تباين تعاطي التنظيمات الإرهابية خصوصا تنظيمي الدولة الإسلامية “داعش” و”القاعدة” مع الأحداث الأخيرة التي شهدتها الأراضي الفلسطينية، ابتداء من أحداث حي “الشيخ جراح” بمدينة القدس وصولا إلى التصعيد العسكري في غزة بين الفصائل الفلسطينية وإسرائيل.

ففي الوقت الذي تجاهل فيه تنظيم “داعش” هذه الأحداث ولم يتطرق لها، تعاطى “القاعدة” مع تطورات الأحداث في فلسطين عبر عديد من البيانات والإصدارات، لكن هذه الأحداث سببت انقساما كبيرا على المستويين “الرأسي” و”القاعدي” في التنظيم، وهي المعطيات التي جعلت من الأهمية بمكان رصد معالم هذا التعاطي من قبل التنظيمين، ومحددات موقف كل منهما من الأحداث الأخيرة خاصة ومن القضية الفلسطينية بشكل عام.

أولا- صمت “داعشي” إزاء التصعيد في فلسطين:

كان من اللافت أن تنظيم “داعش” لم يتطرق قط إلى أحداث فلسطين، سواءً أحداث “الشيخ جراح” والتصعيد في القدس، أو التصعيد العسكري بين الفصائل الفلسطينية المسلحة وإسرائيل في غزة، وهو الموقف الذي أثار عديدا من علامات الاستفهام، في ضوء ما أعلنه التنظيم يناير 2020 في البيان الذي أصدره عقب تنصيب زعيم جديد للتنظيم خلفا لأبي بكر البغدادي، وهو “إبراهيم القرشي”، بدء مرحلة جديدة مما وصفه ب “الجهاد” على أن يكون أحد الأهداف الرئيسية لهذه المرحلة هو “تدمير إسرائيل”.

وأصدر التنظيم في تلك الفترة تسجيلا صوتيا مدته 37 دقيقة بثته إذاعة “الفرقان” التابعة للتنظيم، على لسان المتحدث باسمه “أبو حمزة القرشي” بعنوان ” دَمَّرَ اللهُ عليهم وللكافرين أمثالُها”، قال فيه القرشي إن الزعيم الجديد لتنظيم داعش عزم هو “وإخوانه على بدء مرحلة جديدة من الجهاد تستهدف قتال اليهود واسترداد ما سلبوه من المسلمين”، ودعا القرشي في التسجيل من أسماهم “جنود الخلافة” إلى ضرب إسرائيل، خصوصاً المستوطنات، وإفشال خطة السلام الأمريكية، وخص البيان بالذكر تنظيمي “ولاية سيناء” و”ولاية الشام”، حيث دعاهم إلى قصف إسرائيل وجعلها “مسرحا لتجارب أسلحتهم الكيماوية”، واتهم القرشي في هذا الإصدار الفصائل الفلسطينية مثل: حماس وفتح، بالردة والعمالة بسبب ما أسماه “التقاعس عن الجهاد ضد إسرائيل”.

وبالتالي توقعت العديد من الدوائر مع تنصيب “إبراهيم القرشي” والبيان الذي تم الإشارة إليه، أن يكون هناك انخراط وتعاطي أكبر لداعش مع الأحداث في فلسطين بما يخدم على مساعي التنظيم في استعادة الزخم، والعودة للمشهد الإقليمي بعد الخسائر التي تكبدها التنظيم الإرهابي.

لكن الأحداث الأخيرة عكست هامشية هذا الملف بالنسبة لداعش، كما هو الحال في حقبة “البغدادي” الذي كان حديثه عن فلسطين مقتصراً على الهجوم على الفصائل الفلسطينية وعلى رأسها “حماس”، خصوصاً مع تضييقها الشديد وحملاتها المتكررة بحق السلفية الجهادية في غزة منذ 2015، وفي 2017 عقب قيام أحد عناصر السلفية الجهادية بتفجير نفسه في حاجز للأمن الفلسطيني على الحدود المصرية – الفلسطينية، وبالتالي كان حديث البغدادي يستهدف نزع شرعية هذه الفصائل لحساب تيار السلفية الجهادية.

