى 18 يومًا من الشفاء من كورونا، ويتم علاجه بإعطاء حقنة وريدية مضادة للفطريات (الأمفوتريسين-ب ديوكسيكولاتي وأمفوتيريسين ليبوسومال)، يومًا لمدة تصل إلى 8 أسابيع، وفي كثير من الحالات يجب التدخل الجراحي عبر استئصال العين لإنقاذ حياة المريض.
والفطر الأسود هو عدوى نادرة جدًا، تنتج عن التعرض لعفن المخاط الذي يوجد عادة في التربة والنباتات والسماد الطبيعي والفواكه والخضروات المتحللة، وهو موجود في كل مكان ويوجد في التربة والهواء وحتى في أنف ومخاط الأشخاص الأصحاء. ويؤثر الفطر على الجيوب الأنفية والدماغ والرئتين ويمكن أن يهدد حياة مرضى السكري أو الأفراد المصابين بضعف المناعة، مثل مرضى السرطان أو الإيدز. ويبدأ المرض في الظهور على شكل عدوى جلدية في الجيوب الهوائية الموجودة خلف الجبهة والأنف وعظام الخد وبين العينين والأسنان، ثم ينتشر بعد ذلك إلى العينين والرئتين، وفي الحالات الشديدة تنتقل العدوى عبر الأوعية الدموية إلى المخ، مما قد يؤدي إلى فقدان البصر أو إحداث “فجوة” في الوجه، وإذا لم يتم السيطرة عليه وعلاجه يمكن أن يكون معدل الوفيات بين 20% إلى 50%.
وتعبيرًا عن كثافة الحالات المصابة بالمرض مقارنة بالأعوام السابقة، قال استشاري عيون في مستشفى هندوجا في مومباي: “في السابق كنت أرى مريضًا واحدًا في السنة، الآن أرى حوالي مريض واحد في الأسبوع”. كما أبلغ مستشفى سيون المزدحم في مومباي عن 24 حالة إصابة بالفطريات في الشهرين الماضيين، ارتفاعًا من ست حالات سنويًا. وقال أحد جراحي الأذن والأنف والحنجرة في معهد أبحاث فورتيس التذكاري: “عادة ما ترى أربع إلى خمس حالات في العمر، والآن نشهد أربع إلى خمس حالات في اليوم”.
ووسط تزايد حالات الإصابة بالفطر الأسود في البلاد، تم تشخيص ما يصل إلى سبعة مرضى بغازي آباد في ولاية أوتار براديش بالفطر الأبيض الذي يصيب الرئتين ويسبب الالتهاب الرئوي، ولا يُمكن علاجه إلا من خلال الحقن الوريدية. كما تم الإبلاغ عن أول حالة للفطر الأصفر وهو أخطر من الفطريات السوداء والبيضاء.

