خلال السنوات الأخيرة، تميزت العلاقات الروسية الصينية بالتطور التدريجي، وباتت الشراكة الثنائية بين موسكو وبكين شاملة للعديد من الجوانب. اذ تعمق التعاون العسكري والاستراتيجي بينهما ووصل إلى مجالات حساسة. وعلى الصعيد الاقتصادي حقق الطرفان حجم تداول قياسي بلغ 110 مليار دولار، وأطلقوا سلسلة من المشاريع الكبرى المشتركة، مع العمل في الوقت نفسه في مجال تطوير البنية التحتية، ومع زيادة المنافسة العالمية على الريادة التكنولوجية، ركزت روسيا والصين على مجالات العلوم والتكنولوجيا والابتكارات.

وخلال الاحتفالات التي أقيمت على شرف الذكرى الـ 70 لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين روسيا والصين في عام 2019، أعلن الطرفان السمات والمبادئ الخاصة لشراكتهما الشاملة وتعاونهما الاستراتيجي في العصر الجديد.

وكانت جائحة “كوفيد-19” عاملاً كبيرًا لعدم اليقين، ليس بين روسيا والصين فحسب بل للعام ككل. ولا يزال من غير الواضح مدى السرعة التي ستتمكن بها البشرية من وضع حد لانتشار الوباء، ومدى الأضرار التي سيخلفها؛ يمثل الوباء تحديًا خطيرًا لحياة وصحة ورفاهية الجنس البشري، فضلاً عن التنمية الاقتصادية للعديد من البلدان. وعلى الرغم من ذلك فقد أظهرتا روسيا والصين مستوى عالٍ من الثقة المتبادلة الجائحة. 

ومن التطورات الأخيرة في طبيعة العلاقات بين موسكو وبكين يبدو أن الجانبين عازمان على العمل بجد وبشكل خاص حتى لا تفقدان زخم تعاونهما في عالم ما بعد الوباء. 

حيث يسعى الجانبان لتطوير أشكال ومجالات تعاون جديدة، وتعزيز العلاقات الثنائية، وهو ما أشار إليه وزير الخارجية الروسي “سيرجي لافروف” في مارس 2021 حينما أوضح ان العلاقات الروسية الصينية هي “الأفضل في التاريخ”.

في السياق ذاته شهدت الفترة القليلة الماضية إطلاق الجانبين مشروع الطاقة النووية الروسي الصيني، فضلاً عن زيارة “يانغ جيه تشي”، عضو المكتب السياسي للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني ومدير مكتب لجنة الشؤون الخارجية للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، وذلك على هامش حضوره الجولة الـ 16 من المشاورات الأمنية الاستراتيجية الصينية الروسية في موسكو.

إطلاق مشروع الطاقة النووية الروسي – الصيني 

يمثل التعاون الروسي الصيني في المجال النووي أولوية استراتيجية لقطاع الطاقة الروسي وفي هذا السياق، وفي هذا السياق، تعمل روسيا والصين على تعزيز المشاريع المشتركة بينهما في مجالات الطاقة النووية. حيث تم توقيع ما يقرب من (15) اتفاقية بين الجانبين بشأن تنفيذ مشاريع بقيمة 8 مليارات يوان (ما يقرب من 1.1 مليار دولار). كما تُشكل الخبرة الفريدة لروسيا في التقنيات الهندسية المعقدة؛ زيادة الطلب على منتجاتها النووية. 

وفي مايو الجاري أطلق الرئيسان الروسي والصيني عمليات البدء في بناء وحدتي الطاقة، السابعة والثامنة، في محطة تيانوان للطاقة النووية، ووحدتي الطاقة، الثالثة والرابعة، في محطة “شودابو” للطاقة النووية. داعيين في الوقت ذاته إلى مزيد من التعاون في الطاقة النووية. وسبق أن شاركت روسيا في بناء 4 وحدات طاقة مِن محطة “تيانوان” للطاقة النووية، ومفاعل نووي سريع تجريبي “CEFR” في الصين.

جدير بالذكر أن محطة  “تيانوان”  الكهروذرية للطاقة النووية، تُمثل أكبر مجال للتعاون الاقتصادي بين روسيا والصين، وقد جرى في عام 2007، بناء وحدتي الطاقة الأولى والثانية، وتبلغ قدرة كل منهما 1000 ميغاواط.

وكانت روسيا والصين قد وقعتا، منتصف العام 2018، أربع اتفاقيات إطارية في المجال النووي مِن أجل توريد معدات وخدمات لبناء مفاعل نيوتروني سريع على أراضي الصين، وإنشاء المفاعلات السابع والثامن في محطة الطاقة النووية “تيانوان”، كما يجري التخطيط لتشغيل المفاعل (رقم 7) عام 2026، والمفاعل (رقم 8) في عام 2027.

