في الدقائق الأخيرة للمهلة المٌحددة لزعيم المعارضة في إسرائيل “يائير لابيد”، والتي منحها رئيس إسرائيل السابق، رؤوفين ريفلين، تمكن لابيد من جمع توقيعات 61 نائبا بالكنيست لدعمه في تشكيل الائتلاف الحكومي ومن المقرر أن تكون تلك هي المرة الأولى التي تتشكل فيها حكومة في إسرائيل، حال حصلت على ثقة البرلمان، بمشاركة أحزاب عربية. إذ نجح “منصور عباس”، نائب رئيس الجناح الجنوبي للحركة الإسلامية في إسرائيل في الانضمام إلى الائتلاف الحكومي الذي تم تشكيله مؤخراً، والذي يحوي الكثير من القواسم ولايوحده إلا هدف “الإطاحة ببنيامين نتنياهو”.
من المقرر أن تعرض الحكومة الإسرائيلية الجديدة على الكنيست خلال 12 يوما، ومن المتوقع أن يبذل نتنياهو كل الجهد في سبيل إفشال الائتلاف الذي أسقطه من رئاسة الحكومة. ويشارك في الحكومة الجديدة أحزاب: هناك مستقبل، ويمينا والعمل وأمل جديد بالإضافة إلى أزرق- أبيض، وميرتس والقائمة العربية الموحدة وإسرائيل بيتنا.

ويتناوب على رئاسة الحكومة المتوقع إعلانها كلّ من “يائيرلابيد” و”نفتالي بينيت”.
حال تشكيل الحكومة، ستصبح القائمة العربية الموحدة هي أول حزب ينتمي للأقلية العربية التي تمثل 21 % من سكان إسرائيل يشارك في حكومة إسرائيلية. وقد لاقى انضمام القائمة معارضة في الأوساط العربية داخل إسرائيل ورفضت الأحزاب العربية موقف منصور عباس، مستنكرة انتماء حزب عربي لحكومة تفرض احتلالا على الفلسطينيين وتتبع ممارسات عنصرية بحقهم.
وتدفع التطورات الأخيرة بطرح العديد من التساؤلات حول دور منصور عباس في الحياة السياسية داخل إسرائيل ودوافعه السياسية وأهدافه ومواقفه السابقة، فضلاً عن أفكار الحركة الإسلامية ونشأتها وردود الفعل داخل المجتمع الإسرائيلي حول مشاركة القائمة في الائتلاف الحكومي. ثم يأتي التساؤل الأهم فيما يخص مدى تماسك الحكومة المرتقبة وفرص استمرارها.

من هو منصور عباس؟

دخل منصور عباس عالم السياسة منذ ثلاثة أعوام، وهو في الأساس طبيب أسنان ذو توجه إسلامي، يشغل منصب نائب الرئيس في حزب الحركة الإسلامية الجنوبية والمعروفة باسم “راعم”، التي انشقت في 1995 عن الحركة الإسلامية، المحظورة في إسرائيل.
ولد منصور عباس في 22 أبريل1974، ويسكن في قرية المغار في الجليل، وهو متزوج ولديه ثلاثة أبناء. درس طب الأسنان في الجامعة العبرية بالقدس. وشغل خلال عامي 1997-1998 منصب رئيس لجنة الطلاب العرب في الجامعة العبرية، وانتخب عام 2007 أمينا عاما للجناح الجنوبي للحركة الإسلامية قبل انتخابه في العام 2010 نائبا لرئيس الحركة.
في العام 2019 قاد القائمة العربية الموحدة في انتخابات الكنيست الذي وصل الى عضويته للمرة الأولى في ذلك العام. وأعيد انتخاب عباس 4 مرات، منذ ذلك الحين لعضوية الكنيست. وخلال انتخابات مارس 2020 ، خاضت القائمة العربية الموحدة الانتخابات منفصلة عن القائمة المشتركة برئاسة “أيمن عودة”. وبشكل عام تنظر إليه العديد من الأحزاب العربية في إسرائيل، على أنه يسبح عكس التيار.

