يمكن التأصيل  لمصطلح “الجمهورية الجديدة” الذي أطلقه الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال الندوة التثقيفية للقوات المسلحة في 9 مارس 2021 قائلا “إن افتتاح العاصمة الإدارية الجديدة في مصر يمثل إعلان جمهورية جديدة وميلاد دولة جديدة“، إلى السياق الذي شهدته مصر منذ قيام الثورة في 2011 وحتى تولي السيسي الحكم إلى وقتنا هذا، وهي تلك الفترة العصيبة التي مرت بها الدولة المصرية نظرا للتحديات والضغوط العديدة التي شهدتها داخليا وإقليميا، إلا أن مصر نجحت في مواجهة عدد من التحديات الداخلية بالإضافة إلى استعادة دورها الإقليمي ومواجهة القوى الإقليمية غير العربية التي تدخلت لتحقيق مصالحها على حساب دول وشعوب المنطقة.

هذه الفترة مثلت في بدايتها انكفاء داخلياً بالنسبة لمصر من حيث مواجهة التحديات في الداخل، ثم العودة لدورها الثابت والراسخ عبر التاريخ، فمصر دولة سلام ولها حضورها وشخصيتها الإقليمية، فكان دورها حاضراً في أغلب ملفات المنطقة ونجحت في إخماد صراعات المنطقة والسعي نحو المسار السياسي لهذه الملفات بما يشمل القضية الفلسطينية ولبنان وليبيا والعراق والسودان وسوريا، ودائما ما أولت قضايا المنطقة اهتماما ودورا أكبر بما يحفظ سلامة وسيادة الدول العربية وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، كما أن مصر رسخت لمفهوم الأمن القومي العربي وأنه لا ينفصل عن الأمن القومي المصري، ضمن هذا الإطار يتم توضيح ملامح الدور الإقليمي المصري الثابت والحاضر عبر التاريخ، وكيف استعادت مصر دورها خلال حكم الرئيس عبد الفتاح السيسي بما يتواكب مع إعلان الجمهورية الجديدة.

  • استطاعت مصر منذ تولي السيسي يونيو 2014، استعادة الدور الإقليمي لها في المنطقة وتحقيق المعادلة الصعبة بين الداخل والخارج من خلال تنمية الداخل واستعادة الدور في الخارج، والمساهمة في حلحلة القضايا القائمة وكان لها حضور على كافة الأصعدة وفي كافة الاتجاهات، سواء في القضية الفلسطينية أو الملف الليبي أو اللبناني أو العراقي، وهو ما يمكن إرجاعه إلى إدراك القائد لقوة الدولة ومكانتها بما يحقق مصالح الدولة الوطنية بشكل خاص وتحقيق أمن المنطقة بشكل عام.
  • غزة: تأتي تحركات مصر كقوة إقليمية؛ في سياق إدراك الدولة لأمن واستقرار المنطقة والذي يتمثل في حل القضية الرئيسية، والتحرك بالتوازي في كافة قضايا المنطقة بما يدعم الأمن والاستقرار الإقليمي. وبالرغم من الضغوط التي تواجه الدولة وعلى رأسها ملف الأمن المائي، إلا أن مصر أولت اهتماما بالقضية الفلسطينية على كافة المستويات سواء على المستوى الإنساني أو السياسي أو التنموي في ضوء التصعيدات الأخيرة في غزة، ومن ثم نجحت في إدارة الأزمة ومحاولة استعادة البوصلة نحو القضية المحورية في المنطقة للتوصل إلى حل لها.

 تصاعد التوتر بين الفلسطينيين والإسرائيليين في القدس الشرقية وبلغ ذروته في اشتباكات في الأقصى وقد بدأ الاشتباك نتيجة احتجاجات فلسطينيين على قرار قضائي بإخلاء أربعة منازل لعائلات فلسطينية في حي الشيخ جراح لصالح مستوطنين ثم تدخلت الشرطة الإسرائيلية لتفريق المحتجين ثم تصاعدت المواجهات إلى المسجد الأقصى، وأطلقت  حماس صواريخ، وتبادل الطرفان الغارات، وتعد هذه المواجهات الأعنف على مدار السنوات الماضية، وقد تمخض عنها مقتل أكثر من 250  فلسطينيا.

