عرض – فردوس عبد الباقي

في إشارة للتناقضات التي يجب على بكين حلها لتحقيق الهدف المتمثل في الاستقرار والازدهار، كتب “يو جي” الزميل الباحث في برنامج الصين وآسيا والمحيط الهادئ في معهد “تشاتام هاوس” حول مرور مائة عام على الشيوعية في الصين. فقد اعتبر أن المناقشات بين النقاد الصينيين والغربيين حول “ماهية أيديولوجية” الحزب وأهدافه حيث هناك من يراه يتعامل بطريقة متوازنة، وهناك من يرى أن الأمر يدور بين أن الصين الشيوعية ستحكم العالم يومًا ما، أو أنها ستنهار تحت وطأة تناقضاتها.
حدد الرئيس الصيني “شي جين بينج” هدفين مئويين للحزب منذ توليه الرئاسة في عام 2012، الأول هو أن “يجعل الصين مجتمعًا مزدهرًا باعتدال” من خلال مضاعفة نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي إلى 10000 دولار بحلول الذكرى المئوية لتشكيل الحزب في عام 2021. والثاني هو عام 2049، أي بعد مائة عام من تأسيس جمهورية الصين الشعبية، حيث ستصبح الصين دولة “متطورة وغنية وقوية”.
اعتبر المقال أن هذا التجديد الوطني يتطلب القيام بالتوازن في ثلاثة مجالات رئيسية: بين السعي لتحقيق النمو الاقتصادي وتحقيق التوزيع العادل للدخل؛ وتدخل الحزب وعمل قوى السوق؛ وبين الشراكات التجارية السليمة والسياسات الخارجية القتالية.
ويعد مفهوم “التناقض الأساسي” أحد المفاهيم في العقيدة الشيوعية الذي يحدد القضية الأكثر إلحاحًا التي يجب معالجتها، وهي مسألة يناقشها الحزب منذ بدايته.
تغير هذا المفهوم ثلاث مرات: بعد عام 1949 تطور من “الشعب مقابل الإمبريالية والإقطاع وبقايا قوى الكومينتانغ” إلى “بروليتاريا مقابل برجوازية”، وفي عام 1981 تغير إلى “الاحتياجات المادية والثقافية المتزايدة باستمرار للناس مقابل الإنتاج الاجتماعي المتراجع”، وهو تحول من شأنه أن يدفع النمو الاقتصادي السريع للصين. وأشار الرئيس “شي” للتناقض الحالي في مؤتمر الحزب التاسع عشر في عام 2017 بأنه يجب على الحزب حل “التناقض بين التنمية غير المتوازنة وغير الكافية واحتياجات الناس المتزايدة باستمرار لحياة أفضل”.

الغنى والفقر


تدرك بكين أن التطور الاقتصادي السريع الذي أنتجته إصلاحات “دنغ شياو بينغ” جاء على حساب التفاوت الهائل في الثروة والأضرار البيئية الشديدة، وتزامن ذلك مع الفجوة الاجتماعية بين سكان الحضر والريف والمقاطعات الداخلية والساحلية وكذلك عدم المساواة بين الرجال والنساء. وبات الوضع صعبا إلى حد تهديد بقاء قيادة الحزب، ولا يُظهر أي مؤشر للتراجع. يعد ذلك نتيجة مباشرة لتقسيم العمل بين المحافظات.
أشار المقال لنهج “هوكو” الصارم الذي يحدد للأسرة المكان الذي تعيش فيه، وهو ما يعزز عدم المساواة الإقليمية في الفرص، بجانب أنه في الأغلب يفتقر المهاجرون الجدد للتواجد في المناطق الحضرية، ويصل عددهم بالتقريب إلى 300 مليون شخص على مدى العقدين القادمين، كما يفتقرون إلى الاستحقاقات الاجتماعية مثل الرعاية الصحية وغطاء البطالة والتعليم الثانوي والعالي والإسكان الميسور التكلفة بسبب متطلبات التسجيل الصارمة.
واعتبر المقال أن تحرير نظام الإقامة الذي بدأ في بعض المحافظات سيساهم في مساهمة المزيد من المهاجرين في شبكة الأمان الاجتماعي والاستفادة منها، بما يتناسب فيما بعد مع السعي المستمر لحياة أفضل للصينيين العاديين. كما ينبغي تجديد الجهود لتعزيز المساواة بين الجنسين، وهو أمر لم يحرز تقدمًا يُذكر في السنوات الأخيرة، إذ أن تمثيل المرأة نادر في المؤسسات المملوكة للدولة، ولا تشغل النساء أي مناصب في اللجنة الدائمة للمكتب السياسي.
ورأى المقال أن دفاع الحزب عن الوضع غير العادل في توزيع الثروة والفرص، سيؤدي لانهيار ثقة الناس العاديين الذين يتوقون لتحسن ملموس في مستويات معيشتهم. وأثناء محاولة حل مسألة عدم المساواة، يجب على الحزب معالجة المدى الذي يسمح فيه للسوق بتحديد الأنشطة الاقتصادية. لطالما كان تنفيذ إصلاحات السوق الاقتصادية عملية غير مريحة في الصين لأنها تؤدي إلى فقدان السيطرة السياسية، حيث أن الجهاز الأيديولوجي للحزب يفسح المجال أمام مجموعة متنامية من التكنوقراط الاقتصاديين، وكان هناك اختلاف مستمر بين مخططي السياسات حول المدى الذي يجب أن يتدخل فيه الحزب في السوق، لكن “شي” يعتقد أن الإصلاح يرتبط بأن الحزب يقرر كل شيء. واعتبر أن التركيز على الوجود المطلق للحزب في تحقيق النمو الاقتصادي المحلي يخيب آمال المتحمسين للسوق الحرة.