الجناح الجنوبي للحركة الإسلامية.. التوجه و الخلفيات

خلال السبعينات من القرن المنصرم، وفي أعقاب الحرب عام 1967، تصاعد التيار الإسلامي لدى عرب 48 في الداخل الإسرائيلي. في إطار ذلك، تزايد نشاط ناشري الفكر الدعوي، و من ضمنهم “عبد الله نمر”، والذي ينسب إليه تأسيس الحركة عام 1971، إذ عمل على نشر الفكر الإسلامي والدعوة إلى بناء جيل يتخذ من الإسلام نظاماً للحياة.
وقد استندت الحركة إلى أيديولوجية مشابهة، أو منبثقة، من فكر الإخوان المسلمين. وهي حركة سياسية براغماتية بامتياز ترتكز على الاعتقاد بأن الإسلام هو الحل لمشكلات الجماعات البشرية والأفراد. وانطلاقاً من ذلك، اهتمت بإنشاء البنية التحتية المتمثلة في المعاهد الدينية والمؤسسات المختلفة، واستخدمتها كمراكز دعوة إلى الدين وغرس تعاليمه في نفوس الأجيال الشابة،ونجحت في جذب فئة ملتزمة تجاه الحركة الإسلامية التي تروج للأن حل القضية الفلسطينية يرتبط بمبدأ الحركة “الإسلام هو الحل”.
قبل إجراء انتخابات الكنيست عام 1996 شهدت الحركة الإسلامية تطورات سياسية تسببت في انشقاق بين صفوف الحركة بعد تأسيس الشيخ درويش “التيار المعتدل للحركة”، والذي تحالف مع الحزب الديمقراطي العربي في وقت لاحق، ليخوض انتخابات الكنيست الـ14 معه في قائمة واحدة، وتنقسم الحركة إلى ثلاث تيارات يرتبط كل منها بشخصية قيادية.
في نوفمبر 2017، أعلنت إسرائيل، حظر الجناح الشمالي للحركة بعد اتهامه بالتحريض على أعمال العنف التي بدأت مطلع أكتوبر من العام نفسه في محيط المسجد الأقصى في القدس الشرقية المحتلة، كما داهمت مكاتب الحركة و17 منظمة مرتبطة بها وصادرت أموالهم ومتعلقاتهم.
في انتخابات مارس من عام 2020، شكل حزب الحركة الإسلامية الجنوبية جزءاً من “القائمة المشتركة”، التي حصلت على 15 مقعداً في البرلمان. وفي يناير من 2021، انفصلت الحركة الإسلامية الجنوبية عن القائمة بسبب “خلافات” برزت بين الطرفين، وترشّح منصور عباس عن القائمة العربية الموحدة.

انضمام منصور عباس.. مشاركة عربية في إقرار “السياسات الصهيونية”