ثانيا- محددات موقف “داعش” من القضية الفلسطينية:

يوجد اعتبارين رئيسيين لا يمكن فهم طبيعة الموقف الداعشي من القضية الفلسطينية بدون الوقوف عليها، وذلك على النحو التالي:

  1. نشأ تنظيم داعش على جملة من المفاهيم والمنطلقات الفكرية، التي يقع في القلب منها مفهوم “العدو القريب”، فوفقاً لأدبيات التنظيم ومنظريه فإن قتال النظم العربية والإسلامية التي يراها “مرتدة”، والمجموعات التي يراها “مبتدعة”، مُقدم على قتال “العدو البعيد” أي القوى الغربية والدولية وقد أشار منظرو التنظيم في العديد من الكتابات والمقالات التي نُشرت على المنابر التابعة للتنظيم أو في مجلة النبأ الأسبوعية التي يُصدرها، إلى أنه بحسب مراحل “تحرير العالم” لدى التنظيم الإرهابي، تأتي فلسطين في المرتبة السادسة، إذ يسبقها محاربة النظم العربية، وإثارة الفوضى، والتمكين والخلافة، وتوسيع مساحة هذه الخلافة، ثم تحرير الدول الإسلامية كفلسطين، فيرى التنظيم الإرهابي أنه حتى شرعاً لم يأمر الله في القرآن الكريم بقتال “إسرائيل واليهود” قبل قتال “المنافقين والمرتدين” أي المجتمعات العربية والإسلامية، وقد أكد هذا المعنى الخطبة الأولى للبغدادي، والتي لم يتطرق فيها قط لفلسطين.

وربما لهذا السبب تحدث وزير الخارجية الإسرائيلي “أفيجدور ليبرمان” بثقة عن أن “تنظيم داعش لا يشكل تهديدا عسكريا فوريا على إسرائيل”.

2- لا يمكن قراءة الخطاب الذي أشرنا إليه والذي صدر عن تنظيم داعش في يناير 2020، بمعزل عن السياق الذي جاء فيه سواءً فيما يتعلق بالتنظيم ذاته أو الظرف والمتغيرات الإقليمية، فقد جاء البيان عقب هزيمة عسكرية كبيرة للتنظيم في العراق وسوريا، فضلاً عن أزمات بنيوية عديدة وانشقاقات كبيرة عصفت بالتنظيم واعتراضات على تنصيب الخليفة الجديد “لعدم أهليته”، كما جاء البيان بالتزامن مع إعلان الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” عن خطته للسلام في الشرق الأوسط، وبالتالي مثل هذا البيان مناورة وتحول تكتيكي في الخطاب الداعشي، استهدف عدداً من الأمور، منها: إيقاظ روح القتال في نفوس محاربيه الذين أصابهم اليأس والضعف والانقسامات، مع الهزائم والضربات المتكررة التي تعرض لها التنظيم، كذلك ربما اعتقد التنظيم أن هذا الخطاب وتوجيه البوصلة إزاء إسرائيل ربما يخفف من حدة العداء مع بعض النظم كالنظامين السوري والإيراني، بل وتجاوز ذلك إلى إمكانية توظيف التنظيم في إطار العلاقات ومعادلات الصراع مع إسرائيل، وأخيراً استهدف التنظيم استقطاب عناصر ومجموعات جديدة سواءً من تنظيمات إرهابية أخرى، أو من خلايا نائمة أو الذئاب المنفردة، مستغلاً في ذلك ما تحتله القضية الفلسطينية من مكانة في الوعي الجمعي لدى الشعوب العربية والإسلامية.

وبالتالي فتوظيف القضية الفلسطينية في إطار الخطاب الداعشي، لم يتجاوز كونه محاولة من التنظيم لإعادة إحياء وهيكلة ذاته، واستقطاب مزيد من الشباب والمقاتلين، مستغلاً المتغيرات الإقليمية والظروف التي تزامنت مع طرح ترامب خطته للسلام في الشرق الأوسط.

ثالثاً- انقسام في تنظيم القاعدة إزاء أحداث فلسطين:

 فيما يتعلق بتنظيم القاعدة تعاطى التنظيم بشكل كبير مع هذه الأحداث، لكنها شكلت في الوقت ذاته مصدراً للانقسام بين الأنصار والمنظرين وأفرع التنظيم المختلفة، في هذا السياق وردت بيانات دعم وتأييد للقضية الفلسطينية من أفرع القاعدة في: اليمن، شمال أفريقيا، وشبه القارة الهندية، وقد أصدرت مؤسسة السحاب الإعلامية التي تتبع التنظيم نشرتها الدورية “النفير” بعنوان: “الأقصى في حماية أحفاد البراء بن مالك”.

