بعد عام ونصف على انعقاد النسخة الأولى من مؤتمر برلين الذي وضع أسس انطلاق عملية السلام الليبية، تستضيف وزارة الخارجية الألمانية النسخة الثانية من المؤتمر بحضور الأطراف الدولية المشاركة بالمؤتمر الأول إلى جانب حكومة الوحدة الوطنية الليبية، بهدف تهيئة الأجواء لإتمام الانتقال السياسي ووضع نهاية لعقد من الفوضى والصراع المسلح، بعدما استشعر المجتمع الدولي بوادر انحراف عن خارطة الطريق المقررة خلال اجتماع “جنيف” التي تفضي إلى إنهاء المرحلة الانتقالية الممتدة وبلوغ نظام سياسي مستقر عبر انتخابات تجرى في 24 ديسمبر المقبل، مع تصاعد مجموعة من الملفات الخلافية والشائكة تهدد مسار السلام الصعب وتثير مخاوف من العودة إلى المربع صفر.

السياقات الحاكمة

تُبدي الدول الأوروبية، وفي مقدمتها ألمانيا، اهتمامًا خاصًا بالأزمة الليبية، ارتباطًا بتأثيراتها المباشرة على الأمن الأوروبي وتحديدًا ما يتصل بقضية تدفق اللاجئين والمهاجرين غير الشرعيين وما قد يصاحبه من نفاذ العناصر الإرهابية إلى الداخل الأوروبي خاصة أن ألمانيا غالبًا ما تكون مقصد هؤلاء. إلى جانب الرغبة في تقويض النفوذ التركي والروسي المتزايد في المتوسط؛ حيث تسعى الأولى للتحكم في مصادر الطاقة بالمنطقة، وتتطلع الأخيرة لإقامة قاعدة عسكرية بليبيا على غرار قاعدتي حميم وطرطوس السوريتين، وكلاهما يمثلان تهديدًا للأمن الأوروبي وقوات حلف الناتو بالمتوسط. كذلك تخشى برلين من تعميق الأزمة الليبية الانقسام في المواقف الأوروبية بشأنها وبالأخص الفرنسية والإيطالية. 

وتمتلك برلين ما يؤهلها لدور إيجابي فعال في الأزمة الليبية نظرًا لحيادها وعلاقاتها الجيدة مع جميع الأطراف المعنيين، ومكانتها باعتبارها الممول الرئيسي لجهود تحقيق الاستقرار في ليبيا، وخبراتها السابقة في حل النزاعات. ومن هذا المنطلق، تحركت برلين على مسارين متوازيين؛ الأول تقريب وجهات النظر الأوروبية بشأن الملف الليبي، والثاني تنظيم مؤتمرات دولية متخصصة وإفراد مساحات خلال الفاعليات السياسية الدولية للأزمة الليبية بغية توحيد الجهود ووضع الرؤى لإحداث خرقًا بها، وهو ما جسده مؤتمر برلين الأول (19 يناير 2020)، ومؤتمر ميونخ للأمن (15 فبراير 2020)، وأخيرًا مؤتمر برلين الثاني (23 يونيو 2021)، الذي ينعقد في ظل سياقات دولية وإقليمية مغايرة لتلك التي صاحبت نسخته الأولى، ويُمكن إبرازها كالتالي:  

• الأول: انتهاء الانقسام السياسي الليبي المستمر منذ 2014، فلأول مرة سيمثل ليبيا حكومة الوحدة الوطنية، بينما مثلها خلال الجولة الأولى من المفاوضات قطبي السياسة الليبية المتصارعان المشير خليفة حفتر قائد الجيش الليبي، وفايز السراج رئيس حكومة الوفاق السابقة. 

• الثاني: التحفيز الأمريكي للجهود الأوروبية لإنجاح مسار التسوية السياسية الليبية؛ إذ تبنت الإدارة الأمريكية الديمقراطية الجديدة مقاربة مغايرة تجاه الأزمة الليبية عن تلك التي انتهجتها الإدارة الجمهورية السابقة التي ارتكزت على عدم الانخراط المباشر في الشأن الليبي وإعطاء الضوء الأخضر لأنقرة لإيجاد موطئ قدم داخل ليبيا بغية موازنة النفوذ الروسي المتزايد هناك، ما ترتب عليه تفاهمات روسية-تركية على غرار النموذج السوري ، وضعت عراقيل أمام التوصل لحل سياسي شامل والمراهنة على الحسم العسكري للصراع اتصالًا بتغير موازيين القوى العسكرية على الأرض والسعي لتثبيت وجود عسكري تركي-روسي دائم على الأراضي الليبية. 

