عرض – حسين عبد الراضي

تعتبر القضية الفلسطينية قضية مركزية في محددات استقرار منطقة الشرق الأوسط، وتسعى كافة القوى الإقليمية والدولية لشغل مقعد متقدم في مسارات خفض التوتر وإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي. 

وأبرزت الجولة الرابعة من التصعيد والحرب تغيرًا واضحًا في معادلة إدارة المشهد الإقليمي من المواجهة بين فلسطين وإسجرائيل؛ إذ أثبتت القاهرة محورية دورها في إدارة القضية المستعصية، وتكشفت تحركات أطراف أخرى لتحصيل نفوذ وتأثير افتراضي يدعم جهودها لتجاوز أزماتها الداخلية. 

وفي هذا السياق، نشر معهد دراسات الأمن القومي (INSS) تقديرًا بعنوان “عملية حارس الجدران من المنظور التركي – أردوغان مدافع عن فلسطين؟“، تناول الموقف التركي من الحرب الرابعة على غزة، وأبرز اتجاهات أنقرة تجاه التصعيد، وتفسيرًا إسرائيليًا للتصريحات التركية، بالإضافة لتوصيات للتعامل مع الدور التركي في التعاطي مع الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ودعم أنقرة لحركة حماس. 

وذكر التقدير أن الموقف التركي من عملية حارس الجدران كان متوقعًا، حيث تضمن انتقادات حادة لإسرائيل، سواء تصريحات صانعي القرار أو ما تناولته وسائل الإعلام الحكومية. ويرى أنها من الدول التي انتقدت بشدة سياسة إسرائيل، كما تضمن ذلك تحركات دبلوماسية لحشد موقف مضاد لتل أبيب. واستهدفت وسائل الإعلام الحكومية التأثير على الرأي العام الدولي وفقًا لرؤيتها. فيما أوضح التقدير أن تأثير تركيا على الأحداث على الأرض، في كل من قطاع غزة والقدس، كان محدودًا للغاية.

أنماط التفاعل التركي

اتخذت التحركات التركية ثلاثة أنماط رئيسية، تضمن مواقف أعلنها الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان”، وتصريحات المسئولين الأتراك، بالإضافة للتداول الإعلامي عبر منصات ووسائل الإعلام. وهو ما يمكن تناوله كالتالي:

أولًا: الرئيس التركي “أردوغان”: نشر “تدوينة”  بالعبرية على تويتر مدينًا “الهجمات الإسرائيلية الحقيرة” على الأقصى، وصرح “أردوغان” في مناسبة لاحقة “إذا بقينا صامتين على القمع في فلسطين وسوريا ولبنان وتركستان وكاراباخ اليوم، فنحن نعلم أن هؤلاء قد يكون الظالمون على أعتابنا ذات يوم”. كما اتهم الرئيس الأمريكي “جو بايدن” بـأن “أيديه ملطخة بالدماء”؛ لموافقته على صفقة الأسلحة مع إسرائيل. بالإضافة لحديثه عبر الهاتف عن الوضع مع قادة العديد من الدول، وخاصة في العالم الإسلامي، والرئيس الروسي والبابا.

ثانيًا: المسئولون الأتراك: أثار وزير الخارجية التركي “مولود جاويش أوغلو” التصعيد في غزة خلال زيارته إلى الرياض. كما دعا “أوغلو”، خلال مؤتمر منظمة التعاون الإسلامي، لاتخاذ إجراءات ملموسة لردع إسرائيل ودعم الفلسطينيين، وتحدث عن إرسال العالم الإسلامي قوة دولية إلى القدس لمنع تكرار أحداث مايو. واستغلت أنقرة أن رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة تركيًا للحصول على موقف إيجابي في الجلسة الاستثنائية التي عُقدت لمناقشة الأحداث في مسرح إسرائيل وحماس. أضف الى ذلك أنها سحبت الدعوة التي أرسلتها إلى وزير البنى التحتية الوطنية والطاقة والموارد المائية الإسرائيلي لحضور منتدى أنطاليا الدبلوماسي.