وتٌعد محطة تيانوان للطاقة النووية أكبر مثال للتعاون الاقتصادي الروسي الصيني، وقد تم بناء المحطة بتقنيات روسية حديثة، وتم تشغيل وحدتي الطاقة الأولى والثانية في عام 2007، أما تشغيل الوحدتين الثالثة والرابعة فتم في 2018.

إن بدء بناء المفاعلات النووية الأربعة الجديدة، وهو أكبر مشروع للتعاون في مجال الطاقة النووية بين الصين وروسيا حتى الآن، كما يُمثل علامة بارزة في التعاون في مجال الطاقة النووية بين الطرفين، ودليل آخر على أن البلدين يُعمقان من شاركتهما الاستراتيجية في مواجهة العقوبات والقيود الأمريكية المتصاعدة.

ومن المتوقع أن يوفر التعاون في مجال الطاقة بين الصين وروسيا مزيدًا من الزخم لهدف البلدين المتمثل في زيادة التجارة الثنائية بينهما. وكانت الصين وروسيا قد حددتا هدفًا لرفع حجم التجارة الثنائية إلى 200 مليار دولار بحلول عام 2024.

زيادة تواتر التفاعل الروسي الصيني

في مكالمة هاتفية في نهاية عام 2020، تعهد الرئيسان الروسي والصيني بتعزيز “التنسيق الاستراتيجي” مع دخول العالم “عصر الاضطرابات العالمية”، في إشارة إلى التحديات النابعة من الولايات المتحدة الأمريكية.

ومؤخرًا تزايدت وتيرة التفاعلات الاستراتيجية بين روسيا والصين بشكل ملحوظ، تُوجت هذه التفاعلات بزيارة كبير الدبلوماسيين الصينيين، ورئيس لجنة الشئون الخارجية المركزية للحزب الشيوعي الصيني السيد” يانج جيه تشي ” لروسيا، لعقد الجولة الـ (16) من المشاورات الأمنية والاستراتيجية بين الجانبين. 

تٌظهر هذه التفاعلات بين موسكو وبكين ثقة متبادلة وترابطًا وثيقًا. وهي في ذات الوقت ضرورية لكلاً منهما في مواجهة الضغط والعداء المتزايد من قِبل الولايات المتحدة الأمريكية. 

تأتي زيارة “جيه تشي”، بعد وقت قليل من اللقاء الافتراضي الذي جمع الزعيمين الصيني “شي جين بينغ” والروسي “فلاديمير بوتين”، وشهد إطلاق مشاريع الطاقة النووية التعاونية، وأيضًا بعد اللقاء الذي جمع وزير الخارجية الروسي “سيرغي لافروف”، ووزير الخارجية الأمريكي “أنتوني بلينكين” في 19 مايو.  

تركز الجولة السادسة عشر من المشاورات الأمنية الاستراتيجية بين الصين وروسيا بشكل أساسي على المسائل الاستراتيجية وشؤون الأمن القومي التي يشترك فيها البلدان في المصالح والاهتمامات المشتركة، مثل قضايا التعاون الدولي، ومعارضة الأحادية والهيمنة الأمريكية، وكذلك التنسيق لتعزيز التسوية السياسية للقضايا الساخنة مثل القضية النووية لشبه الجزيرة الكورية، القضية النووية الإيرانية، أفغانستان، فنزويلا، فضلاً عن معاهدة الصواريخ النووية متوسطة المدى، إلى جانب مناقشة الوضع الأمني على طول حدودهما والمناطق القريبة منهم. 

كما يأتي الاجتماع هذا العام في سياق إيلاء جهود مُشتركة بشكل مُكثف بالتركيز على القضايا المُستجدة، مثل كجائحة “كوفيد-19″، وانسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من أفغانستان، فضلاً عن السعي إلى وساطة أكثر فعَّالية في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، فضلاً عن القضايا ذات الطبيعة الثنائية.

كما تهدف المشاورات لزيادة التنسيق المشترك، وذلك في الوقت الذي تصف فيه الإدارة الأمريكية كلاً من الصين وروسيا بـ “القوى التخريبية”، كما تعمل على عرقلة جهودهم لإيجاد تسويات سياسية في مناطق النزاع المحيطة بهم، وتصدير عدم الاستقرار لكلاً منهم؛ تأتي هذه المشاورات لمحاولة التوصل إلى بلورة وتنسيق التفاعل بينهما فضلاً عن توثيق التعاون في المجالات الثنائية المتعددة.  

