شكل قرار المجلس الجزائري الأعلى للأمن بتصنيف حركتي “رشاد” ذات الانتماء الإسلامي و “حركة استقلال منطقة القبائل” والمعروفة باسم “ماك” ذات التوجه الانفصالي كتنظيمين إرهابيين في الثامن عشر من مايو 2021، نقطة حاسمة في ملف التنظيمات الإسلامية الداخلية، ويعد مسعى حقيقيا لتطويق التحركات الإخوانية الضاربة بالأمن القومي الجزائري، التي تسعى لزعزعة الأمن والاستقرار الداخليين.

ولعل خطوة استحداث قائمة وطنية للأشخاص والكيانات الإرهابية، تبرهن بصورة واضحة أن ثٌمة توجهاً عاماً داخل الدولة لتطويق الحركات والتنظيمات المتطرفة، رغبة في تعزيز المنظومة القانونية لمكافحة الإرهاب، ودلالة في ذات الوقت على عدم اقتصار الدولة فقط نحو إدراج هذين الكيانين كمنظمتين إرهابيتين، بل ترسيخ لتوجه مستجد للتعاطي بصورة حاسمة مع الجماعات الإسلامية والانفصالية المختلفة.

“رشاد” و”ماك” ودعوات الانفصال

تنتهج حركة “ماك” نهجا عدائياً للدولة الجزائرية ترفع عبر قواعدها مطالبات بانفصال منطقة القبائل، وتعتبر تلك الحركة الجناح المتطرف في “الحركة الثقافية البربرية” التي تم تأسيسها في بداية الثمانينات.

وتعود حركة “ماك” إلى بداية التسعينيات عندما تم الإعلان عن تأسيسها بصورة رسمية عام 2002 في أعقاب أحداث “الربيع الأسود” عام 2001، ويقود الحركة “فرحات مهني” وتستهدف بصورة أساسية ترسيخ الاعتراف بالبعد الثقافي الأمازيغي لمنطقة القبائل الأمازيغية التي تقع شمال شرق الجزائر وبصورة أكبر في ولاية “تيزي وزو”.

ولعبت الحركة، التي شكلت “حكومة ظل” مقرها في باريس يرأسها “مهني” وتضم 18 وزيراً آخر، دورا كبيرا في الحراك الشعبي الذي اندلع منذ فبراير 2019 وذلك لتوسيع القاعدة الشعبية الداعمة لها تكون تحت مظلة النشاط السياسي بصورة عامة خاصة بعدما توجهت أنظار الدولة لها.

وشكلت زيارة “فرحات مهني” إلى تل أبيب مايو 2012، ولقاؤه نائب رئيس الكنيست نقطة استفهام حول إذا ما كانت إسرائيل على صلة وثيقة بتلك الحركة وتتلقى الدعم منها من عدمه، خاصة وأن تلك الزيارة لاقت استياء واسعا من جانب منطقة القبائل الجزائرية، وتُمثل في حد ذاته مسعى لكسب التأييد وآلية للضغط على الحكومة الجزائرية لتحقيق الهدف الخاص بالحركة وهو قيام “دولة مستقلة للقبائل”.

وعلى ضوء السابق، رفعت الجزائر الجنسية عن “مهني” على خلفية تكوين فصيل يرمي إلى الانفصال ونشر الفوضى داخل الدولة، بينما كان الأمر الآخر الذي حققته الدولة لضرب معتقدات تلك الحركة هو الاعتراف بالجانب الأمازيغي أو بمعنى أدق “دسترة” اللغة الأمازيغية والحراك الشعبي.

ويعزز، إيجاد “وضع دستوري” للحراك الشعبي وكذلك “دسترة الأمازيغية” كلغة وطنية في استفتاء نوفمبر 2020، مسار الثقة بين السلطة الراهنة وقوى الحراك من جانب، فيما يعد هذا التوجه الجديد قوة دفع للمكون الأمازيغي البالغ عدده نحو ثمانية ملايين مواطن أي ما يعادل نحو 40% من المجتمع الجزائري.

وبالنظر إلى “حركة رشاد”، فهي حركة ذات توجه إسلامي خرجت من رحم “الجبهة الإسلامية للإنقاذ” التي تنتمي إلى التنظيم الدولي للإخوان وكانت مرتكزاً وطرفاً رئيسياً في معادلة الإرهاب في فترة التسعينيات داخل الجزائر والتي عُرفت باسم “العشرية السوداء”.

تأسست تلك الحركة في عام 2007 على يد “مراد دهينة – محمد العربي زيتوت – محمد سمراوي – عباس عروة”، ويعتبر هؤلاء بمثابة هاربين من القضاء الجزائري في ضوء اتهامهم بقضايا تتعلق بالإرهاب.