في حين مالت إدارة بايدن إلى الاضطلاع بدور مباشر في الملف الليبي ارتباطًا برؤيتها لسياسة خارجية نشطة تشتبك إيجابيًا مع القضايا الخارجية أداتها الرئيسية هي الدبلوماسية، والتنسيق مع الحلفاء الأوروبيين عبر المتوسط في القضايا الدولية المشتركة، وتقويض النفوذ الروسي الخارجي ضمن رؤية ثابتة عابرة للإدارات، فضلًا عن ضبط إيقاع المغامرات التركية الخارجية، وهو ما يثير تفاؤلًا بشأن ممارسة ضغوطًا على الأطراف المشاركة في “برلين 2” لوضع مخرجاته موضع التنفيذ وإجبار الأطراف الفاعلة على الالتزام بخارطة الطريق.

ويستند هذا التفاؤل إلى الدفعة التي منحها مجيء بايدن للتقدم في عملية السلام؛ إذ لعب كل من السفير الأمريكي لدى ليبيا ريتشارد نورلاند والسفيرة الأمريكية ستيفاني ويليامز دورًا حيويًا في قيادة مباحثات جنيف التي أفضت إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية في فبراير خلال أقل من شهر من دخول بايدن البيت الأبيض. إلى جانب جدية واشنطن في تفكيك العقبات أمام الحل السياسي، وهو ما عبر عنه وزير الخارجية، أنتوني بلينكن، من ضرورة خروج كل القوات الأجنبية من ليبيا. وتهديد ممثلة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة ليندا غرينفيلد بفرض عقوبات على من يعرقلون الانتخابات.

• الثالث: تعثر تنفيذ بعض مخرجات مؤتمر برلين الأول بفعل التدخلات الدولية والعراقيل التي وضعتها الميليشيات وجماعة الإخوان، مع عدم جدية المجتمع الدولي في فرض عقوبات على المعرقلين رغم إتاحة هذا الخيار بموجب القرارات الصادرة عن الاجتماع. وهو ما انعكس على استمرار تدفق السلاح والميليشيات إلى الداخل الليبي بالمخالفة لقرار مجلس الأمن بحظر تصدير السلاح بليبيا، كان آخرها دخول طائرة شحن عسكرية من طراز Airbus 400 TUAF221 تحمل رقم تسجيل 18-0093 قادمة من تركيا إلى المجال الجوي الليبي في مايو حيث استقرت بقاعدة الوطية الجوية وعلى متنها دفعة جديدة من المرتزقة والأسلحة والذخيرة.

• الرابع: لجوء تركيا لمقاربة جديدة تجاه الأزمة الليبية اتصالًا بالتغيرات المتسارعة إقليميًا وعالميًا التي تجسدها بوادر التقارب بين القاهرة وأنقرة، وانقضاء عهد غض الطرف الأمريكي عن المغامرات الخارجية التركية، مع التأكيد على أن التغير في الموقف التركي يظل تكتيكيًا وليس استراتيجيًا.

• الخامس: استمرار المناورات التركية-الروسية للاحتفاظ بالوجود العسكري على الأراضي الليبية؛ فمن ناحية، تصر أنقرة على الفصل بين الوجود الميليشياوي والعسكري، وإبداء مرونة بشأن إخراج الأولى مع اشتراط الخروج المتزامن لمجموعات “فاجنر” الروسية، مقابل الاحتفاظ بالقوات العسكرية بدعوى شرعية وجودها بموجب الاتفاق الأمني مع حكومة الوفاق الوطني السابقة في نوفمبر 2019. ومن ناحية أخرى لا ترغب موسكو في سحب قوات “فاجنر” في ظل استمرار الوجود التركي.

• السادس: تحرك بعض الدول منفردة نحو صياغة حلول للأزمة الليبية بعيدًا عن الإطار الأممي بما يخدم رؤيتها ومصالحها الخاصة، وانقسام الموقف الدولي بشأن القضايا المصيرية والملفات ذات الأولوية بما يخلق بيئة ملائمة لتعزيز حالة الانقسام الليبي. 