تدرك الولايات المتحدة الامريكية جيدًا أن ليس بإمكانها احتواء الصين وروسيا في الوقت الحالي، لذا فإنها تسير وفقًا لاستراتيجيتين هما: تهيئة الظروف لصراع محتمل بين روسيا والصين، وإنشاء تحالفات من الدول الإقليمية على طول الحدود الروسية الصينية لزعزعة استقرار الدولتين. من أجل منع هذا السيناريو، تسعى الدولتان لتعزيز بناء الثقة وكذلك التعاون في مجال القضايا الاستراتيجية بينهما. 

هل مُعادة الولايات المتحدة الأمريكية تٌمثل دافع لتقوية الشراكة الروسية الصينية؟

يُفسر أغلب المحللين –وخاصة في الغرب- العلاقة بين موسكو وبكين بأنها تُشكل في الغالب نتيجة للضغط الذي تُمارسه الولايات المتحدة الأمريكية على هاتين الدولتين. وخاصة بعد أن وصفت استراتيجية الأمن القومي الأمريكية لعام 2017 روسيا والصين بـ “المنافسين الاستراتيجيين”، كما حذرت استراتيجية 2018 من أن الولايات المتحدة قد تضطر إلى خوض حربًا على جبهتين. ورُبما هذا ما يُفسر للجميع السرعة الكبيرة في وتيرة التعاون الروسي الصيني. 

تتخوف الولايات المتحدة الأمريكية من القوة الكبيرة للصين، وكانت مؤسسة بحثية أمريكية كبيرة قد وصفت الصين في وقت سابق بـ “الدولة المارقة” و “النظير” للولايات المتحدة الأمريكية. فالصين كقوة جغرافية واقتصادية لا يمكن تجاهلها، وكان الرئيس بايدن قد وصف روسيا بـ “الخصم” والصين بـ “المنافس الجاد”.

ومن المحتمل أن يؤدي التحول في سياسة الولايات المتحدة تجاه الصين – بعيدًا عن المشاركة ونحو الاحتواء الجديد – إلى زيادة قيمة التعاون الوثيق مع موسكو بالنسبة لبكين. ومع ذلك، حقق التعاون الصيني الروسي خلال العامين الماضيين نجاحًا متباينًا.

ونتيجة لخطاب الولايات المتحدة الأمريكية المعادي لموسكو وبكين، بدأت الصين رويدً رويدًا في تبنًّي خطاب معادي، وهو ما بدا في بعض تصريحات الرئيس الصيني “شي جين بينغ”، وبات خطابه يُشبه خطاب الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين”. وهذا أيضًا ما دفع موسكو وبكين لتعزيز وتنسيق مواقفها داخل المؤسسات الدولية. 

في الأخير، يمكن القول إن الضغط والعداء من الغرب يقرب الدولتين ببعضهما البعض، فالبيئة الخارجية التي تدفع الصين وروسيا إلى الاقتراب، ومن المؤكد أن كل من الصين وروسيا لديهما عار عميق الجذور للنظام الليبرالي الغربي، وينظران إلى المشاكل الداخلية للغرب (خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، واحتجاجات السود، وما إلى ذلك) على أنها تضفي مزيدًا من الشرعية على أنظمتهم. ومع ذلك، على الرغم من هذه المشاعر المعادية للغرب التي تؤكد شراكتهما، تفضل كل من روسيا والصين عدم الارتباط بشدة ببعضهما البعض بحيث يفقدان كل مجال للمناورة. وكما اقترح أحد الأكاديميين الصينيين، فإن الصين وروسيا “لا تدخلان في تحالف ولكنهما تبقيان الباب مفتوحًا أمامه.

المصادر

  1. Yang Sheng, “China-Russia interaction increasingly frequent amid US pressure with upcoming strategic security talks”, (Global Times, May 24, 2021): Available at this link: https://www.globaltimes.cn/page/202105/1224261.shtml
  2. “China’s Top Diplomat to Visit Russia for Strategic Talks”, (Bloomberg, May 23, 2021), Available at this link: https://www.bloomberg.com/news/articles/2021-05-23/china-s-top-diplomat-to-visit-russia-for-strategic-talks
  3. “Xi, Putin witness ground-breaking of key cooperative nuclear energy projects”, (global times, May 19, 2021), Available at this link: https://www.globaltimes.cn/page/202105/1223888.shtml
  4. Natasha Kuhrt and Marcin Kaczmarski, “Will the Biden Administration Push Russia and China Closer Together?”, (the diplomat, February 13, 2021), Available at this link: https://thediplomat.com/2021/02/will-the-biden-administration-push-russia-and-china-closer-together
Scroll Up