أعلنت فرنسا الخميس الماضي تعليق العمليات العسكرية المشتركة مع مالي بسبب الانقلاب الذي وقع مؤخرًا في الدولة الواقعة في غرب أفريقيا. وقالت باريس إن القرار سيظل ساريًا حتى تتلقى ضمانات بشأن عودة الحكم المدني في مالي.

ويأتي هذا الإعلان بعد أيام قليلة من تصريح للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في مقابلة مع صحيفة “لوجورنال دو ديمانش”، نشرت الأحد الماضي، أن بلاده ستعمد إلى سحب قواتها من مالي في حال سارت “باتجاه” ما وصفه “إسلام راديكالي”، بعد انقلاب ثانٍ خلال تسعة أشهر والذي نددت به باريس ووصفته بأنه انقلابًا داخل الانقلاب.

وصرح الرئيس الفرنسي في مقابلة مع الصحيفة الفرنسية خلال زيارته لرواندا وجنوب أفريقيا: “كنت قد قلت للرئيس المالي باه نداو، إن التطرف في مالي مع وجود جنودنا هناك؟ هذا لن يحصل أبدا، وإذا سارت الأمور في هذا الاتجاه، فسأنسحب”.

وقال ماكرون إنه “مرر رسالة” إلى قادة دول غرب أفريقيا مفادها أنه “لن يبقى إلى جانب بلد لم تعد فيه شرعية ديمقراطية ولا عملية انتقال”، مذكرًا بأنه قال قبل ثلاث سنوات “في عدد من مجالس دفاع، إنه يجب علينا التفكير في الخروج”. وأعقب هذا التصريح قرار المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا ” إيكواس” بتعليق عضوية مالي في المجموعة ردًا على الانقلاب.

هذا التلويح الفرنسي بالانسحاب من ساحل أفريقيا ليس هو الأول من نوعه، فقد سبق أن قالت وكالة الأنباء الفرنسية (فرانس برس) في مطلع العام الجاري، نقلاً عن مصادر دفاعية إن الرئيس إيمانويل ماكرون يود المضي قدمًا في تقليص عدد القوات الفرنسية في منطقة الساحل قبل الانتخابات الرئاسية المقبلة في أبريل 2022.

حجم القوات الفرنسية في مالي

تعتبر مالي دولة مهمة بالنسبة لفرنسا التي تنشر الآلاف من جنودها هناك، وذلك بعد تدخلها عسكريًا ضمن محاولات مكافحة التنظيمات الجهادية في منطقة الساحل الإفريقي.

ويعود الوجود الفرنسي العسكري في مالي إلى عام 2013، بعد أن قامت باريس بنشر جنودها لمساعدة العاصمة المالية، باماكو، في استعادة أراضيها من الجماعات المتطرفة. وقد وصل عدد الجنود الفرنسيين الموجودين في مالي إلى 4500 جندي، 1700 منهم في قاعدة غاو.  كما قامت فرنسا بالعديد من العمليات في شمال مالي، مثل” برخان” و”سرفال”. وقد أسفرت الهجمات الدموية في مالي عن مقتل ما يزيد عن 50جندياً فرنسيًا منذ تدخل فرنسا هناك. 

الدوافع الحقيقية للانسحاب

الأسباب الظاهرة التي أعلنتها باريس هي أنها لن تبقى إلى جانب بلد لم تعد فيه شرعية ديمقراطية أو عملية انتقال، ولكن في حقيقة الأمر ثمة دوافع أخرى حقيقية غير معلنة وراء التلويح بالانسحاب، نوجزها فيما يلي:

  • ارتفاع تكلفة الحرب على الإرهاب: التلويح بالانسحاب من مالي يشير إلى إن باريس في حالة مراجعة شاملة لحجم تواجدها العسكري في حربها ضد الإرهاب في منطقة الساحل والصحراء، ولا سيما بعد ارتفاع كلفة هذه الحرب.

 فعلى سبيل المثال: القوات الفرنسية في مالي تكلف حكومة ماكرون نحو مليار يورو سنويًا، هذا إلى جانب الخسائر البشرية في القوات العسكرية الفرنسية، والتي يتم استهدافها من قبل الجماعات الإرهابية التي تنشط في المنطقة. آخر مؤشرات ذلك اختطاف الصحفي الفرنسي، أوليفييه ديبيوا، في مطلع الشهر الماضي على يد جماعة نصرة الإسلام والمسلمين التابعة لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي.

  • مقتل الرئيس ديبي: أحد الأسباب الرئيسية التي قد تدفع فرنسا إلى إعادة النظر في حجم تواجدها في منطقة الساحل؛ فقدانها حليفها الأكبر في المنطقة الرئيس التشادي، إدريس ديبي، بعد مصرعه في إبريل الماضي على يد المتمردين شمال البلاد.  فتشاد تحت حكم ديبي كانت أهم لاعب عسكري، وأقوى حليف لفرنسا في جهود مكافحة الإرهاب في المنطقة، وكانت تشارك جيوشها إلى جانب القوات الفرنسية عند تدخلها في شمال مالي.
  • ضغوطات داخلية: الرأي العام داخل فرنسا يؤيد الانسحاب العسكري من مالي، ومن منطقة الساحل عمومًا.  حيث تراجعت نسبة مؤيدي التدخل العسكري في الساحل وسط الرأي العام الفرنسي من 73% في العام 2013 إلى 49% خلال العام الجاري، فوفقًا لاستطلاع رأى فرنسي أجرته صحيفة ” لوبوان” الفرنسية الأسبوعية في يناير الماضي؛ 51% من المُشاركين في الاستطلاع لا يؤيدون التدخل العسكري الفرنسي في مالي، و19% من هؤلاء لا يؤيدون مطلقًا هذا التدخل. 