ثالثًا: منصات ووسائل الإعلام: تصدر التصعيد في قطاع غزة والضفة قائمة الموضوعات التي تناولتها وسائل الإعلام التركي المحلية والموجهة للخارج، كما نشرت منصات شبكات الإعلام التركية على وسائل التواصل الاجتماعي مجموعة من المقالات والمحتويات الرقمية، ركزت على إظهار الأعمال العدائية الإسرائيلية، وحشد الدعم لنشاط المقاومة وحركة حماس. كما أعطت تلك المنصات مساحة لانقاد الدول التي طبعت علاقاتها مع إسرائيل في العام الماضي، ونشر محتوى يكشف سياسات الفصل العنصري الإسرائيلي، وانتهاكات حقوق الفلسطينيين.

دوافع وسمات التحرك

يفسر الكاتبان دوافع أنقرة للتركيز على قضية التصعيد الإسرائيلي الفلسطيني على كونه وسيلة استخدمها نظام “أردوغان” لتحويل انتباه الرأي العام في تركيا عن المشاكل الداخلية، كالوضع الاقتصادي المنهار، والاضطراب السياسي في ظل انتقادات المعارضة للسياسات الاقتصادية والصحية، وكشف علاقات النظام بعصابات المافيا والجريمة المنظمة، والتي كانت ذات تأثير بالغ على شعبية أردوغان، الذي استهدف التركيز على الحرب على غزة لإشغال الرأي العام التركي عن أزماته الداخلية. 

وعزز التقدير تلك الفرضية بعدد من المواقف الرسمية التي أعلنها مسئولون أتراك ضد المعارضين، خلال فترة التصعيد، حيث اتهم مدير الاتصالات في الرئاسة التركية ؛ زعيم المعارضة بأنه يمارس “أساليب سياسية رخيصة بينما القدس تبكي دماء”، كما اتجه أردوغان لمقاضاة رئيسة الحزب التركي (IYI) التي قارنته بنتنياهو. 

وأوضح التقدير انحياز الأغلبية الساحقة من المجتمع التركي إلى الجانب الفلسطيني، وهو ما انعكس في خطابات المعارضة؛ حيث دعا “دولت بهجلي” زعيم حزب الحركة القومية (MHP) للتدخل لمهمة حراسة جديدة في القدس إذا لزم الأمر، كما رفع أكبر حزب معارض، حزب الشعب الجمهوري، راية فلسطينية ضخمة على مقره. بالإضافة للفعاليات التي نظمتها مجموعات تركية مختلفة، بما في ذلك منظمات العمال والطلاب، لإدانة إسرائيل ودعم فلسطين، وهي الفعاليات الوحيدة التي سمحت الشرطة بها رغم الاغلاق التام الساري بالبلاد.

وأشار إلى أن رد تركيا على التصعيد في غزة والضفة حمل  سمتين رئيستين: الأولى، عدم وجود دعوات لإزالة إسرائيل، بل أن أحزاب البرلمان التركي تدعم حل الدولتين على حدود عام 1967. والثانية، دعوة الحركات اليسارية التركية للدفاع عن القدس والأقصى تؤكد أن الإسلام السياسي له سيطرة واسعة في تركيا، ونجح في جعل الأقصى رمزًا يوحد جميع شرائح الشعب التركي، بما في ذلك العلمانيون.

دور افتراضي محدود

أكد التقدير أنه رغم الجهود الخطابية والدبلوماسية التركية، كان تأثير أنقرة محدودًا على الأحداث على الأرض، ولم تتخذ السلطات التركية إجراءات قد تضر بإسرائيل، وحتى إذا حاول أردوغان تعطيل العلاقات التجارية بين البلدين، ستعاني تركيا اقتصاديًا أكثر من إسرائيل. كما استبعد القدير أن ترسل الدول الإسلامية قوة دولية للقدس، كما صرح وزير الخارجية التركي. 

وانتهى الكاتبان إلى أنه من الضروري الانتباه لمحاولة أردوغان ربط الأحداث في الحرب الرابعة بما جرى في سوريا وليبيا وكاراباخ، وهي المسارح التي تدخلت فيها تركيا عسكريًا. كما لفت إلى تزايد المؤشرات إلى أن أعضاء حماس في تركيا يعملون على تعزيز جهودهم العسكرية، وأن خطاب القادة ووسائل الإعلام الأتراك له تأثير تراكمي على الصورة العامة لإسرائيل، بالخارج والداخل الإسرائيلي. وأوصى التقدير بإدراج طبيعة التدخل التركي بمجموعة الاعتبارات الإسرائيلية تجاه حماس.

Scroll Up