أسباب انتشار الفطريات في الهند

تكاتفت مجموعة من الخصائص الصحية والاجتماعية والبيئية، جعلت من الهند بيئة خصبة لانتشار أمراض الفطريات، وجاءت جائحة كورونا لتفاقم من تلك الأزمة الصحية على النحو المشار إليه سلفًا، وفيما يلي نستعرض تلك الأسباب:
• الخصائص الصحية للسكان: كشفت الإحصاءات أن الغالبية العظمى من مصابي “الفطر الأسود” يعانون من مرض “السكري” غير المنتظم، وتصنف الهند بأنها “عاصمة مرض السكري” حيث تضم ما يصل إلى 50 مليون شخص يعانون من مرض السكري من النوع الثاني. ووفقًا لصحيفة وقائع منظمة الصحة العالمية حول مرض السكري، فإن ما يقدر بنحو 3.4 مليون حالة وفاة ناتجة عن ارتفاع نسبة السكر في الدم.
• البروتوكول العلاجي لفيروس كورونا: مع الإصابة بفيروس كورونا، يُمكن أن تحدث ظاهرة خطيرة تسمى “عاصفة السيتوكين” حيث يقوم الجهاز المناعي في التسبب في تلف الأعضاء، لذلك يصف الأطباء المنشطات لتقليل الاستجابة المناعية، لكن كلاهما يضعف دفاعات الجسم ويزيد من مستويات السكر، مما يؤدي إلى نمو الفطريات. وتحت الضغط الشديد للموجة الثانية، وصف الأطباء قائمة من الأدوية بما في ذلك المنشطات والمضادات الحيوية للأشخاص الذين يعانون من أعراض خفيفة.
علاوة على ذلك، أرسلت الحكومات المحلية في الهند رسائل متضاربة بشأن الأدوية التي يجب تناولها، وأحيانًا تتعارض مع الأعراف العالمية؛ فعلى سبيل المثال، تقوم العديد من الولايات الهندية بتوزيع عقار “إيفرمكتين” المضاد للطفيليات كعلاج وقائي لكورونا، على الرغم من تحذيرات منظمة الصحة العالمية من استخدامه، وأدرج آخرون المضادات الحيوية والمنشطات في عبوات العناية المنزلية لكورونا. إضافة إلى أن بعض المرضى قد يأخذون المنشطات في المنزل دون استشارة طبية.
كما أن مرضى كورونا الذين يخضعون للعلاج بالأكسجين في وحدات العناية المركزة قد يكون لديهم أجهزة ترطيب في الجناح، مما قد يزيد من تعرضهم للرطوبة، ويجعلهم أكثر عرضة للعدوى الفطرية.
• التقاليد الاجتماعية: تنتشر في الهند بعض المعتقدات غير الصحية التي قد تساهم في وصول الفطريات إلى جسم الإنسان، فعلى سبيل المثال، يذهب بعض الناس من ولاية غوجارات غربي الهند إلى ملاجئ الأبقار مرة واحدة في الأسبوع لتغطية أجسادهم بروث البقر والبول على أمل أن يعزز مناعتهم، أو يساعدهم على التعافي من المرض، وهو أمر يشكل خطرًا بالنظر إلى أن هذا الفطر يعيش في البيئات الرطبة وينتقل إلى الإنسان عبر الاستنشاق أو الجلد بعد إصابة سطحية مثل الجرح أو الحرق.
• البيئة المناخية: تصنف الهند ضمن المناخات الاستوائية حيث تتفاقم الفطريات، وبالأخص خلال المناخ الحار والرطب في فصل الصيف، وهو ما ساهم في انتشار الفطريات السوداء، وهي حالات موجودة بالبلاد قبل انتشار فيروس كورونا، لكنها تضاعف مؤخرًا؛ فقد أشارت دراسة أجراها علماء الأحياء الدقيقة الهنود، نُشرت في مارس في مجلة Microorganisms، إلى أن الفطر الأسود أكثر انتشارًا في الهند 70 مرة منه في البيانات العالمية. وقالت الدراسة إن هناك عدة أسباب محتملة وراء ذلك، منها: ارتفاع معدلات مرضى “السكري” غير المنضبط، بل أن العديد من المرضى الذين خضعوا للدراسة لم يعرفوا حتى أنهم مصابون بمرض السكري حتى تم تشخيص إصابتهم بالفطر الأسود، مما يدل على عدم وجود فحوصات طبية منتظمة بين السكان الهنود، والتأخير في التماس العناية الطبية وتشخيص المرض، والتحديات في إدارة المرحلة المتقدمة من العدوى.
• انهيار النظام الصحي: انهار النظام الصحي في الهند تحت وطأة الموجة الثانية من فيروس كورونا، فلم تعد المستشفيات وغرف الرعاية الصحية تستوعب الأعداد الضخمة من المرضى، الذين يتلقون العلاج في الطرقات ويتكدسون في غرفة واحدة، ونفذ الأكسجين من المستشفيات ويضطر الأفراد لجلب الأكسجين في شاحنات صغيرة، وأصبحت معدلات إصابة الأطباء والممرضات بالعدوى تنذر بالخطر، ولا يجد المصابون بأمراض أخرى كالنوبات القلبية والسكتة الدماغية وغيرهم أسرة لتلقي العلاج ما ينذر بأزمة صحية أخرى.
وانعكس ذلك في تراجع متابعة حالة المرضى بعد تعافيهم وخروجهم من المستشفيات لمراقبة ما يُمكن تسميته أمراض ما بعض كورونا ومن ذلك الفطريات. ويرتبط ذلك بتدهور النظام الصحي الهندي أصلًا؛ حيث تنفق الحكومة مبلغًا صغيرًا على الصحة سنويًا (أقل من 2% من الناتج المحلي الإجمالي)، ولا يوجد في البلاد ما يكفي من أسرة المستشفيات، ناهيك عن أسرة الرعاية الحرجة، للتعامل مع أزمة هائلة.
علاوة على ذلك هناك نقص حاد في الأدوية الرئيسية المضادة للفطريات “أمفوتريسين-ب”، وقالت شركة جلعاد، التي تصنع الدواء، إنها تجهز عدة مئات الآلاف من المخزون الإضافي من الأدوية المضادة للفطريات.
ختامًا، ينتشر مرض “الفطر الأسود” في العديد من البلاد بخلاف الهند بما في ذلك المملكة المتحدة والولايات المتحدة وفرنسا والنمسا والبرازيل والمكسيك، إلا أن معدلات الإصابة في الهند مرتفعة ارتباطًا بعدة عوامل منها الخصائص الصحية للسكان، والسياسة العلاجية لفيروس كورونا، والتقاليد الاجتماعية، وانهيار النظام الصحي، والبيئة المناخية، ولم يقتصر الأمر على الفطر الأسود، حيث أبلغت البلاد خلال الأيام الماضية عن حالات إصابة بالفطر الأبيض والأصفر.

Scroll Up