ملفات متعثرة

تبرز مجموعة من الملفات المتشابكة والمعقدة كعقبات أمام مسار الانتقال الديمقراطية الليبي التي من المقرر أن تكون محور مناقشات المجتمعين في برلين، نستعرضها على النحو التالي:

• إخراج المرتزقة والقوات الأجنبية: عندما تضع الحروب والصراعات المسلحة أوزارها، تثور قضية أساسية تتعلق بمصير الميليشيات والجماعات المسلحة والمرتزقة وأسلحتها التي كانت تعمل لصالح أطراف النزاع، وفي ليبيا يتعلق الأمر بأكثر من 20 ألف مقاتل ومرتزق أجنبي بما في ذلك 13 ألف مرتزق سوري بقيادة تركية و11 ألف روسي وسوداني وتشادي، إلى جانب مئات الميليشيات المحلية المسلحة ذات الولاءات والأهداف السياسية المتضاربة، والتي ما زال بعضها يدخل في مواجهات مسلحة في إطار الصراع المستمر على مناطق النفوذ والهيمنة، فضلًا عن الهياكل العسكرية التي شكلتها حكومة فايز السراج خلال معركة طرابلس التي ترفض خروج المرتزقة وتعتبر نفسها طرفًا في أي معادلة سياسية. 

وهي قضية شائكة تعقد الوضع الأمني الداخلي وتبقي احتمالات تجدد الصراع المسلح قائمة بشدة، وتمنح القوى الإقليمية والدولية المنخرطة في الأزمة الليبية اليد الطولى لتحريك المشهد السياسي بما يخدم مصالحها الاستراتيجية، بما في ذلك إمكانية عرقلة مسار الانتقال السياسي وإجراء الانتخابات في موعدها. علاوة على مخاوف من الإتيان بممارسات من شأنها التأثير على مجريات العملية الانتخابية في مناطق سيطرتها ضاربة عرض الحائط بشفافيتها ونزاهتها ومصداقيتها ومدى تعبيرها عن الإرادة الحرة للشعب الليبي، بما يفتح الباب أمام التشكيك في مصداقية النتائج وعدم الاعتراف بشرعية السلطة المنتخبة وتكرار تجربة انتخابات 2014. 

وبالنظر إلى أن جوهر الأزمة الليبية هو صراع القوى المسلحة فإن حلها هو تفكيك تلك الميليشيات، وعليه، يهدف مؤتمر برلين لصياغة رؤية وجدول زمني ملزم لإنهاء قضية الميليشيات الأجنبية والمحلية، على صعيدي الضغط على الدول الراعية للمرتزقة –خاصة روسيا وتركيا- لوضع آلية لإخراج تلك العناصر، وأيضًا بإيجاد صيغة لنزع سلاح الميلشيات المحلية وتفكيكها وإعادة تسريح ودمج مقاتليها ضمن الجيش والقوات الأمنية التابعة لوزارة الداخلية إحقاقًا لقراري مجلس الأمن الدولي 2570 و2571، وهو أمر سيمثل بدوره عنصر ضغط على أمراء الحرب لسحب مرتزقتهم خشية من افتضاح أمرهم خلال التحقيقات مع العناصر المحلية.

• توحيد المؤسسات: لا تزال قضية توحيد المؤسسة العسكرية تراوح مكانها رغم جوهريتها للمسار السياسي، فاستمرار الانقسام يثير تساؤلات بشأن الضمانات الأمنية المطلوبة لضمان نزاهة ومصداقية العملية الانتخابية المقبلة بالنظر إلى قدرة القوى العسكرية المختلفة على التأثير في مجرياتها على الأرض، فضلًا عن تقويض فرص الاستقرار خاصة مع تصاعد حالة التحشيد العسكري وبروز مخاوف مشروعة من اتجاه القوى الخارجية لافتعال صدام مسلح تتزايد احتمالات وقوعه كلما اقتربنا من موعد الانتخابات لإدخال البلاد في دائرة مفرغة من الفوضى تضمن لهما حضورًا دائمًا في أي تسوية سياسية للأزمة.

ولا تزال عملية توحيد المؤسسة العسكرية تواجه عقبات متعددة دفعت بالمحللين للاعتقاد بأنها لن تتم في ظل السلطة الانتقالية، خاصة مع إصرار القيادة العامة للقوات المسلحة على عدم تسليم القيادة إلا إلى سلطة منتخبة، واشتراط إنهاء الوجود العسكري التركي وهو أمر لا تلوح بوادره في المستقبل المنظور بالنظر لتمسك ميليشيات الغرب به كضامن لبقائها، واستمرار دورات التدريب العسكري التركية لعناصر ميليشيات الوفاق بموجب اتفاقية التدريب والمساعدة والمشورة العسكرية لشرعنة وجودها بالمخالفة لقرار اللجنة العسكرية المشتركة بجنيف في أكتوبر 2020 بتعليق أي برامج تدريب عسكري أو اتفاقيات عسكرية خلال ثلاثة أشهر من الاتفاق، علاوة على تأكيد القوات المسلحة الإبقاء على لجنة المسار العسكري المشترك 5+5. 

