عرض – نسرين الشرقاوي

من منطلق وجود أمل ضئيل في حدوث تغيير كبير من حكومة إسرائيلية جديدة، يركز الفلسطينيون على تحول داخلي في الأجيال من أجل آخذ الحقوق والحريات والعدالة. فوفقًا لنيويورك تايمز الأمريكية أن الإسرائيليين عندما فتحوا صحفهم ومواقعهم الإخبارية يوم الثلاثاء، واجهوا وابلًا من التقارير والتعليقات حول السقوط المحتمل لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الذي يعد الأطول خدمة في البلاد. كما أن الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة عندما تصفحوا صحيفة القدس الأكثر انتشارًا في المنطقة لم يجدوا أي ذكر لمصير نتنياهو.

وذكرت “نيويورك تايمز” أنه من الواضح أن مستقبل نتنياهو السياسي قد توقف منذ ليلة الثلاثاء عندما عارض قادة المعارضة للاتفاق على تكوين حكومة ائتلافية ورغم كونها هشة إلا أنها من الممكن أن تزيله أخيرًا من منصبه للمرة الأولى منذ 12 عامًا.

وإذا انتقلنا لتأثير ذلك على الإسرائيليين والفلسطينيين، نجد أن رحيل نتنياهو المحتمل بالنسبة للإسرائيليين يشكل لحظة تاريخية؛ لأنه وكما تقول صحيفة النيويورك تايمز رجلًا ترك بصمة أعمق على المجتمع الإسرائيلي أكثر من معظم السياسيين الآخرين في تاريخ إسرائيل، ولكن بالنسبة للعديد من الفلسطينيين لم يؤد الإبعاد المفترض لنتنياهو إلى أكثر من تجاهل للذكريات المُرة التي أحدثها لهم.

فخلال فترة ولايته الحالية التي استمرت 12 عامًا، تعثرت عملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية، حيث اتهمت كل من القيادات الإسرائيلية والفلسطينية بعضها البعض بعرقلة العملية، وأعرب السيد نتنياهو عن تضارب متزايد بشأن إمكانية قيام دولة فلسطينية ذات سيادة.

وحتى لو صحت الاحتمالات المفترضة برحيل رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي سيظل الوضع بالنسبة للعديد من الفلسطينيين كما هو؛ لأن بديله المحتمل كرئيس للوزراء “نفتالي بينيت” لن يكون الأفضل حيث أن السيد بينيت هو رئيس الأركان السابق لنتنياهو، وزعيم المستوطنين السابق الذي يرفض صراحة قيام الدولة الفلسطينية.

وإذا تحولنا للنظام الفلسطيني نجده مجزأ ماديًا وسياسيًا بين السلطة الفلسطينية المدعومة من أمريكا في الضفة الغربية المحتلة، وخصمها حماس، ورغم ذلك فخلال الحرب المميتة التي دامت 11 يومًا في الشهر الماضي بين إسرائيل وحماس في غزة، والتي كانت أسوأ نوبة عنف طائفي بين العرب واليهود هزت إسرائيل منذ عقود، فقد وجدنا هذه الأجزاء المتباينة “فتح وحماس” اجتمعت فجأة معًا في اندلاع على ما يبدو بلا قيادة لهوية مشتركة وهدف مشترك، ووجد عرض نادر للوحدة خلال الأزمة الأخيرة؛ حيث شارك مئات الآلاف من الفلسطينيين في إضراب عام في 12 مايو عبر غزة والضفة الغربية ومخيمات اللاجئين في لبنان وداخل إسرائيل نفسها.

وبناءً على ما سبق نجد أن الفصائل الفلسطينية لا تعتقد أن المسؤول في إسرائيل سواء كان نتنياهو أو بينيت سيحدث فرقًا كبيرًا للفلسطينيين، وترى صحيفة النيويورك تايمز أنه وفقًا للفلسطينيين “قد يكون هناك اختلافات وفروق طفيفة لأن جميع الأحزاب الإسرائيلية السائدة، مع استثناءات طفيفة في أقصى اليسار، تشترك إلى حد كبير في نفس الإيديولوجية”.

فالصراع الأخير بين الإسرائيليين والفلسطينيين، أظهر اتحاد الفلسطينيين بغض النظر عما حاول الإسرائيليون القيام به لمدة 73 عامًا؛ من تصنيفهم إلى عرب إسرائيليين، وسكان الضفة الغربية، ومقدسين، وغزاويين، ولاجئين وشتات ورغم هذا كله لم يحالفهم النجاح في هذه المحاولات، ومع ذلك فإن الوجود اليميني المتشدد داخل الائتلاف الإسرائيلي المحتمل – زواج هش بين ما يصل إلى سبعة أحزاب غير متوافقة بشكل جيد – ليس مطمئنًا للفلسطينيين.

