يُخيل للكثيرين أن “ميانمار” توجد في بقعة منسية من العالم. وعلى الرغم مما يجري بها من أحداث محتدمة، سواء في فترة ما قبل الانقلاب العسكري الأخير 2021، من مذابح دموية بحق عرقية “الروهينجا” المسلمة، أو ما يجري في الوقت الراهن من صدامات دموية تسفر في كل يوم عن عدد مختلف من القتلى، فإنها مع ذلك لا تزال تبدو بعيدة عن مركز الأحداث العالمية.

ويتبادر إلى الأذهان عدد من التساؤلات، حول هل حقًا تقع ميانمار في بقعة منسية على الخريطة العالمية؟ أو بمعنى آخر، ماذا لو كانت دولة عربية شهدت نفس الأحداث الدموية التي شهدتها ولا تزال تشهدها ميانمار حتى اللحظة الراهنة؟ هل كنا وقتها سنرى نفس ردود الفعل العالمي على مستوى صناع القرار الدوليين، ونفس درجة الاهتمام من قِبَل وكالات الإعلام الدولية الكبرى؟ بمعنى آخر، هل نرى أن أحداث ميانمار تحظى بتغطية متكافئة بالمضاهاة مع ما يجري في بلد مثل سوريا أو ليبيا؟

انقلاب ميانمار.. نقطة فاصلة بين حلفاء الأمس وحلفاء الغد

يمثل تاريخ إعلان الانقلاب العسكري الموافق ليوم الاثنين 31 يناير 2021، نقطة فاصلة. إذا أنه لا يُشكل نقلة نوعية في النظام السياسي للبلاد فحسب، لكنه أيضًا يُمثل نقلة من نظام منتخب ديموقراطي من حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية، إلى نظام آخر عسكري قمعي استولى على السلطة بالقوة الجبرية الدموية من دون أي رحمة، وعلى هذا المنوال وجدت البلاد نفسها تقف منذ لحظة الانقلاب أمام مفترق طرق قد يتم على أساسه إعادة انتخاب للحلفاء الجدد.

ومنذ تلك اللحظة، وانزلقت البلاد في سلسلة من الصدامات الدموية القمعية التي لا تنتهي. وكل ذلك يجري أمام مسامع وأنظار العالم، الذي وقف يشاهد في عجز تام. حيث اكتفى الجميع بإصدار بيانات إدانة وبضع عقوبات، لا تُسمن ولا تُغني من جوع، من دون تحركات عادية مماثلة لردود أفعالهم حيال صدامات كانت أقل وطأة ووقعت في بلدان عربية من قبل مثل الثورة الليبية في بداياتها، والثورة السورية. لذلك، نقف عند هذه النقطة في محاولة للعثور على إجابة عن سؤال، حول ماهية الخصوصية التي تتمتع بها ميانمار لدى القوى الغربية الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية؟

في فبراير من العام الجاري، أعلن البيت الأبيض عن قرار بفرض عقوبات جديدة على المسؤولين عن انقلاب الأول من فبراير في ميانمار وأي كيانات مرتبطة بهم.

ولا تعد هذه هي المرة الأولى التي يتم من خلالها فرض عقوبات أمريكية على ميانمار فقط فعلتها الولايات المتحدة من قبل خلال التسعينيات، لكن تظل هناك فوارق كبيرة ما بين عقوبات اليوم والبارحة. تلك تتمثل في أن تغير الأوضاع ما بين الماضي والحاضر؛ فأولاً لأنه عندما تكون الدولة بهذا الفقر عادة ما لا تمس العقوبات كبار مسؤوليها أو النظام الحاكم لها نفسه، ولكنها تأتي في صورة طعنة تصوب مباشرة للشعب، مما يفقدها فاعليتها الحقيقية كورقة ضغط على النظام.

كما أن النفوذ الأمريكي، في الوقت الراهن، بالمنطقة كان قد تضاءل بالفعل منذ عهد الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب. وهو الأمر الذي دفع، “دانييل راسل”، كبير الدبلوماسيين الأمريكيين لشؤون شرق آسيا، في عهد الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما – يُشهد له بإقامة علاقات وثيقة مع ميانمار- بوصف “الاستيلاء على السلطة باعتباره ضربة للديموقراطية في المنطقة، ومجرد تذكير آخر بأن الغياب الطويل لمشاركة الولايات المتحدة ذات المصداقية في المنطقة قد شجع القوى المناهضة للديموقراطية على العمل”. والأكثر من ذلك، أن عقوبات الأمس الأمريكية على ميانمار، رغم أنها ساهمت في التسبب بالأضرار للاقتصاد البورمي، إلا أنها مع ذلك لم يكن لها أي تأثير حقيقي ملموس ويذكر.

لكن ما حدث عقب ذلك، هو أن تحول النظام في بورما الى نظام سياسي ديموقراطي على الطريقة الغربية خلال فترة زمنية ليست قصيرة، نتج عنه وقوع تقارب كبير بينها وبين الغرب بزعامة أمريكية. ويفسر ذلك التقارب الصمت الغربي طوال تلك السنوات على المذابح التي تم ارتكابها هناك بحق الروهينجا، بل والأكثر من ذلك، أنه يفسر أيضًا حصول زعيمة ميانمار السابقة على جائزة نوبل للسلام بشكل غير مبرر، ويثبت أن الجائزة بحد ذاتها مُسيسة وموجهة بالأساس. مما يعني أن المحرك الرئيسي الكبير وراء هذا التقارب يتلخص في حقيقة واحدة، تدور جميعها في فلك الموقع الجغرافي المميز لميانمار من ناحية الشمال الشرقي. إذًا، نرى أن اهتمام الولايات المتحدة بإقامة علاقات تحالف مع ميانمار لا ينبع من أي أسباب أخرى سوى الرغبة في دق مسمار خلفي في عنق العملاق الصيني العملاق، الذي ذكرت دراسة لمؤسسة “بروجنز“، السويسرية للبحوث والاستشارات أن المد الاقتصادي الصيني يُنذر الهيمنة الاقتصادية الأمريكية والغربية بفقدان سيطرتها على العالم بحلول العام 2040.

