دخلت مالي دوامة جديدة من عدم الاستقرار السياسي والأمني، فبعد ساعات من إجراء تعديل وزاري داخل الحكومة الانتقالية، في الأيام القليلة الماضية، أعلن العقيد أسيمي جويتا الذي قاد الانقلاب في أغسطس الماضي، اعتقال الرئيس الانتقالي باه نداو ورئيس الوزراء مختار عوان، واتهمهما بالفشل في أداء مهامهما، وانهما كانا يريدان تخريب عملية التحول في البلاد. في حين اعتبر مراقبون دوليون أن الخطوة تُمثل “انقلاباً داخل الانقلاب”.   

وقد تولى باه نداو السلطة لتيسير المرحلة الانتقالية في سبتمبر الماضي عقب انقلاب عسكري في أغسطس من نفس العام أطاح بالرئيس المالي آنذاك، إبراهيم أبو بكر كيتا، وأجبره على الاستقالة بعد عامين من إعادة انتخابه.

وعاد المشهد يتكرر بالأمس مرة أخرى بعد قيام الرئيس الانتقالي المالي باه انداو ووزيره الأول، مختار وان، بتقديم استقالتهما بعد قُرابة يومين من احتجازهما لدى الانقلابين في ثكنة عسكرة بالقرب من العاصمة باماكو. وجاء تقديم الاستقالة أمام وفد من المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس)، يقود وساطة لتسوية الأزمة في مالي.

تشهد مالي أزمة سياسية جديدة، لتُضاف بذلك إلى قائمة الأزمات التي تعيشها الدولة الواقعة في غرب إفريقيا منذُ سنوات مع استمرار الهجمات الدامية التي تنفذها الجماعات الإرهابية، فضلاً عن النزعات القبلية الداخلية وغيرها من أعمال العنف التي خلفت آلاف القتلى والمُصابين ومئات الآلاف من المُشردين. 

وعلى ضوء الازمة السياسية الأخيرة في مالي، وغيرها من الأزمات السياسية والأمنية التي شهدتها منطقة الساحل الأفريقي على مدار الشهرين الماضيين، ولعل أبرزها مقتل الرئيس التشادى، إدريس ديبي، يُمكن طرح العديد من التساؤلات حول مُستقبل الأوضاع الأمنية في منطقة الساحل الإفريقي في ظل هذه الأوضاع المُلتهبة التي تعيشها المنطقة في الآونة الأخيرة.  

ردود أفعال عالمية غاضبة على الانقلاب

تتابعت ردود الأفعال الدولية الغاضبة من اعتقال الرئيس الانتقالي في مالي ورئيس الوزراء، كما يلي:

  • انطلاقا من كونها إحدى الدول المهمة في الصحراء الكبرى المعنية بمكافحة الإرهاب؛ أدانت فرنسا بشدة اعتقال رئيس مالي ورئيس الحكومة الانتقالية وطالبت بالإفراج الفوري عنهم وضمان امنهم واستمرار مسيرة الانتقال السلمي للسلطة في البلاد.

ويُمكن القول بأن رد الفعل الفرنسي الغاضب والصارم من الانقلاب في مالي يرجع إلى كون مالي دولة هامة بالنسبة لفرنسا التي تنشر الآلاف من جنودها هُناك، وذلك بعد تدخلها عسكريا ضمن مُحاولات مُكافحة التنظيمات الجهادية في منطقة الساحل الإفريقي.

ويُعود الوجود الفرنسي العسكري في مالي إلى عام 2013، بعد أن قامت باريس بنشر جنودها لمُساعدة العاصمة المالية، باماكو، في استعادة أراضيها من الجماعات المُتطرفة. وقد وصل عدد الجنود الفرنسيين الموجودين في مالي إلى 4500 جندي، 1700 منهم في قاعدة غاو.  كما قامت فرنسا بالعديد من العمليات في شمال مالي، مثل ” برخان” وسرفال”. وقد اسفرت الهجمات الدموية في مالي عن مقتل ما يزيد عن 40 جندياً فرنسياً مُنذ تدخل فرنسا في مالي. 

