جاءت الانتخابات الرئاسية الإسرائيلية يوم الأربعاء 2 يونيو 2021، في الوقت الذي كان فيه سياسيون إسرائيليون من مختلف الأطياف يجرون مفاوضات استمرت 11 ساعة لتشكيل إدارة جديدة تهدف إلى إنهاء 12 عامًا متتالية لنتنياهو كرئيس للوزراء. ورغم أجواء الانقسام الشديد في إسرائيل وبرلمانها بشأن تشكيل حكومة جديدة، اجتمع المشرعون الإسرائيليون يوم الأربعاء لانتخاب رئيس جديد، وفاز بالمنصب “إسحاق هرتسوج” زعيم اليسار الوسطي بأغلبية ساحقة، على الرغم من سيطرة اليمين على الكنيست الإسرائيلي، ليصبح الرئيس الحادي عشر لإسرائيل.

حصل هرتسوج على أصوات 87 عضوًا، كثير منهم من اليمين السياسي، مقابل 27 لمنافسته “ميريام بيريتس”. ويعد فوز هرتسوج أكبر فوز في أي انتخابات رئاسية في تاريخ إسرائيل، ويظهر درجة نادرة من الإجماع في اقتراع سري، مما يثير تساؤلات كثيرة عن؛ من هو إسحاق هرتسوج الذي نال كل هذا الإجماع؟ وماذا قال؟ وما الذي قيل عنه؟ وما هي محادثاته للسلام ورؤاه للأوضاع الفلسطينية والإسرائيلية؟

من يكون إسحاق هرتسوج؟

ولد إسحاق هرتسوج في إسرائيل عام 1960، وهو سليل أسرة عريقة رئاسيًا وسياسيًا ودبلوماسيًا؛ إذ كان والده “حاييم هرتسوج” رئيسًا للمخابرات العسكرية الإسرائيلية، ثم أصبح سفير إسرائيل لدى الأمم المتحدة. ثم إن والد إسحاق كان الرئيس السادس لإسرائيل من 1983 إلى 1993، وكان جده أول حاخام رئيسي لإسرائيل من عام 1936 حتى عام 1959. 

وعن والدته يقال إنها وُلدت في مصر في مدينة الإسماعلية، وتلقت تعليمها الأساسي في المدارس الفرنسية بالقاهرة والإسماعيلية، وعندما انتقلت إلى إسرائيل أسست مجلس منظمة بيئة إسرائيلية جميلة. أما عمه “أبا إيبان” فهو دبلوماسي إسرائيلي شهير ورجل دولة عمل مبعوثًا لواشنطن والأمم المتحدة قبل أن يصبح وزيرًا لخارجية إسرائيل خلال فترة شملت حرب الأيام الستة عام 1967.

وقد عاش إسحاق هرتسوج في نيويورك عدة سنوات عندما عمل والده سفيرًا لإسرائيل لدى الأمم المتحدة؛ فدرس في مدرسة راماز الثانوية (مدرسة نهارية يهودية معروفة)، وتلقى دورات في جامعة كورنيل ونيويورك، وعندما عاد إلى إسرائيل درس القانون في جامعة تل أبيب، وعمل هرتسوج ضابطًا في وحدة 8200 في فيلق استخبارات الجيش الإسرائيلي.

وهرتسوج متزوج من محامية تدعى ميشال، ولديه ثلاثة أبناء، وعمل محاميًا إلى أن بدأت مسيرته السياسية كسكرتير لحكومة إيهود باراك بين عامي 1999 و2000، ثم انتُخب لأول مرة لعضوية البرلمان الإسرائيلي في عام 2003، ثم شغل منذ 2005 مناصب تشمل الإسكان والسياحة والرعاية الاجتماعية، وظل يتقلد المناصب الوزارية المختلفة إلى أن أصبح رئيسًا لحزب العمل الإسرائيلي منذ عام 2013.

وفي عام 2015، كان هرتسوج المرشح الأول للفوز بمنصب رئيس الوزراء الإسرائيلي، وقاد التحالف بين حزب العمل وحزب هتنوعا لإنشاء أكبر حزب سياسي يسار الوسط في إسرائيل، وكان المرشح الرئيس للإطاحة برئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في الانتخابات الوطنية، ولكن انتصر عليه نتنياهو.