ووفقًا لتقرير النيويورك تايمز فإن الأقلية العربية في إسرائيل، الذين يعتبر الكثير منهم أنفسهم مواطنين فلسطينيين في إسرائيل، أدى احتمال تشكيل حكومة جديدة إلى انقسام الرأي؛ حيث أن الحكومة المحتملة التي سوف يقودها السيد بينيت ستكون مليئة بالمشرعين الذين يعارضون قيام دولة فلسطينية، فكان البعض يأمل في أن وجود ثلاثة أحزاب وسطية ويسارية في الائتلاف قد يؤدي لاعتدال النهج للسيد بينيت.

وجدير بالذكر أنه من المتوقع أن تضم الحكومة ما لا يقل عن عربي واحد وهو “عيساوي فريج” من حزب ميرتس اليساري، فالتعيين المحتمل لوزير من يسار الوسط للإشراف على قوة الشرطة قد يشجع الضباط على اتباع نهج أكثر تحفظًا تجاه الفلسطينيين في القدس الشرقية، حيث لعبت الاشتباكات بين الشرطة والمتظاهرين دورًا رئيسيًا في تصعيد الحرب الأخيرة في غزة؛ ولكن كثيرون لا يرجحون هذا السبب لأن سلوك الشرطة الإسرائيلية هو “نهج تتبعه الشرطة كمؤسسة، وليس بقرار من الوزير X أو الوزير Y”.

وعلى جانب آخر، نجد أن الأمر الأكثر أهمية بالنسبة للعديد من الفلسطينيين داخل وخارج إسرائيل هو التحول الجيلي داخل المجتمع الفلسطيني، والذي شكل تحديًا جديدًا للحرس القديم الفلسطيني الضعيف والمنقسم بالفعل، والذي أحدث هزة في النماذج التقليدية للصراع الإسرائيلي الفلسطيني.

فالخطاب قد تغير بين الفلسطينيين الأصغر سنًا من مناقشة الحدود المحتملة لدولة فلسطينية صغيرة على الحدود مع إسرائيل، إلى أجندة واسعة وفضفاضة للسعي وراء الحقوق والحرية والعدالة داخل كل من الأراضي المحتلة وإسرائيل نفسها.

ففي الماضي، عندما أجريت مقابلات مع الفلسطينيين على شاشات التلفزيون، كان الخط الرئيسي هو “متى يأتي المجتمع الدولي لإنقاذنا، ومتى ستُحاسب إسرائيل، أو متى ستأتي الدول العربية وتنقذنا؟

أما اليوم فيعتبر التحول الجيلي جزئيًا رد فعل على إخفاقات الحرس القديم الفلسطيني في الوفاء بوعد التسعينيات، عندما بدا أن توقيع الاتفاقيات الدبلوماسية المعروفة باسم اتفاقيات أوسلو يضع دولة فلسطينية في متناول اليد، لكن المفاوضين الفلسطينيين والإسرائيليين فشلوا في إبرام اتفاق نهائي، واحتلال إسرائيل للضفة الغربية الذي كان يعتبر في يوم من الأيام مؤقتًا قد مضى عليه الآن أكثر من نصف قرن.

بالإضافة أنه في السنوات الأخيرة، تعمقت الكآبة الفلسطينية بسبب سياسات إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب التي كانت تحابي إسرائيل وساعدت في ترسيخ سيطرتها؛ فداخل إسرائيل عانى المواطنون العرب الذين يشكلون خمس السكان عقودًا من الإهمال والتمييز في ميزانيات الدولة وسياسات الإسكان والأراضي، وتعرضوا لمزيد من الإذلال بسبب تمرير قانون الدولة القومية المثير في عام 2018 والذي كرس الحق في تقرير المصير القومي باعتباره “فريدًا للشعب اليهودي” وليس لجميع المواطنين الإسرائيليين، وخفض مرتبة اللغة العربية من لغة رسمية إلى لغة خاصة. كما دخل اليمين المتطرف البرلمان الإسرائيلي بمساعدة السيد نتنياهو الذي شرعهم كشركاء محتملين في الائتلاف.

فكل هذا الضغط ساعد في تحفيز موجة من الاحتجاجات الشعبية في القدس الشرقية التي جذبت انتباه العالم، والإضراب العام للفلسطينيين في جميع أنحاء المنطقة، واندفاع الدعم عبر الإنترنت من المشاهير الدوليين.

ويعتقد المحللون في نيويورك تايمز أن هذا الوميض الأخير للوحدة الفلسطينية سيكون له تأثير فوري وعميق على الواقع الفلسطيني. كما يجادل آخرون بأنه بعد سنوات من الركود عادت القضية الفلسطينية بإحساس جديد بالطاقة والتواصل والتضامن والنشاط؛ فأحداث الأسابيع القليلة الماضية كانت مثل “الزلزال”؛ حيث أصبح الفلسطينيون جزء من الحوار العالمي.