تاريخيا، تحرص الأحزاب العربية بشكل عام، على عدم التعاطي الإيجابي مع أي حكومة إسرائيلية، كونها حكومات تستند إلى “أجندة صهيونية”، ولا تعترف بحقوق الشعب الفلسطيني، وترفض إنهاء الاحتلال. لكن منصور عباس، كسر هذا التقليد، حيث أعلن صراحة استعداده للتفاوض مع الأحزاب الإسرائيلية الكبيرة، ومقايضتها على تمرير بعض مصالحها، مقابل إيجاد حلول لمشاكل العرب الكبيرة، القانونية والمعيشية.
خلال العامين الأخيرين شهدت الحياة السياسية في إسرائيل اضطرابات حادة، وانقسامات في المشهد السياسي استطاع عباس استغلالها لتحقيق مكاسب فردية منها، وتغيرت مواقفه خلال تلك الفترة من مؤيد إلى معارض لنتنياهو يسعى للانضمام إلى حكومة تهدف للإطاحة به. وعلى الرغم من تصريحات عباس حول حقوق فلسطينيو الداخل واعتبارها خط أحمر لا مساومة عليها أو تنازل عنها، إلا أن قبوله الانضمام للحكومة الإسرائيلية، لا يعكس ذلك.
ولا شك أن الظروف التي شهدتها الحياة السياسية في إسرائيل، و تزايد الأصوات المطالبة برحيل نتنياهو، قد صبت في صالح منصور عباس، إذ استغل الانقسام الحزبي في إسرائيل والإخفاق المتتالي في تشكيل الائتلاف الحكومي، و أدرك أن تأثير الأحزاب العربية تزايد لما لها من وزن قادر على لعب دور مصيري في تشكيل الحكومة، حيث أن غيابه يعني عدم تشكيل الحكومة، ولذلك فقد حاول الاستفادة من هذا الأمر، بعدد كبير من الإنجازات لصالح المواطنين العرب من وجهة نظره .
وتعتقد الحركة أن أهم المكاسب من دعم أحزاب حكومة التغيير، تتمثل في أن إجراء المفاوضات عباس يعد أول اعتراف سياسي إسرائيلي بأن العرب طرف مهم في المعادلة السياسية الإسرائيلية ويرسخ مكانة الأحزاب العربية كلاعب مؤثر وشرعي في الساحة السياسية. فضلاً عن ذلك، يعتقد عباس أن الانضمام تم مقابل مكاسب وإنجازات هي الأضخم والأوسع لصالح المجتمع العربي وحل قضاياه ، بالإضافة إلى تخصيص ميزانيات لصالحه تتعدى الـ 53 مليار شيكل (16.29 مليار دولار).

جدير بالذكر، أن انضمام الحركة الإسلامية الجنوبية للحكومة، حدث رغم الخلافات داخلها فيما يخص ربط الانضمام بإلغاء “قانون كامينتس” الذي يمنح الحكومة صلاحيات موسعة في مسائل الاستيطان والتهجير والهدم، فضلاً عن الاعتراف بالقرى غير المعترف بها في النقب ، بدون أي تنازلات؛ إلا أن ذلك لم يتم، ما أثار غضب بعض المسئولين داخل القائمة، بسبب الانضمام دون تحقيق كافة مطالبهم. لم يكن دعم منصور عباس، رئيس القائمة العربية الموحدة، لحكومة التغيير التي ستسقط رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

مكاسب الحركة من الانضمام

وضع النائب منصور عباس، زعيم حزب “القائمة العربية الموحدة”، الفصيل الجنوبي للجناح الإسلامي في إسرائيل، عددا من المطالب كشرط لتأييد حكومة الوحدة، وعلى الرغم أن ما حصل عليه لم يكن هو المثالي والأفضل ولكنه المتاح في ظل الوضع القائم.
وفيما يلي أهم بنود الاتفاق الائتلافي لضم القائمة العربية الموحدة:

  • إلغاء الغرامات على البناء الفلسطيني المخالف مقابل الانضمام للإئتلاف الإسرائيلي الجديد
  • تعديل قانون “كمينتس” خلال 120 يوما.
  • تولي القائمة الموحدة رئاسة لجنة الداخلية بالكنيست، و”لجنة شؤون العرب” ومنصب نائب رئيس الكنيست.
  • الاعتراف بثلاث قرى فلسطينية في النقب، وخلال 9 أشهر سيتم الاعتراف بباقي القرى الفلسطينية بالداخل المحتل، خلال 45 يوماً من تشكيل الحكومة.
  • وضع حلول لأزمات المستوطنات البدوية في صحراء النقب، ولقضية الإسكان في المجتمع العربي.

