أعلن تنظيم داعش في غرب إفريقيا، الأسبوع الماضي، مقتل حليفه السابق وزعيم جماعة بوكو حرام النيجيرية المتطرفة، أبوبكر شيكاو، أثناء محاولته الانتحار كي لا يقع في قبضة متشددين متحالفين مع تنظيم داعش شمال نيجيريا. فهل تمثل عملية مقتلة ضربة موجعة لبوكو حرام، التنظيم الأكثر دموية في القارة السمراء؟ وهل يعني ذلك تصدر تنظيم داعش للمشهد في غرب أفريقيا؟

تفاصيل مقتل شيكاو

انتحر زعيم جماعة بوكو حرام المتطرفة، أبو بكر شيكاو، خلال معركة مع مقاتلين من فرع تنظيم داعش في غرب أفريقيا المنافس، حسب تسجيل صوتي مسرب حصلت عليه وكالة الأنباء الفرنسية الأسبوع الماضي، وذلك بعد أسبوعين على ورود تقارير أعلنت عن وفاته.

وأفاد متحدث باللغة الكانورية يزعم أنه صوت زعيم التنظيم في غرب أفريقيا أبو مصعب البرناوي في التسجيل “فضل شيكاو أن يهان في الآخرة على أن يهان في الأرض. لقد قتل نفسه على الفور بتفجير عبوة ناسفة”. كما أشار التسجيل إلى أن التنظيم أرسل مقاتلين إلى جيب لبوكو حرام في غابة سامبيسا، حيث عثروا على شيكاو داخل منزله واشتبكوا معه في معركة بالأسلحة النارية.

وقال المتحدث إن شيكاو “تراجع من هناك وفر إلى الغابة لمدة خمسة أيام. لكن المقاتلين استمروا في البحث عنه وتقفي آثره قبل أن يتمكنوا من تحديد مكانه”. مضيفاً أنه بعد العثور عليه في الغابات “حضه مقاتلو التنظيم وأتباعه على التوبة”، لكن شيكاو رفض وقتل نفسه.  

من هو شيكاو؟

هو “أبو بكر محمد شيكاو” زعيم جماعة بوكو حرام الإرهابية في نيجيريا، ولد في قرية من المزارعين، وعمل كمربي للمواشي قرب الحدود مع النيجر في ولاية يوبي.

درس الفقه لدى رجال الدين المحليين في “مايدوغوري” عاصمة ولاية “بورنو” المجاورة. وفي تلك الفترة، تعرف على مؤسس الحركة والأب الروحي لها، الداعية محمد يوسف قبل أن يلتحق بها.

بعد إعدام محمد يوسف، زعيم الحركة، على يد الشرطة النيجيرية عام 2009 تولى شيكاو زعامة الحركة خلفًا لأستاذه. ومع وصول “شيكاو” الى زعامة الحركة، ازدادت الهجمات المتكررة ضد المدنيين المسيحيين والمسلمين، ما جعل النيجيريين ينسون خطابات يوسف- مؤسس الحركة ضد حكومتهم، واتهاماته لها بالفساد.

عرف شيكاو بعنف الشديد إلى درجة أفقدته حلفاءه من الإسلاميين المتشددين، وقد بدا اسمه يظهر على ساحة الأحداث الدولية بعد قضية اختطاف أكثر من 200 تلميذة في بلدة “تشيبوك” بولاية “برنو” شمال نيجيريا، حيث هدد ببيعهن وتزويجهن بالقوة. وقال في أحد تسجيلاته في عام 2012: “أستمتع بالقتل بالطريقة نفسها التي أستمتع فيها بذبح الدجاج والكباش”.

وفى مارس 2015 أعلن شيكاو في بيان صوتي بث عبر موقع الجماعة على تويتر مبايعة بوكو حرام لتنظيم داعش الإرهابي وقال شيكاو في رسالته: “نعلن بيعتنا للخليفة”، وذلك في إشارة إلى أبو بكر البغدادي، وأضاف: “سنسمع ونطيع في العسر واليسر” وأعلن الخلافة في ولاية بورنو بنيجيريا، وأصبح اسم الجماعة بقيادة شيكاو” ولاية غرب إفريقيا”، كدلالة على انتمائها لتنظيم داعش، حتى نشب الخلاف بينه وبين التنظيم.