كما تعالت أصوات الانتقادات الداخلية لماكرون على خلفية فشل التدخل العسكري الفرنسي في مالي وتصاعدت الضغوط من أحزاب المعارضة خاصة بعد مقتل عدد من الجنود الفرنسيين في دول الساحل الأفريقي، ما رفع حصيلة قتلى الجيش الفرنسي إلى ما لا يقل عن 50 قتيلاً منذ بداية العمليات العسكرية الفرنسية في شمال مالي.

  • تعالي الأصوات المُناهضة للوجود الفرنسي في مالي: منذ أكثر من عام يطالب الشعب المالي بخروج القوات الفرنسية من البلاد، معللين موقفهم بفشل تلك القوات في أداء مهامها الأساسية المُتمثلة في القضاء على الجماعات الإرهابية، بل على العكس أصبحت هذه الجماعات كما يرون أكثر قوة ونجحت في التغلغل من شمال مالي إلى داخل البلاد.

وقد توالت المظاهرات المنددة بتواجد فرنسا داخل مالي، ولا سيما بعد أن توالت الأخطاء التي يقوم بها الجيش الفرنسي والتي أودت بحياة المدنيين في مالي، ومن ذلك ما كشف عنه تحقيق للأمم المتحدة، أن ضربة جوية نفذها الجيش الفرنسي في مالي، يناير الماضي، أدت إلى مقتل 19 مدنيا تجمعوا لحضور حفل زفاف، بمدينة بونتي وسط مالي.

هل يُمكن أن تحل موسكو محل باريس في مالي؟

 أثار التهديد الأخير للرئيس ماكرون بالانسحاب من مالي غضب الشعب المالي. حيث كشفت وسائل الإعلام المختلفة عن أن الشعب المالي بات يفكر جديًا في مطالبة روسيا بمساعدة دولتهم وأن تحل محل باريس. وقد بدا هذا واضحًا من خلال المظاهرات الشعبية في مالي والتي طالبت بخروج القوات الفرنسية من البلاد، وقد رفع المتظاهرون أعلامًا روسية مُطالبين باستبدال الدور الفرنسي بالدور الروسي.

لذا المتوقع أن تشهد الفترة المقبلة المزيد من التغلغل الروسي في مالي، في ظل التلويح الفرنسي بالانسحاب، والغضب المالي من تواجد القوات الفرنسية بالبلاد، فضلاً عن مساعي روسيا لتعزيز نفوذها في منطقة الساحل الإفريقي. ويستدل على ذلك من أن روسيا عقب الانقلاب الذي أطاح بالرئيس كيتا لم تُدن الانقلاب مثل باقي الدول الأخرى، كما أفادت بعض التقارير نقلاً عن مصادر عسكرية مالية أن قادة الجيش الذين قادوا الانقلاب العسكري على الرئيس كيتا، العام الماضي، تلقوا تدريبات عسكرية في روسيا وعادوا إلى مالي قبل أيام قليلة من تنفيذ الانقلاب.

ماذا لو انسحبت فرنسا؟

 تعيش مالي حاليًا تخمة من الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية، تزعزع من استقرار الدولة المالية، وتهدد من مستقبل أمنها السياسي والاقتصادي والاجتماعي أبرزها: ظاهرة الانقلابات العسكرية، والتي باتت ظاهرة مألوفة في الأراضي المالية، إلى جانب انتشار الجماعات الإرهابية، وتصاعد أعمال العنف الناجمة عن الصراعات العرقية داخل البلاد.

ومن ثمّ إذا رحلت فرنسا في ظل الأوضاع الأمنية والسياسية الهشة في مالي، فمن المتوقع أن تسيطر الجماعات الإرهابية على مالي وعلى باقي دول منطقة الساحل، ولا سيما وأن القوات والاستخبارات العسكرية الفرنسية هي السند العسكري لكل قوات منطقة الساحل والصحراء بما فيها موريتانيا وبوركينا وتشاد والنيجر.

كما أن الانسحاب الفرنسي سيترك فراغاً أمنيًا من شأنه أن يحفز بعض القوى الأخرى لسد هذا الفراغ كالصين وروسيا وتركيا وغيرها من الدول التي تبحث جاهدة عن موطئ قدم لها في دول الساحل في إطار الصراع للسيطرة على النفوذ والموارد الغنية في هذه المنطقة. 

 انطلاقًا مما سبق، أعتقد أن فرنسا لن تغامر في اتخاذ القرار بالانسحاب الكامل ولن تسمح لأحد بمليء الفراغ الذي ستتركه القوات الفرنسية في حال انسحابها، ولا سيما مع إدراك فرنسا جيدًا أن مثل هذا القرار قد يطرح عدد من السيناريوهات أمام قادة الانقلاب في مالي من بينها: استبدال الجيش الفرنسي بجيوش دول أخرى جاهزة للعب هذا الدور وفي مقدمتها روسيا والصين. 

وقد يطرح أمامهم بديلاً آخر وهو التقارب مع الجماعات الجهادية في مالي للوصول إلى وقف لإطلاق النار مُقابل تقديم العديد من التنازلات. وكلا الاحتمالين يمثلان تهديدًا للمصالح الفرنسية في مالي ومنطقة الساحل، كما يعنى إقرارًا بفشل التدخل الفرنسي في المنطقة.