وكان من جملة ما أفادت به الدراسة، أن نهاية العولمة التي عرفناها منذ انهيار المعسكر الشيوعي السابق، قبل ثلاثة عقود أضحت على الأبواب. لذلك فإن الدراسة تتوقع إعادة تقسيم العالم بين كتلتين واحدة بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية والأخرى تحت زعامة الصين.

لذلك، فإن وقوع الانقلاب العسكري في ميانمار، يأتي في نفس الأثناء التي أعلنت فيها إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن على لسان وزير خارجيتها، “أنطوني بلينكن”، أن الصين تُشكل التحدي الأكبر للولايات المتحدة، وأن الأخيرة ستعتمد تجاهها نهجًا أكثر صرامة، من النهج الذي اتبعه الرئيس السابق دونالد ترامب.

إذًا نعرف أن العقوبات التي فرضتها الإدارة الأمريكية تُمثل أقصى ورقة ضغط في يدها بالوقت الراهن، لكن هذا يقودنا الى سؤال آخر، حول كيف يصب الانقلاب العسكري، بشكل أو بآخر، في مصلحة الصين، بالشكل الذي يضع الموقف الأمريكي برمته إزاء الانقلاب العسكري المناهض للديموقراطية الغربية كما تحبها أمريكا في حرج؟!

الإجابة ببساطة تتمثل في مراقبة كيف كان النظام الحاكم لميانمار بالسابق، مواليًا للولايات المتحدة، ومجرد تشكيله بصفته نظام ديموقراطي، فهذا أمرًا كان بحد ذاته يثير رضاء القوى الغربية الكبرى. بمعنى أن الصين في السابق جمعتها بالفعل علاقات جيدة مع النظام السابق، لكن الوضع الآن يعتبر أفضل بمراحل مما سبق، إذ أنه وبمجرد أن انقلبت الموازين، أصبح النظام العسكري الحاكم في شكله الجديد أقرب إلى الأيدولوجية الصينية مما سبق، ولهذا السبب أبدت الصين استعدادها للانخراط في تعاون مع النظام الجديد وتزويده بالأسلحة والاستثمارات. ولذلك أيضًا كانت ردود الفعل الصينية الأولى يمكن تلخيصها بأنها خفيفة الوطأة أو وصفها بأنها ردود باردة، فقد أصدرت الصين بيانًا حثت فيه جميع الأطراف على تسوية خلافاتهم بشكل سلمي. ثم أيدت الصين بعد ذلك بيانًا مخففًا لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، والذي رغم فشله في إدانة الانقلاب، دعا إلى إطلاق سراح “أونج سان سو كي”، والعودة للأعراف الديموقراطية. وعلى الرغم من أن المظهر العام يعكس رفض الصين للانقلاب، إلا أن سلوكياتها على الأرض في العالم الواقعي تعكس موقفًا مغايرًا. مما ترتب عليه، أن أصبح التوجه الصيني مرئيًا للجماهير الميانمارية بشكل ملحوظ، حيث نما اعتقاد سائد في ميانمار بأن الصين تدعم المجلس العسكري مما غذى المشاعر المعادية للصين بين الملايين الغاضبة، واتجه بعض المسؤولون الصينيون لنفي صلاتهم بالانقلاب.

ونخلص من كل ما سبق، أن السبب الرئيسي، بل والوحيد كذلك، لتنامي أهمية ميانمار في السياسة الدولية لاسيما بالنسبة للولايات المتحدة، هو قربها وعلاقاتها بالصين. كما أنه هو نفس السبب الذي دفع الولايات المتحدة لتشجيع الديموقراطية في ميانمار، بهدف إخراجها من الفلك الصيني، وهو نفس الشيء الذي لطالما تسبب كذلك في تنامي مخاوف –بقيت تحت السيطرة- لدى النظام الشيوعي الصيني القابع في الجوار المايناماري. لكن على الرغم مما تمثله ميانمار من أهمية استراتيجية لدى الولايات المتحدة خاصة في الوقت الراهن، إلا أن واشنطن تجد نفسها في موقف حرج، إذ أنها لو تحركت ضد الانقلاب واتخذت خطوات تصعيدية رغبة منها في مناوئة الصين، فإن هذا يعني تلقي المجلس العسكري في ميانمار للمزيد من الدعم من قِبَل الجيش الصيني، وإن تحركت الولايات المتحدة في تأييد للانقلاب، فقد يتسبب ذلك في خسارتها للصورة الأخلاقية، التي لطالما عكفت واشنطن على الترويج لها على نطاق عالمي. إذًا ما العمل؟! من المُرجح أن الولايات المتحدة ستستمر في التعامل بنفس الطريقة الراهنة الى حين ينتهي القتال في ميانمار ويكشف من خلفه عن منتصر نهائي لا تبدو له خسارة في أفق قريب، وعندها ستقدم له واشنطن يد العون وتبني معه علاقات دافئة، حتى لو كان هذا المنتصر غير ديموقراطي وغير شرعي من وجهة نظر القانون الدولي والشعب الميانماري نفسه. ففي هذه الحالة –وكما جرت العادة- تسقط الأخلاقيات الأمريكية والسعي للديموقراطية، في مقابل تحقيق المصالح الأمريكية الاستراتيجية.

Scroll Up