وفي عام 2018، عمل رئيسًا للوكالة اليهودية، وهي هيئة رفيعة المستوى تنسق بين إسرائيل ويهود الشتات، في دور ساعده على مواصلة تنمية العلاقات السياسية على الصعيدين الوطني والدولي. وفي نهاية المطاف استطاع إسحاق هرتسوج يوم الأربعاء الحفاظ على المركز الثاني في بلاده، والفوز بمنصب رئيس لإسرائيل. 

منافسة شرسة

أعضاء الكنيست ينتخبون الرئيس الـ 11 لدولة إسرائيل: أمير سياسي مقابل أم ثكلى  | تايمز أوف إسرائيل

جاء توقيت تصويت النواب لاختيار رئيس جديد لإسرائيل وسط أجواء مشحونة بالشراسة والضبابية: فعلى الصعيد الأول، كان هرتسوج رئيس حزب العمل السابق ورئيس الوكالة اليهودية ينافس “ميريام بيرتس” ذات الـ 67عامًا، والمرشحة القومية الأكثر تحفظًا، والتي كان يُنظر إليها على أنها أقرب إلى المعسكر السياسي المحافظ والقومي في البلاد، لخلافة رؤوفين ريفلين، الذي ينتمي إلى حزب الليكود اليميني نفسه الذي ينتمي إليه نتنياهو.

وقد كان لها أعمال وتضحيات من أجل إسرائيل؛ فهي المديرة السابقة والناشطة الاجتماعية التي هاجرت من المغرب وهي طفلة وعملت معلمة ومحاضرة ومتحدثًا عامًا في اليهودية والصهيونية، والتي إن فازت ستصبح أول امرأة تتولى هذا المنصب، وأيضًا المستوطنة الأولى؛ إذ عاشت هي وعائلتها في إحدى المستوطنات الإسرائيلية في شبه جزيرة سيناء حتى تم إبرام معاهدة سلام مع الدولة المصرية في عام 1979 واستردت مصر المنطقة، ثم بعد ذلك انتقلت ميريام بيريتس إلى مستوطنة جفعات زئيف في الضفة الغربية المحتلة، شمال القدس مباشرة، حيث تعيش هناك حتى وقتنا هذا. وقد كانت ميريام بيرتس أمًا لضابطي مشاة إسرائيليين وفقدتهما في حروب إسرائيل ليطلق عليها لقب “أم الأبناء”، وتصبح مربيًا حائزًا على جائزة إسرائيل في عام 2018، وهي أعلى جائزة في البلاد؛ لإنجازاتها مدى الحياة.

وعلى صعيد آخر، جاءت انتخابات الرئاسة الإسرائيلية وسط اضطرابات سياسية في البلاد، إذ كان يواجه سياسيو المعارضة مهلة منتصف ليل الأربعاء للتوصل إلى اتفاق أخير وتقديم اقتراحهم لتشكيل حكومة ائتلافية، من شأنها أن تطيح برئيس الوزراء نتنياهو.

ورغم المنافسة والصعوبات والمشاكل التي تواجه الداخل الإسرائيلي، تم انتخاب إسحاق هرتسوج رئيسًا جديدًا لإسرائيل في اقتراع سري بين نواب الكنيست البالغ عددهم 120 نائبا؛ حيث صوت 87 نائبا لصالح هرتسوج، بينما صوت 27 نائبًا لبيرتس. 

مهام وصلاحيات الرئيس في إسرائيل

Yitzhak Herzog (Bozi Herzog)

لا تمارس الرئاسة الإسرائيلية سوى القليل من الصلاحيات، ويعد رئيس إسرائيل هو رأس الدولة وصلاحيات منصبه شرفية أو رمزية، ويشغل المنصب رقم 2 في إسرائيل بعد رئيس الوزراء الذي يمارس السلطة التنفيذية الفعلية.