  • كما أدانت بعثة الأمم المتحدة في مالي والمجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا “الإيكواس” والاتحاد الأفريقي وفرنسا والولايات المتحدة والمملكة المتحدة وألمانيا والاتحاد الأوروبي بشدة محاولة استخدام القوة، وطالبت في بيان مشترك بالإفراج الفوري وغير المشروط عن القادة الانتقاليين الذين أعربوا عن دعمهم الثابت لهم.
  • من جانبه دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في تغريده إلى الهدوء والإفراج غير المشروط عنهم، وقال ديبلوماسيون إن مجلس الأمن الدولي يمكن أن يعقد اجتماعا طارئا في الأيام المقبلة حول مالي.

مالي.. أوضاع سياسية وأمنية هشّة

على الرغم من الجُهود الدولية الرامية إلى مُكافحة الإرهاب ودعم الاستقرار في مالي، إلا انها تعيش تُخمة من الازمات السياسية والاقتصادية والأمنية، تُزعزع من استقرار الدولة المالية، وتُهدد من مُستقبل أمنها السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ومن أبرز هذه الأزمات ما يلي:

الانقلابات العسكرية: تعيش مالي أزمة سياسية عميقة على إثر ظاهرة الانقلابات العسكرية والتي باتت ظاهرة مألوفة في الأراضي المالية. فعلى مدار العقود الماضية شهدت مالي العديد من الانقلابات العسكرية، وكما شاهدنا في الأيام الماضية فقد تفاقم الأمر وأصبحنا نشهد “انقلابا داخل الانقلاب” مما يُدخل البلاد في حالة من عدم الاستقرار الأمني والسياسي.

انتشار الجماعات الإرهابية: على الرغم من وجود العديد من القوات المنوطة بمكافحة الإرهاب في مالي، كقوات مجموعة الساحل الخمس، G5، وبارخان ومينوسما، إلاّ أن مالي تبقي كما تُطلق عليها مُعظم التحليلات ” أفغانستان إفريقيا” حيثُ تنتشر بها العديد من الجماعات الإرهابية التي تُسيطر على مساحات شاسعة من أراضيها، ومن أبرزها: جماعة نصرة الإسلام والمُسلمين، وجماعة التوحيد والجهاد. كما تُعتبر مالي مرتعاً للصراع الدائر بين تنظيمي داعش والقاعدة لبسط نفوذهما على المنطقة.

صراعات عرقية: تتصاعد أعمال العنف بين القبائل في مالي تاركةً مئات القتلى والمُصابين. والأمر الذي يُعزز من تلك الصراعات هو التنوع العرقي الكبير في مالي، حيثُ تضم أكثر من 14 مليون ساكن ينتمون إلى نحو 20 عرقية مُختلفة، من بينها ” البامبارا” و” المالينكي” و”السونغاي”، إضافة إلى “المور” و”الطوارق” و”الدوغون” و”الفولان”، وتنشب الكثير من الخلافات بين هذه القبائل لأسباب تتعلق بالنزاعات على الأرض والمياه.

مُؤشرات مُقلقة حول مُستقبل الأمن في منطقة الساحل الإفريقي

تعيش دول الساحل حالة من عدم الاستقرار السياسي والأمني، فخلال الشهرين الماضيين حدثت مجموعة من المُتغيرات التي توفر لنا مُؤشرات مُقلقة حول مُستقبل الامن في منطقة الساحل الإفريقي، ومن أبرز هذه المُتغيرات:

مقتل الرئيس ديبي: تعيش تشاد أوضاع امنية مُضطربة؛ أسفرت عن مقتل رئيس لبلاد، إدريس ديبي، في إبريل الماضي في قتالة ضد المُتمردين شمال البلاد، حسبما أعلن الناطق باسم القوات المُسلحة التشادية.