منصور .. مواقف متغيرة ومبادئ هشة

الشئ الوحيد الثابت، منذ انخراط عباس منصور في الحياة السياسية، هو التحول في مواقفه السياسية وعدم تمسكه بمبدأ واحد. فقد أثار الغضب فلسطينيو الداخل من خلال توجهاته وتصريحاته التي أثارت غضبهم في عدة مواقف. ففي فبراير الماضي، أثار وصفه الأسرى في سجون الاحتلال بـ”المخربين” ردرود فعل غاضبة ومتصاعدة بين صفوف الفلسطينيين. كما تعرض لانتقاد واسع، في أبريل الماضي، بعد إسقاطه القضية الفلسطينية من أطروحاته السياسية ومن خططه وبرنامجه السياسي في كلمة له بالعبرية كانت موجهة بالأساس لاسترضاء اليمين الإسرائيلي حال تأسست حكومة يمين في إسرائيل، برئاسة بنيامين نتنياهو. ومؤخراً، في مايو الماضي، رفض أهالي حي الشيخ جرّاح في مدينة القدس المحتلة، استقباله، في ظل ما وصف بمواقفه المعادية للصف الوطني وتحالفه مع اليمين المتطرف الصهيوني.
في 2019، صرح عباس بأن الشيوعيون هم أقرب له من الحركة الصهيونية، وفي ديسمبر 2020 ظهر مدافعًا عن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، بعد تصاعدت الدعوات الداعية لإسقاط، حيث صرح عباس “إنه لا يوجد بديل آخر لقيادة الحكم في إسرائيل سوى بنيامين نتنياهو، وإن صيحات إسقاطه مجرد شعار انتخابي، وهو ما أثار الجدل في الأوساط السياسية.
وخلال تلك الفترة، ألمح عباس إلى امكانية دعم نتنياهو في عمليات تصويت مختلفة، بما في ذلك قانون يمنح نتنياهو الحصانة من الملاحقة القضائية في قضايا الفساد ضده، كما اعتبر في منشور له عبر فيسبوك، بأنه يجب أن لا يكون سقف الطموحات متعلقاً بإسقاط شخصية ما، وأنه لا بد من تغيير السياسات وإنجاح مطالب المجتمع العربي.
ليس ذلك فحسب، بل أنه اثار الجدل أيضاً عندما أعلن انه لا يرى أي عائق لتعميق التواصل بينه وبين رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وذلك بعد ظهور عدة تقارير كشفت المفاوضات التي أجريت بين نتنياهو وحزبه ضمن القائمة المشتركة قبل الانشقاق عنها.
وأخيراً، دخل منصور عباس في مفاوضات مع حكومة التغيير، الهادفة للإطاحة بنتنياهو، انتهت بالمشاركة في الائتلاف الحكومي. وقد لاقى انضمامه معارضة واسعه في الأوساط العربية التي رأت في هذا الانضمام خيانة للقضية الفلسطينية، واعترضت الأحزاب العربية الأخرى على دعم عباس لاتفاق الائتلاف خصوصا وأن اليميني المتطرف نفتالي بينيت سيترأس الحكومة أولا بموجب الاتفاق.

ختاما

لا يمكن لمنصور عباس أن يمثل الصوت الفلسطيني في حكومة الوحدة، فمواقفة المتغيرة ومبادئه الهشة لا تعبر إلا عنه شخصياً، وهي دليل على أن الهدف من الدخول في الائتلاف الحكومي ما هو إلا وسيلة لتحقيق مكاسب منفردة وليس لتحقيق المصلحة الوطنية الفلسطينية.
فالواقع، أن الحكومة المرتقبة، حال تشكيلها، ستأتي كسابقتها، عنصرية متطرفة تتبع سياسات تمييزية ضد فلسطينيو الداخل، لكن الفرق الوحيد الذي يمكن التنبؤ به، هو أنها ستكون حكومة هشة، غير قادرة على الاستمرار، في ظل تباين المواقف والخلاف الجوهري بين أطرافها.
وواقعياً، فإن مشاركة عباس في الحكومة، هي مشاركة صورية، هدفها استكمال العدد للإطاحة برئيس الوزراء الأطول حكماً في تاريخ إسرائيل، لكن تلبية مطالب الحركة ستظل محكومة بالإطار العنصري الذي يقر بوجود دولة يهودية لا تعترف بالوجود الفلسطيني و تتبنى شعارات ديمقراطية زائفة، مثل شعارات المصلحة الوطنية التي يتبناها عباس والتي لن تعيش طويلاً، ففي النهاية الحرص على المصلحة الوطنية الفلسطينية لا بد أن يستند إلى مواقف ثابته ورؤية شاملة لا تتبدل ولا تتلون.

Scroll Up