ورغم أن رئيس إسرائيل هو رئيس شرفي، إلا أن لديه العديد من المهام: حيث يلتقي في المقام الأول بقادة الأحزاب بعد الانتخابات التشريعية لأنه مكلف باختيار زعيم حزب سياسي لتشكيل ائتلافات حاكمة بعد الانتخابات البرلمانية. ويمكن للرئيس أيضًا أن يلعب دورًا مهمًا في الدبلوماسية الإسرائيلية فيستقبل سفراء الدول الأجنبية المعينين حديثًا في إسرائيل، ويقوم بالتوقيع على اتفاقيات مع دول أخرى، ويعين قضاة المحاكم المدنية والدينية، ولديه القدرة على العفو عن المجرمين المدانين من القادة أو السياسيين أو المسجونين، وممارسة الرأفة من خلال تخفيف الأحكام أو إلغائها؛ علمًا بأن وظيفة العفو قد تؤدي إلى وضع يحتمل أن يكون حساسًا بالنسبة لرئيس إسرائيل الجديد لأن نتنياهو سيُحاكم على سلسلة من تهم الفساد. ومن المنتظر أن يتولى إسحاق هرتسوج المنصب رسميًا في يوليو بعد نهاية ولاية الرئيس الإسرائيلي الحالي رؤوفين ريفلين. 

محادثات مؤيدة للسلام

محمود عباس يستقبل زعيم حزب العمل «الإسرائيلي»

كان هرتسوج قد شغل منصب سكرتير الحكومة ومنسق الحكومة الإسرائيلية لتقديم المساعدات الإنسانية لغزة في 2008- 2009. وخلال فترة عمله كان مهتمًا بتقديم الحلول لتخفيف المعاناة عن الفلسطينيين.  وبعد توليه رئاسة حزب العمل في سبتمبر 2014، عمل على توجيه تركيزه إلى السلام مع الفلسطينيين؛ فبادر بعد 10 أيام من توليه رئاسة حزب العمل بلقاء الرئيس الفلسطيني محمود عباس في رام الله.

ودائما ما يعبر عن رؤاه بأن هناك أغلبية في الشارع الإسرائيلي مؤيدة لحل الدولتين رغم محاولة اليمين المتطرف التأثير على الرأي العام الإسرائيلي. وقد قال هرتسوج رئيس حزب العمل آنذاك وزعيم المعارضة الإسرائيلية أن لديه عملًا مهمًا وهو تأطير قوى السلام الداعمة لمبدأ حل الدولتين في مواجهة مشروع اليمين الإسرائيلي في الانتخابات المقبلة لإعطاء فرصة حقيقية للسلام بين الشعبين.

ولطالما شدد هرتسوج على ضرورة أن يكون هناك تعاون أكبر بين قوى السلام الفلسطينية والإسرائيلية لإعادة المسيرة السلمية إلى طريقها الصحيح نحو تحقيق السلام وفق مبدأ حل الدولتين. وخلال حملته في عام 2015 تعهد بإعادة إطلاق عملية السلام، وقال إنه مستعد لإيقاف الضم الإسرائيلي للمستوطنات في الضفة الغربية، بل وإزالتها إذا لزم الأمر من منطلق تأييده لحل الدولتين.

ماذا قال الرئيس الجديد؟

انتخابات إسرائيل ، انتخابات إسرائيل ، حزب إسرائيل ، إسرائيل خسروغ ، انتخاب نتنياهو ، انتخاب نتنياهو ، الاتحاد الصهيوني ، الليكود ، أخبار العالم

قال اسحاق هرتسوج في البرلمان قبل هذا التعيين: إنه “من الضروري الاهتمام بالجروح المفتوحة التي فتحت في مجتمعنا مؤخرًا”، وقال كذلك “يجب أن ندافع عن مكانة إسرائيل الدولية وسمعتها الطيبة في أسرة الأمم، ونكافح معاداة السامية وكراهية إسرائيل، وأن نحافظ على ركائز ديمقراطيتنا”.

وقال عقب فوزه: “أعتزم أن أكون رئيسًا لكل الإسرائيليين، وكلي آذان مصغية لكل منصب وكل شخص، وسأبني الجسور بين مختلف أجزاء مجتمعنا.. تحدياتنا كثيرة ويجب عدم الاستخفاف بها”.

في حين قال في خطاب النصر الذي ألقاه إنه سيركز جهوده على توحيد المجتمع الإسرائيلي بعد العنف الطائفي الأخير، وأنه سيركز أيضًا على تعزيز مكانة إسرائيل الدولية، وقيادة الحرب ضد معاداة السامية، وتعزيز الروابط بين إسرائيل والجالية اليهودية في الولايات المتحدة وحول العالم. وتعهد بمعالجة مجموعة من القضايا، بما في ذلك توسيع الانقسامات بين المواطنين اليهود والفلسطينيين التي انفجرت خلال الحرب الأخيرة التي استمرت 11 يومًا في غزة. 