وفي يونيو 2012، صنفت وزارة الخارجية الأمريكية شيكاو كإرهابي وجمدت فعليًا أصوله في الولايات المتحدة. ومنذ يونيو 2013، عرضت مكافأة قدرها 7 ملايين دولار أمريكي لأي معلومات تؤدي إلى القبض على شيكاو من خلال برنامج المكافآت من أجل العدالة. بالإضافة إلى ذلك، عرض الجيش النيجيري مكافأة قدرها حوالي 300 ألف دولار أميركي للحصول على راس شيكاو.

قصة الخلاف بين داعش وشيكاو

اندلع الخلاف بين أبو بكر شيكاو وتنظيم داعش بعد قيام الأخير بتعيين أبو مصعب البرناوى، زعيما جديدًا لبوكو حرام، الأمر الذي رفضه شيكاو وأصر على أنه لايزال في منصبه. وبعد عام واحد من إعلان شيكاو مبايعته لداعش؛ ظهرت الانقسامات داخل جماعة بوكو حرام وانفصلت بقيادة أبو مصعب البرناوي آنذاك عن جماعة شيكاو وحافظ على لقب ولاية غرب إفريقيا.

وتشير التقديرات المختلفة إلى أن استبدال شيكاو بالبرناوى يرجع إلى أن الأول كان عنيفًا أكثر من اللازم بالنسبة لتنظيم داعش. فلطالما شهدت جماعة بوكو حرام العديد من الانشقاقات بين فصائلها المتنافسة حول كيفية إنجاز هدف الجماعة في إقامة خلافة إسلامية، لكن هذه الخلافات تفاقمت بعد تولى شيكاو زعامة الجماعة في 2009، حيث أدت قسوته وميله الشديد إلى استخدام العنف إلى إثارة حفيظة الكثيرين من اتباعه، مما دفع تنظيم داعش إلى استبداله بزعيم آخر أكثر تحفظًا.

هل مات شيكاو بالفعل؟

تتابعت شائعات مقتل شيكاو منذ أن بدأت جماعة بوكو حرام تمردها لأول مرة عام 2009 ضد الحكومة المركزية في نيجيريا. وفي عام 2013 صدرت أنباء من الجيش النيجيري بإصابة شيكاو بإصابات قاتلة على أيدي قوات الجيش ولكن خرج بعدها شيكاو في مقطع فيديو ليؤكد أنه لم يقتل.

وفي سبتمبر عام 2014 أعلن الجيش النيجيري مرة أخرى مقتل شيكاو في معركة كودونجا، ليظهر بعدها شيكاو مرة أخرى في شريط فيديو حصلت عليه وكالة الأنباء الفرنسية، وقد بدا فيه ساخراً من مزاعم الجيش النيجيري بأنه قتل.

وفي أغسطس عام 2015 أعلن الرئيس التشادي السابق، إدريس ديبي مقتل شيكاو، ليظهر بعدها مرة أخرى في رسالة صوتية منسوبة له تزعم أنه لم يقتل. وبعدها بعام أفادت الأنباء أنه أصيب بجروح مميتة في غارة جوية على قرية تاي من قبل القوات الجوية النيجيرية، لكن في يونيو 2017، ظهر شيكاو في مقطع فيديو أعلن فيه مسؤوليته عن اختطاف شرطيات نيجيريات، ليؤكد أن ما زال على قيد الحياة. فماذا عن إعلان مقتلة هذه المرة، هل قتل بالفعل؟

على الأرجح قتل شيكاو بالفعل هذه المرة في عملية تصفية داخلية، يقوم بها تنظيم داعش للتخلص من قياداته الأكثر راديكالية ووحشية، دلالات ذلك أن هذه المرة تم الإعلان عن عملية مقتل شيكاو من داخل تنظيم داعش نفسه، ووصفوه بأنه ” شخصًا ارتكب إرهابًا لا يمكن تصوره”. وذلك بخلاف المرات السابقة التي كان يعلن فيها الجيش القضاء عليه.