  • قامت الدولة المصرية بدور كبير في هذا الصدد منذ بداية التصعيد في غزة، من خلال إرسال وفد أمني للتوصل إلى تهدئه والجلوس مع الأطراف المختلفة، بالإضافة إلى المساعدات الإنسانية وسيارات الإسعاف لنقل المصابين والجرحى من القطاع إلى المستشفيات المصرية، فضلا عن نجاحها في التوصل إلى وقف إطلاق النار، وإعلان الرئيس السيسي عن مبادرة لدعم عملية إعادة الإعمار بقيمة 500 مليون دولار، من خلال الشركات المتخصصة المصرية.
  • اختلاف إدارة الأزمة في الوقت الحالي يتمثل في التوصل إلى وقف إطلاق النار بين أطراف الصراع، مما جعل القوى الدولية تنظر إلى قوة مصر ودورها المحوري في القضية وهو متعارف عليه عبر التاريخ. الأمر الذي جعل الإدارة الأمريكية الجديدة برئاسة بايدن تبادر بالاتصال بالرئيس السيسي مرتين في غضون خمسة أيام والرغبة في التعاون المشترك لتحقيق السلام في المنطقة.
  • يضاف إلى ذلك؛ قيام وفد مصري برئاسة اللواء عباس كامل بزيارة في 30-31 مايو 2021 بزيارة غزة بعد مناقشات في تل أبيب ورام الله، كما أرسلت مصر مساعدات غذائية بالتزامن مع الزيارة، حيث الدور المصري المحوري في محاولة تحقيق التوافق بين أطراف الصراع، وكان في استقبال الوفد المصري يحي السنوار رئيس حركة حماس، واستطاع الاتفاق على عملية تبادل الأسرى، حيث تحتفظ حماس بأربعة أسرى إسرائيليين وتخفيف الحصار على غزة.
  • كما التقى اللواء عباس كامل ؛ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والتقى بالرئيس الفلسطيني محمود عباس في رام الله، وتعد هذه اللقاءات رفيعة المستوى خطوة نحو استمرار الجهود المصرية خلال الأيام القادمة في استعادة القضية مرة أخرى على الطاولة.
  • العراق: قامت مصر خلال الفترة الأخيرة بخطوات فعالة تجاه العراق، سواء على المستوى الثنائي أو التعاون الثلاثي كما ظهر في إطار التعاون الثلاثي المصري العراقي الأردني “مشروع الشام الجديد” والذي سوف يساهم في إعادة إعمار العراق وتبادل النفط والكهرباء بين هذه الدول كما يمثل هذا المشروع فرصة سانحة في الحفاظ على أمن العراق وعودتها مرة أخرى إلى معادلة الأمن القومي العربي.
  • السودان: حرصت مصر على مد يد التعاون مع السودان وتقديم العون له في أوقات صعبة للحراك السوداني الذي شمل عناصر معادية لمصر وذات علاقات وثيقة مع إثيوبيا، كما مدت مصر السودان بالكهرباء وأشكال مختلفة من التعاون الذي تحدده روابط الجوار والعروبة والأخوة التاريخية والمصلحة المشتركة 
  • لبنان: حرصت مصر على تقديم كافة أشكال الدعم السياسي للبنان، من خلال اتصال الرئيس عبد الفتاح السيسي بالرئيس اللبناني ميشال عون عقب انفجار المرفأ، والمشاركة في مؤتمري المانحين الدوليين اللذين تما في 9 أغسطس – 2 ديسمبر 2020 وحث خلالهما الفرقاء اللبنانيين على ضرورة النأي بوطنهم عن التجاذبات والصراعات الإقليمية وتركيز الجهود على دعم مؤسسات الدولة الوطنية.
  •  كانت مصر من أوائل الدول التي سارعت إلى إغاثة لبنان بعد واقعة انفجار المرفأ، وسيرت على الفور جسرًا جويًا متواصلًا محمّلًا بمساعدات كبيرة ومتعددة تراعي متطلبات لبنان واحتياجاته في هذا الظرف تراعي متطلبات القطاع الطبي والصحي الذي كان يواجه أزمتين في آن واحد وهما تداعيات الانفجار وأزمة فيروس كوفيد-19، بجانب كميات كبيرة من المواد الإغاثية، فضلًا عن مواد البناء اللازمة لإعادة الإعمار.