في اتجاه آخر نشرت مؤسسة “شام الرباط” الإعلامية التي تتبع فرع القاعدة في سوريا “تنظيم حراس الدين” كلمة مرئية للقيادي في التنظيم “سامي العريدي” بالتزامن مع البيانات السابقة، لكن اللافت أن العريدي كان يهنئ بعيد الفطر ولم يتطرق إلى المواجهات الفلسطينية – الإسرائيلية، وقال فقط في التسجيل إن القضية الفلسطينية والدم الفلسطيني “هي شعارات ينكب أصحابها عن حقيقة الصراع، فهي تضييع للوقت والمال وتضليل للأجيال، فحقيقة الصراع أنه أزلي بين المسلمين وأهل الكفر والإلحاد”.

وفي يوم 14 مايو كتب منظر القاعدة المعروف “أبو محمد المقدسي” تدوينة على منبر التوحيد والجهاد بعنوان “الأرض لا تقدس أحداً”، قال فيها: (إنّما يُقدّس الإنسانَ دينُه وإيمانُه وتوحيدُه، وجعل غزة وفلسطين معياراً للكفر والإيمان والتوحيد والردة، في ظل هذا البعد عن الدين “في إشارة للفلسطينيين”، بل وفي ظل محاربة الدين من قبل فئات من الفلسطينيين، هو في الحقيقة وطنية جاهلية مقيتة، وضلالة يحاول بعض الناس أن يُلبسها لباساً إسلامياً).

 لكن المنظر القاعدي الآخر “أبو قتادة الفلسطيني” رد عليه بشكل مباشر في وقت متأخر من ذات اليوم، قائلاً: “علينا أن نتعلم أن نتعامل مع شباب الإسلام حتى وهم من أهل المعاصي على أنهم لنا، فهؤلاء لنا ومنا، فالدعوة لنبذهم خارج الأمة يعني جعلهم جنود إبليس وضدنا وضد الإسلام، وهذا خطأ جسيم”.

وهي المعطيات التي عبرت عن انقسام شديد بين أنصار القاعدة فيما يتعلق بالأحداث في فلسطين، بين من يرى ضرورة الدعم والتأييد، وبين من يرفض ذلك انطلاقاً من قناعاته ومواقفه الفكرية والأيديولوجية التي تبدع وتكفر الفصائل الفلسطينية.

رابعاً – بواعث الاختلافات البينية القاعدية فيما يتعلق بفلسطين:

يختلف تنظيم القاعدة عن “داعش” في مسألة الأولويات إذ تحتل القضية الفلسطينية مكانة متقدمة في عقل وخطاب التنظيم، وهو الأمر الذي يرتبط ببنية التنظيم العقدية والأيديولوجية التي قامت على فكرة أولوية قتال “العدو البعيد” أي القوى الغربية والاستعمارية، لكن الخلاف بين القاعدة وبين الفصائل الفلسطينية يرتبط ببعض الاعتبارات المتعلقة بالتعاطي مع الواقع، فضلاً عن بعض المنطلقات الفكرية الراسخة لدى تنظيم القاعدة الإرهابي، فكما يقول منظرو التنظيم على “منبر التوحيد والجهاد” إن الخلاف مع هذه الفصائل – أي الفصائل الفلسطينية – هو حول آلية العمل “التي يمكن من خلالها الانتقال من الواقع السياسي المرفوض إلى الواقع السياسي المرغوب”، ويعرج منظرو التنظيم قائلين: “ورؤية تنظيم القاعدة وبرنامج مؤسسه أسامة بن لادن يرى أن الآلية هي الجهاد وتكوين جبهة عالمية إسلامية من أجل توحيد جهود المسلمين في القضية الفلسطينية”,

 ويرى التنظيم الإرهابي في المسار السياسي الذي تسلكه بعض الفصائل الفلسطينية كحماس وفتح، أنه مسار “شرك وردة”، فهم لا يؤمنون بالسياسة بمفهومها الحديث وما ينبثق عنها من ممارسات، ومن هنا برزت الخلافات مع الفصائل الفلسطينية، وامتدت هذه الخلافات لتشمل التعاطف مع الشعب الفلسطيني ذاته، ومن هنا يمكن الوقوف على منبع الانقسامات والاختلافات الأخيرة التي حدثت بين “أفرع القاعدة” و”منظريها” إزاء الأحداث في فلسطين.

إجمالا

يمكن القول، إن جل التيارات الإسلامية سواءً المتطرفة أو الإرهابية، اعتادت تضمين القضية الفلسطينية في إطار أجندتها الدعائية والسياسية لتحقيق جملة من المكاسب سواء المجتمعية في محاولة لاستغلال الموقع المتقدم الذي تحظى به القضية الفلسطينية لدى المجتمعات العربية، أو السياسية المرتبطة بما يمكن أن ينبثق عن هذا الخطاب من عودة للانخراط في المشهد السياسي المحلي أو الإقليمي.

Scroll Up