تهنئة وإشادة إسرائيلية ودولية

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يلقي بيانا مع الرئيس المنتخب إسحاق هرتسوغ بعد جلسة خاصة للكنيست حيث انتخب المشرعون الإسرائيليون رئيسًا جديدًا في الكنيست ، البرلمان الإسرائيلي ، في القدس ، في 2 يونيو 2021. (رويترز)

في حديثه من الكنيست، تمنى نتنياهو “كل التوفيق” لهرتسوج، وأجاب هرتسوج: “سأكون سعيدًا للعمل مع كل حكومة، بغض النظر عن رئيسها”؛ ويذكر أن نتنياهو قبل الانتخابات الرئاسية الإسرائيلية لم يعبر عن تفضيله لأي من المرشحين “هرتسوج وبيرتس”، وفسر البعض وقوفه على الحياد بأنه لا يريد دعم الحصان غير الرابح لمنصب الرئيس، وهو المنصب الذي يتمتع بسلطة العفو عن الجرائم الجنائية بموجب “القوانين الأساسية” للبلاد؛ لأنه قد يحتاج إلى طلب العفو من أحدهم في المستقبل.

وكذلك، هنأ يائير لابيد، مهندس الائتلاف والذي شكل تحالف للإطاحة بنتنياهو، هرتسوج، واصفًا إياه بأنه “رجل جدير ورائع يركز دائمًا على مصلحة الوطن والشعب اليهودي”.

وأيضًا هنأ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على تويتر إسحاق هرتسوج على انتخابه رئيسًا لدولة إسرائيل، قائلًا: “روسيا وإسرائيل تتمتعان بعلاقات ودية، وآمل أن يساهم عملك كرئيس للدولة في زيادة تطوير التعاون الثنائي متعدد الأوجه والبناء، بما في ذلك التفاعل في الشؤون الدولية، وهذا بلا شك يلبي المصالح الأساسية لشعبينا”.

هذا وإلى ذلك، هنأ الرئيس الأمريكي بايدن الرئيس الإسرائيلي الجديد على انتخابه يوم الأربعاء وسط الإطاحة المحتملة برئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. وقال بايدن في البيان إنه “يتقدم بأحر التهاني لإسحاق هرتسوج على انتخابه ليكون الرئيس الحادي عشر لدولة إسرائيل”، معربًا عن أن: “الرئيس المنتخب هرتسوج أظهر طوال حياته المهنية التزامه الراسخ بتعزيز أمن إسرائيل، ودفع الحوار وبناء الجسور عبر المجتمع اليهودي العالمي”، قائلًا: “أنا واثق من أنه في ظل رئاسة هرتسوج، ستستمر الشراكة بين إسرائيل والولايات المتحدة في النمو والتعمق”. 

ويذكر بأن هرتسوج يتمتع بخبرة في السياسة الخارجية، وله علاقات وثيقة في الولايات المتحدة مع كل من الديمقراطيين والجمهوريين، ولديه علاقة شخصية مع الرئيس بايدن وأعضاء إدارته.

ووفقًا لما سبق فسوف يحل إسحاق هرتسوج رسميا محل الرئيس المنتهية ولايته رؤوفين ريفلين الشهر المقبل، وتبدأ ولايته التي تبلغ سبع سنوات في 9 يوليو، ورغم محدودية صلاحياته إلا أن الكثيرين في إسرائيل يستشعرون نحوه برؤية إصلاحية تعوض عصر الفساد المستشري طيلة سنوات كثيرة في إسرائيل، ثم إنه ينظر إليه المهتمون بالقضية الفلسطينية نظرة تفاؤلية نظرًا لمواقفة السابقة الداعمة للسلام وفق مبدأ حل الدولتين، والتزامه بما تعهد به بإعادة إطلاق عملية السلام، واستعداده لإيقاف الضم الإسرائيلي للمستوطنات في الضفة الغربية، بل وإزالتها إذا لزم الأمر من منطلق تأييده لحل الدولتين.