  •  وتعد مصر هي الدولة الأكبر في تقديم مساعدات إلى لبنان وقد استمر هذا الدعم؛ إذ قامت وزيرة الصحة بزيارة بيروت 28 يناير لدعم القطاع الصحي خلال مواجهة جائحة كورونا، برفقة مساعدات طبية من أدوية ومستلزمات وقائية وأجهزة طبية. هذا بجانب وقوف القاهرة من خلال سفارتها في بيروت على مسافات متساوية من جميع الأطراف اللبنانية، وعقد لقاءات مع مختلف القوى للعمل على تقريب وجهات النظر، ومنها اتصالات السفير المصري لدى بيروت مع رئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب وعدد من الوزراء وكذلك رئيس مجلس النواب نبيه بري.
  • ليبيا: مصر منذ اللحظات الأولى وهي منخرطة في مسارات حل الأزمة في ليبيا، وتحقيق جهود خفض تصعيد الأزمة بها على كافة المستويات بما يحقق وحدة وسيادة الدولة الليبية، ومواجهة التنظيمات الإرهابية التي حاولت تحويل ليبيا إلى قاعدة عمليات لأنشطتها في شمال أفريقيا وجنوب المتوسط، فكان الدور النشط والفعال والدبلوماسية النشطة والهادئة نحو تحقيق الاستقرار في ليبيا، حيث نجحت في التنسيق مع البعثة الأممية والمؤسسات الليبية في صياغة مسار تسوية اقتصادي، يرمي إلى إبعاد تفاعلات الصراع عن الاقتصاد الليبي، وإنهاء حالة الانقسام التي طرأت على مؤسساته المالية، وهو ما تكلل بالنجاح مع إعلان توحيد أسعار صرف الدينار وتوحيد الموازنة للعام 2021، بالإضافة إلى دعمها للجيش الوطني الليبي، كما استهدفت بضربات جوية معاقل تنظيم داعش في مدن الساحل الشرقي الليبي، وكثفت من جهودها لضبط الحدود. 
  • بالإضافة إلى الوقوف أمام الدور الخارجي المزعزع لاستقرار ليبيا حيث إدانة نقل تركيا للمرتزقة والعناصر الإرهابية إلى ليبيا، وتجلى ذلك عندما رسمت مصر الخط الأحمر “سرت-الجفرة” الذي أنهى العمليات العسكرية بالمنطقة الغربية، وبدد الأطماع التركية في السيطرة على مناطق الهلال النفطي، وقاد لتفعيل عملية السلام، بالإضافة إلى استضافة القاهرة وفودًا ممثلة للقوى الاجتماعية كالقبائل والمجالس الاجتماعية الليبية، والمؤسسات كالبرلمان الليبي والجيش الوطني وحكومة الوفاق، وهو ما عزز من تمسك الليبيون برؤيتها للحل كأساس مستدام للتسوية الشاملة.
  • أيضا شاركت القاهرة في كافة المبادرات الرامية للتسوية السياسية للأزمة، كلقاءات باريس الفرنسية مايو2018، وباليرمو الإيطالية نوفمبر2018، ومؤتمر برلين يناير2020، والعديد من الجولات الأخرى، وساهمت في جلوس الأطراف الليبية في عديد من المناسبات للتفاوض والحوار، واستضافت مجموعات ممثلة لكافة التيارات السياسية الفاعلة بالمشهد الليبي يوليو2016؛ للوصول إلى أرضية توافقية لحلحة الازمة ووقف الاقتتال. وكان للقاهرة عدة مبادرات أطلقتها على أعلى مستوى، كمبادرتها لتوحيد البرلمان الليبي، وإعلان القاهرة لوقف العمليات العسكرية والشروع بالتسوية السلمية يوليو2020، كما لعبت اللجنة الوطنية العليا المصرية المختصة بالملف الليبي دورًا مهمًا في هذا الملف.
  • أيضا لعبت القاهرة دورًا فعالًا للدفع نحو توحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية الليبية، وكانت اجتماعات القاهرة سبتمبر2017 ولقاءات الغردقة سبتمبر2020 كجولات مستمرة للدفع بهذا المسار، ونجحت تلك الجهود في وصول لجنة (5+5) إلى اتفاق مستدام لوقف إطلاق النار أكتوبر2020. 

ختاما؛ يمكن القول إن مصر دائما ما تثبت قوتها الإقليمية من خلال دورها الفعال والهادئ حيث جدية الدور المصري ونزاهته واستمراريته دون تحقيق مصالح خاصة، بل تحقيق أمن المنطقة برمته وسلامة واستقرار الدول بها، وبما يعزز مفهوم الدولة الوطنية.

Scroll Up