الحزب في مواجهة السوق

يناضل “شي” لإصلاح الشركات المملوكة للدولة وفي نفس الوقت يعزز سيطرة الحزب على قرارات الأعمال في كل من القطاعين العام والخاص، فيعمل على تنظيم المؤسسات الخاصة ورسم مستقبلهم، كما يتضح من كبح شركات التكنولوجيا مثل Ant Group بعد أن تفرعت في خدمات fintech.
كما تحدد القيادة الصينية أيضًا السياسات الصناعية التي تدير المؤسسات الخاصة من خلال توجيه رأس المال إلى الصناعات القائمة على الابتكار مثل تكنولوجيا الكم والاتصالات الرقمية والذكاء الاصطناعي والروبوتات، وهو ما ظهر في أخر خطة خمسية.
وأشار المقال إلى أن التحديات الداخلية والخارجية لم تؤثر على طموحات الحزب، إذ يعد “شي” بحزب أقوى وسوق أكثر حرية، لكن هذا سيكون من الصعب تحقيقه. يتضمن طموح “شي” ومساعديه ببناء “مجتمع اشتراكي حديث” بحلول عام 2035 أن يتحقق هدف “الابتكار في الصين وصنع في الصين”.

النمو الاقتصادي مقابل الدبلوماسية العالمية

سلط المقال الضوء على تحد جديد في السياسة الخارجية بكين، وهو السعي لتحقيق النمو الاقتصادي مع الشركاء التجاريين، وفي نفس الوقت إجراء دبلوماسية مع الدول التي تعتبر أقطابًا أيديولوجية، ولا توجد مؤشرات على انحسار هذا في المستقبل القريب لأنه سيعيق قدرة الصين على تحمل مسؤوليات أكبر على الصعيد العالمي.
وتتجه العلاقات بين بكين والغرب من سيئ إلى أسوأ، إذ رغم ما قدمته الدبلوماسية خلال الوباء التي قام بها بعض كبار الدبلوماسيين الصينيين في عام 2020، كانت هناك نبرة كئيبة حول التحديات الدولية التي يشكلها الوباء داخل الحزب الشيوعي الصيني.
وفي مقارنة وضع الحزب الشيوعي في السابق والآن، أشار المقال إلى أنه بات قوة عالمية كبرى من الناحية الاقتصادية وأكثر تطوراً دبلوماسياً وأكثر مرونة أيديولوجياً مما كان عليه الاتحاد السوفيتي، فعلى عكس الحزب الشيوعي للاتحاد السوفيتي، يريد الحزب الشيوعي الصيني أن تندمج البلاد في العالم لتعزيز طموحها.
تجمع السياسة الخارجية بين مزيج من الخطاب المشبع بالبراجماتية والمظالم الماضية، ونوه المقال بأن هناك شعورا قويا بين السكان أن الصين لا تحظى بالاحترام الذي تستحقه من المجتمع الدولي، لكن الحزب يمكن أن يجعل الصين “تقف شامخة وكبيرة”. فإن هذا المزيج بين الإذلال التاريخي والنجاح الاقتصادي يمكن أن يؤدي لمزيد من التدهور في علاقات الصين بالدول الأخرى.
ورأى المقال أن الخلاف الدبلوماسي الحالي مع الغرب لن يساعد الحزب على الوفاء بأولويات سياسته الخارجية أي خلق بيئة خارجية مستقرة لتعزيز التنمية الاقتصادية المحلية. واستجابةً لوباء كورونا وبيئة دولية أكثر صرامة، اقترحت بكين مفهومًا جديدًا عبارة عن استراتيجية “الدوران المزدوج”، التي تعزز الاستهلاك المحلي، وتهدف لزيادة قدرة الاقتصاد المحلي على تقوية نفسه.
يتضح أن استراتيجية بكين الاقتصادية ليست انعزالية، فهي تدرك تمامًا أنها لا يمكن أن تزدهر إلا إذا ازدهر شركاؤها الاقتصاديون الأجانب، ولا يمكنها تحقيق أمن الموارد واستقرار حدودها إلا إذا توقف جيرانها في الجنوب والغرب عن القتال على الأراضي.

نحو عام 2049

اختتم المقال بأنه مع النظر إلى الذكرى المئوية الخاصة بعام 2049، فعلى الرغم من تشبيه قوة الرئيس “شي” بالرئيس “ماو”، ستتم مقاومة العودة للثورة الثقافية، لكن سيكون “شي” أمام تحد كبير يتمثل في كيفية إدارة المخاطر المالية التي ينطوي عليها اقتصاد تغذيه الديون دون خفض النمو الاقتصادي إلى المستويات التي تؤثر على الثروة الشخصية لملايين الصينيين وبالتالي تعزيز الاستياء الاجتماعي.
وعلى الرغم من أن الحزب لا يواجه أي ضغوط انتخابية، إلا أن الغضب من عدم المساواة يمكن أن يقوض سلطته ويثير الاستياء إذا فشل في اتخاذ الإجراءات التي تخفف من هذا الاستياء. لأنها حتى في ظل عدم وجود حزب معارض، لكن هناك تدقيق متزايد عليها باستمرار سواء من الشعب الصيني أو الدول الأجنبية التي لا ترغب في أن تشهد الصين اضطرابًا رغم أن العديد من القرارات القيادية الأخيرة خيّبت آمال الذين كانوا يطمحون في تبني بكين النمط الغربي للحكم. لذا من المهم إدراك أن للحزب طريقه الخاص الذي –في الأغلب- يكون أقل مقاومة دون سابقه، لكن من المؤكّد أن الولايات المتحدة لن تكون هي التي تقرر مستقبل الصين، بل 1.4 مليار صيني ممن لديهم توقعات بحياة أفضل عام 2049.

Scroll Up