وأصدرت الدولة مذكرة توقيف دولية بحق “دهينة” خلال عام 2012 خاصة في ضوء اضطلاعه بتكوين جماعة إرهابية خلال التسعينيات فيما أعقب ذلك التقرير الصادر عن مجلس الأمن الدولي في سبتمبر 2017 الذي صنٌف عددا من قيادات تلك الحركة بالأشخاص المطلوبين دولياً ومحليًا لكونهم محركاً وممولاً لتنظيمات إرهابية عالمية.

وسبق قرار الحكومة باعتبار تلك الحركة تنظيماً إرهابياً العديد من الدعوات المختلفة من أجل تلك الخطوة داخل المجتمع الجزائري، خاصة بعدما نُشرت تقارير بعقد عناصر تلك الحركة لقاء في مدينتي “إسطنبول – أنطاليا” مع ممثلي للحكومة التركية والذي استهدف هذا اللقاء تقديم الدعم السياسي واللوجستي لها لتمكينها من استمرار عملها في الداخل الجزائري وتعظيم الاستفادة من الحراك الشعبي بما يهدد أمن واستقرار الجزائر.

وتتخذ الحركة “جنيف” مركزًا لها في ضوء حصول قيادتها على لجوء سياسي في الداخل السويسري والبريطاني، بينما كشفت تقارير متعددة حول انخراط تلك الحركة في الحراك الشعبي الجزائري المندلع في فبراير 2019 مع إطلاق دعوات لحمل السلاح لمواجهة قوات الأمن والعمل على إقامة الدولة الإسلامية، وتستغل تلك الحركة الذاكرة التاريخية بين فرنسا والجزائر لضرب علاقاتها الأوروبية علاوة على استهدافها للجيش الجزائري.

دلالات فارقة

إن المتأمل لتوقيت الإعلان عن كون تلك الحركيتين إرهابيتين يجد أنه جاء في سياق كالآتي:

  • يتزامن استحداث القائمة الوطنية للأشخاص والكيانات الإرهابية مع إصدار أربع مذكرات توقيف قضائية نهاية شهر مارس 2021 بحق متهمين ينتمون إلى جماعة إرهابية – والمقصود بها هنا حركة “رشاد”- وعلى رأس هؤلاء المتهمين أحد الدبلوماسيين الجزائريين والذي يُعرف باسم “محمد العربي زيتوت” والذي اضطلع بتأسيس تلك الحركة الإسلامية.
  • الأمر وثيق الصلة بالسابق؛ فإن هذا الإدراج على قوائم الإرهاب ووضع قائمة وطنية للأشخاص والكيانات الإرهابية يأتي لاحقاً لتفكيك خلية انفصالية تابعة لحركة استقلال منطقة القبائل “ماك” وذلك في الخامس والعشرين من أبريل 2021، وذلك وفقًا لبيان وزارة الدفاع الجزائرية، حيث كانت تستهدف تلك الخلية القيام بأعمال تخريبية وتفجيرات وسط التجمعات الشعبية المختلفة مما يهدد أمن واستقرار الدولة.
  • تفاقم حدة الحراك الشعبي والمساعي لإعادة بسط سيطرته على الشارع الجزائري عبر المظاهرات المختلفة التي باتت تتكرر أسبوعيا، والرافضة للنظام والإجراءات المُتخذة لتنفيذ خارطة الطريق الموضوعة، وهو ما قابله زيادة التعامل الأمني معها للحيلولة دون إحداث إرباك المشهد السياسي مرة أخرى والعودة لمربع الصفر.
  • قرب الانتخابات التشريعية المقرر عقدها في الثاني عشر من يونيو 2021، والتي تستهدف الحركتان التوغل في الحراك الشعبي لزعزعة الاستقرار وعرقلة مسار العملية الانتخابية، حيث تُعد الأحزاب التي تنتمي للمناطق القبائل التي تنتشر داخلها حركة “ماك” على رأس الأحزاب المقاطعة للانتخابات، ونتيجة لذلك أصدر رئيس أركان الجيش الجزائري “السعيد شنقريحة” تعليمات لكافة القيادات من التصدي بحزم لأي حركات من شأنها تقويض العملية الانتخابية.

ختاماً؛

 إن تحرك الجزائر نحو استحداث قائمة للأشخاص والكيانات الإرهابية ما هو إلا خطوة واقعية نحو تقويض التنظيمات الإرهابية المختلفة التي تستهدف أمن الدولة واستقرارها، وجاء إدراج “ماك” و “رشاد” ما هو إلا ترسيخ للنهج الجديد في التعاطي مع الإسلام السياسي المتطرف داخل الجزائر، ورسالة قوية للقوى المناوئة لها بدحض المخططات التي من شأنها عرقلة مساعي الدولة في تنفيذ خارطة الطريق.

Scroll Up