 كما ذكر تحقيق أجرته صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية، في 21 مايو 2021، أن شيكاو انتحر بتفجير حزام ناسف، وذلك وفقًا لمكالمات هاتفية اعترضتها أجهزة استخبارات غربية وأفريقية ومذكرات استخبارات داخلية اطلعت عليها الصحيفة.

وتمكنت الصحيفة الأمريكية من مراجعة نصوص المكالمات التي تم اعتراضها بين المتمردين الذين كانوا يناقشون انتحاره، إلى جانب رسالة صوتية من وسيط قديم بين شيكاو والحكومة يبلغ عن وفاته. وأشارت إلى أن 5 مسؤولين نيجيريين أكدوا مقتل شيكاو، بعد أن فجر سترة ناسفة خلال مواجهات مع متمردين منافسين له، لتفادي أسره، وفق المسؤولين.

دلالات هامة

ثمة دلالات هامة يمكن طرحها حول مستقبل نشاط التنظيمات الإرهابية في غرب إفريقيا في أعقاب مقتل أبو بكر شيكاو، نستعرضها فيما يلي:

ضربة موجعة لبوكو حرام: تعيش جماعة بوكو حرام حاليًا حالة من الضعف على إثر الضربات العسكرية القاسية التي تلقتها الجماعة في مناطق نفوذها، وبعد ما يزيد عن 5 سنوات من المواجهة والاقتتال بينها وبين فرع تنظيم داعش في غرب إفريقيا تحت قيادة أبو مصعب البرناوى، والتي انتهت مؤخرًا بعملية قتله، والتي تمثل ضربة قاسمة للتنظيم الأكثر دموية في إفريقيا، وتنذر بأن التنظيم يعيش أكثر حالات ضعفه الآن.

 تقويض الثقة في قدرة الحكومة النيجيرية على تخليص البلاد من الجماعات الإرهابية: عملية مقتل شيكاو تقلل من ثقة الشعب النيجيري في قدرة القوات في نيجيريا على دحر النشاط الإرهابي والقضاء على القيادات المتطرفة، ولا سيما وأن تنظيم داعش هو الذي نجح في تطويق ومحاصرة شيكاو حتى انتهى الأمر بمقتله، في حين فشلت قوات الجيش في القضاء عليه، وفي كل مرة كان يعلن فيها الجيش نجاح القوات في القضاء عليه، يخرج بعدها ساخرًا ليؤكد أنه ما زال على قيد الحياة. كما أن التصريحات الغامضة والغير موحدة لبعض المسؤولين في الاستخبارات النيجيرية بشأن مقتل شيكاو، تزيد من الشكوك حول قدرة الجهات الحكومية على كبح جماح الجماعات الإرهابية في البلاد.

صعود نجم داعش في غرب إفريقيا: مقتل شيكاو يمثل فرصة سانحة لتنظيم داعش في غرب إفريقيا لمواصلة نشاطه وتمدده في المنطقة، ويعزز من هذه الفرضية أن فرع بوكو حرام المنشق، تحت لواء تنظيم داعش نجح خلال الأشهر السابقة في تجنيد كبار مساعدي شيكاو، مما سمح له باختراق دفاعاته والقضاء عليه. فضلًا عن أن بعض المعلومات التي تفيد بأن البرناوى نجح في ضم عناصر بوكو حرام سرًا إلى ولاية غرب إفريقيا، مما يعطي فرصة لتنظيم داعش لحضور أكثر تماسكًا في منطقة غابة سامبيسا شمال نيجيريا، ومنطقة بحيرة تشاد.

وفي ضوء ما سبق، يمكن القول بأن مقتل زعيم بوكو حرام، أبو بكر شيكاو، ينذر بأن تنظيم داعش بدأ يتصدر المشهد في نيجيريا، ومنها إلى باقي دول غرب إفريقيا، مستغلًا الأزمات السياسية والأمنية التي شهدتها منطقة الساحل الأفريقي على مدار الشهرين الماضيين، ولعل أبرزها مقتل الرئيس التشادي، إدريس ديبي، والانقلابات العسكرية الأخيرة في مالي، فضلاً عن الصراعات العرقية التي تعيشها العديد من دول المنطقة.