• إنهاء الخلافات وإجراء الانتخابات في موعدها: بينما تسابق مفوضية الانتخابات الزمن للإعداد لإجراء الانتخابات لا تزال الشكوك تحيط بإمكانية إجراءها في موعدها المقرر بعد 6 شهور بالنظر إلى الواقع السياسي والأمني وسط تصاعد الخلافات بشأن عدد من القضايا الجوهرية وفشل ملتقى الحوار السياسي خلال جولته الأخيرة (يومي 26 و27 مايو) في الاتفاق على القاعدة الدستورية التي ستجرى على أساسها الانتخابات. 

وتدور الخلافات بشأن إشكاليتين أساسيتين؛ الأولى تتعلق بترتيب خطوات الانتقال السياسي، أي إجراء الانتخابات أولًا ثم الدستور وفقًا لخارطة جنيف أم بالعكس، والثانية تخص آلية انتخاب رئيس الدولة عبر الانتخابات الشعبي المباشرة أم التعيين من قبل البرلمان. وتقف جماعة الإخوان وراء افتعال تلك الخلافات لتطويع مسار العملية السياسية بما يضمن استمرارها في السلطة بعدما تضاءلت شعبيتها محليًا، وإدراكها لضعف حظوظها في الانتخابات المقبلة بشكل يهدد بتلاشي أي دور مستقبلي في العملية السياسية. فضلًا عن مسعاها لبلوغ رئيس محدود الصلاحيات ويخضع للمحاصصة بما يقوض من قدراته على اتخاذ قرارات مصيرية مستقلة بمعزل عن حسابات القوى الإقليمية والدولية.  

وعلى ما يبدو أن اللاعبين الخارجيين يدعمون هذا التوجه؛ فلم تُظهر تركيا وروسيا أي اهتمام حقيقي بدعم الانتقال إلى الانتخابات، حيث يتمتعان بنفوذ على قوى الوضع الراهن نفسها – بما في ذلك رئيس مجلس النواب عقيلة صالح ورئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري – التي تتحكم بعملية وضع الأساس الدستوري للانتخابات ولديها سلطة تأجيلها إلى أجل غير مسمى، كما أنهما يجدان فرصة لحماية نفوذهما الحالي وتأمين مصالحهما الجيوسياسية وأمنهما القومي والاقتصادي من خلال رئيس الوزراء الحالي عبد الحميد الدبيبة.

ويهدد الاستقطاب السياسي هذا بنسف خارطة الطريق الأممية وانزلاق البلاد إلى مربع الحرب والانقسام والفوضى من جديد واندلاع أزمة شرعية جديدة، لذلك سيحمل مؤتمر برلين رسالة لكل المعرقلين للانتخابات داخليًا وخارجيًا مفادها أن المجتمع الدولي لن يقبل بتعطيلها وأنه سيتم ملاحقة كل الأطراف الساعية لنشر فوضى سياسية في البلاد، والتمسك بمخرجات مؤتمر “برلين 1” القاضية بضرورة إجراء الانتخابات نهاية 2021 والتأكيد على “قدسية” هذا الموعد، خاصة مع توقعات بألا تتم دعوة الفصائل المعطلة لخارطة الطريق. 

ختامًا، سيتوقف نجاح مؤتمر برلين الثاني على مدى قدرته على تحقيق توازن بين متطلبات دعم مسار الانتقال الديمقراطي في البلاد، وتلبية مطالح الأطراف الإقليمية والدولية المنخرطة في الأزمة، وإيجاد صيغ توافقية للقضايا الخلافية، وممارسة ضغوطات على كافة الأطراف الفاعلة لإنجاز خارطة الطريق، وفرص عقوبات على معرقلي المسار السياسي، وإلا سيكون التأجيل هو المصير الحتمي للانتخابات المقبلة، بما يعنيه ذلك من انهيار المسار السياسي والعودة إلى السلاح في محاولة لرسم خرائط نفوذ تعبر عن مصالح القوى الإقليمية والدولية المنخرطة في ليبيا، وتحول البلاد لساحة حرب مفتوحة، وتختصر الأزمة إلى مجرد ورقة للتفاوض والمناورة بين الفاعلين الخارجيين، إلى جانب عودة أزمة الشرعية التي عانت منها حكومة الوفاق السابقة بالنظر لانتهاء ولاية حكومة الوحدة الوطنية بحلول موعد الانتخابات وإمكانية اتخاذ هذا الأمر كذريعة للعودة للانقسام.

Scroll Up