وقد أشرنا في السابق في مقالة بعنوان “رحيل ديبي.. ومُستقبل الأوضاع الأمنية في منطقتي بحيرة تشاد والساحل الإفريقي”   إلى أن عملية مقتل الرئيس ديبي ستكون لها تداعيات سلبية على مُستقبل الأوضاع الأمنية في منطقة الساحل الإفريقي، فمن المُتوقع أن تستغل التنظيمات الإرهابية التي تنشط في منطقة بحيرة تشاد ومنطقة الساحل الإفريقي، الأوضاع الغير مستقرة في تشاد بعد مقتل الرئيس ديبي في شن المزيد من هجماتها الإرهابية، خاصة وأن تشاد تحت قيادة ديبي كانت واحدة من الجهات الأمنية الرئيسية لدول الساحل الخمسة.

كما أن تشاد تُعد أهم لاعب عسكري، وأقوى حليف للغرب في جهود مكافحة الإرهاب في المنطقة، حيثُ كانت   تُحارب على جبهتين: جبهة الساحل والصحراء في مواجهة تنظيمي داعش والقاعدة، وجبهة أخرى في غرب أفريقيا حيثُ نشرت قواتها لمساعدة لقوات نيجيريا والكاميرون والنيجر في مواجهة نشاط جماعة بوكو حرام في منطقة دول حوض تشاد.  هذا بالإضافة إلى قيام الرئيس ديبي بإرسال 1200 جندي إلى المثلّث الحدودي بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو لمكافحة الجهاديين في هذه المنطقة. ولذا من المتوقع أن تترك وفاة الرئيس ديبي حالة من الفراغ والتوتر الأمني في المنطقة، مما يمهد الطريق أمام الجماعات الإرهابية لاستغلال الأوضاع وشن المزيد من هجماتها في المنطقة. 

تنامي النشاط الإرهابي في المنطقة: لا يزال نزيف الدم مُستمراً في دول الساحل الإفريقي الخمس (موريتانيا، ومالي، وبوركينا فاسو، وتشاد والنيجر)، فلا يكاد يمر يوم تقريباً من دون وقوع حادث دموي يُودى بحياة العشرات ويخلف مئات المُصابين، وذلك على الرغم من الجُهود المبذولة والنجاحات التكتيكية المُسجلة لدحر نشاط الجماعات الإرهابية في منطقة الساحل الإفريقي، ولاسيما تنظيمي جماعة نصرة الإسلام والمُسلمين وكتيبة تحرير ماسينا التابعين لتنظيم القاعدة الإرهابي وكذلك الجماعات التابعة لتنظيم داعش.

التوترات السياسية في النيجر: إلى جانب العديد من الهجمات الدامية التي تشنها الجماعات الإرهابية في النيجر، شهدت النيجر خلال الأشهر الماضية بعض التوترات السياسية جراء مُحاولة انقلاب عسكري فاشلة. حيثُ حاولت مجموعة من العسكريين في مارس الماضي تنفذي انقلاب في البلاد وحاولوا اقتحام القصر الرئاسي في العاصمة، نيامي، وذلك قبل يومين من أداء الرئيس المُنتخب محمد بازوم اليمين، ولكن الحرس الرئاسي تصدي لهم ومنعهم من الاقتراب في القصر.

هجمات دامية في بوركينا فاسو: تعيش بوركينا فاسو على واقع الهجمات الدامية، آخر مُؤشرات ذلك مقتل 20 مدنياً في هجوم مسلح شنه متطرفون على سكان بلدة تين أكوف في إقليم أودالان شمال البلاد.

 ومنذ عام 2015 تواجه بوركينا فاسو هجمات متكررة ودامية تشنها مجموعات إرهابية بينها جماعات تابعة للقاعدة، وتنظيم داعش في الصحراء الكبرى، وأوقعت هذه الهجمات نحو 1300 قتيل، وهجَرت نحو مليون شخص.

وانطلاقاً من المقولة القائلة بأن الإرهاب يتغذى دائماً من انعدام الاستقرار، يُمكن القول بأن انعدام الاستقرار السياسي والأمني في مالي جراء الانقلابات العسكرية المُتعاقبة التي تشهدها البلاد، قد يُضفى بتداعياته السلبية على مُستقبل الأوضاع الأمنية ومُستقبل جهود مكافحة الإرهاب في منطقة الساحل الإفريقي.