دخلت مفاوضات فيينا -غير المباشرة -بين طهران وواشنطن بهدف احياء الاتفاق النووي جولتها السادسة في ظل مساعي دائمة للتوافق بشأن العودة للاتفاق النووي القائم على اخضاع أنشطة إيران لمراقبة الوكالة الدولية للطاقة الذرية للحيلولة دون امتلاكها السلاح النووي مقابل رفع العقوبات الاقتصادية الامريكية المفروضة على طهران، وقد حققت الجولات الماضية تقدمًا ملحوظًا رغم الحذر الذي يسيطر على تلك المفاوضات.

وترتيبًا على ما سبق، يمكننا الوقوف على العقوبات الامريكية المفروضة على طهران والتي تمثل محورًا مهمًا في تلك المفاوضات وذلك للتعرف على ما هي العقوبات التي تريد إيران رفعها؟ من خلال الوقوف على تلك العقوبات وتأثيراتها المختلفة وصولًا للعقوبات التي يمكن التنازل عنها او الإبقاء عليها خلال المفاوضات الراهنة.

وفي هذا السياق، اجرى ” معهد السلام الأمريكي” مقابلة مع ” د. كينيث كاتزمان ، وهو محلل سابق في وكالة المخابرات المركزية، وخبير في الشأن الإيراني، أكد خلالها على ما يلي.

ماذا تريد طهران؟

طالت العقوبات الامريكية في عهد ترامب والتي انطلقت من مبدأ سياسة الضغوط القصوى ما يقرب من 1600 فرد وكيان وهيئة وقطاع إيراني وذلك لمجموعة من الأسباب من بينها برنامج إيران النووي، وتطوير طهران واختبارها للصواريخ الباليستية، علاوة على التدخل في المنطقة ودعم الجماعات والميليشيات المسلحة، فضلًا عن عقوبات ترتبط بانتهاك حقوق الانسان.

وفي هذا السياق، تصر إيران على ضرورة الغاء كافة العقوبات الاقتصادية التي فرضتها أو أعادت إدارة ” ترامب” فرضها منذ عام 2018 قبل أن تمتثل بالكامل للاتفاق النووي، ومع ذلك هناك بعض العقوبات الأكثر الحاحًا بالنسبة لإيران لاسيما المرتبطة بالقطاع المصرفي والنقط، حيث فرضت الإدارة الامريكية السابقة عقوبات على كل من البنك المركزي الإيراني ووزارة البترول، وشركة النفط الوطنية الإيرانية، وشركة الناقلات الوطنية الإيرانية.

وعليه تسعى طهران لبيع نفطها بحرية والحصول على العملة الصعبة بصورة سلسله، خاصة أن إدارة ” ترامب” في الفترة من 2018 حتى 2020 قامت بفرض عقوبات على جميع البنوك الإيرانية الكبرى وعدد من البنوك الأجنبية بسبب تعاملها مع إيران مع تسبب في عزل إيران عن النظام المالي الدولي، إذ تشير التقديرات لأن البنك المركز الإيراني لديه أكثر من 100 مليار دولار في الخارج غير قادر على الوصول إليها بسبب تلك العقوبات.

يٌشار لأن بإمكان إدارة ” بايدن” أن تقوم برفع العقوبات بأمر تنفيذي واحد، فخلال شهر يناير 2016 عندما دخلت خطة العمل الشاملة المشتركة محل التنفيذ أصدر ” أوباما” أمرًا تنفيذيًا واحدًا ألغي من خلاله العقوبات التي فرضت على قطاعات مختلفة من الاقتصاد الإيراني.

تفاقم الوضع الاقتصادي

بحثًا عن تأثير العقوبات التي فرضها ” ترامب” على الاقتصاد الإيراني، يمكن الإشارة إلى أن تلك العقوبات لم تؤثر بشكل كبير على قدرة الحكومة الإيرانية على إدارة شؤونها، رغم ذلك تسببت في انهاك الاقتصاد الإيراني بشكل كبير، حيث أدت إلى انكماش الناتج المحلي الإجمالي وارتفاع التضخم، فخلال عام 2017 نما الناتج المحلي بنسبة 3.7%، كما وصل التضخم إلى 9.6%، وعندما اُعيد فرض العقوبات خلال عام 2018 تقلص الناتج الإجمالي المحلي بنسبة 5.4% وقفز معدل التضخم إلى 31.2%، وعلى ذات المنوال تقلص الناتج الإجمالي خلال عام 2019 بنسبة 6.5% وارتفاع التضخم لنحو 41%، وصولًا لعام 2020 الذي شهد تقلصًا في الناتج الإجمالي المحلي بنسبة 5% وانخفاضًا في التضخم إلى 30.5%.

من ناحية أخرى، انخفض سعر صرف الريال الإيراني بشكل كبير بعد عودة العقوبات على إيران، فقبل يوم من انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق تم تداول الدولار مقابل نحو 64 ألف ريال، وبحلول عام 2020 تم تداوله بما يصل إلى 315 ألف ريال وهو أدنى مستوى في تاريخ العملة الإيرانية، رغم ذلك عملت طهران على زيادة تنويع اقتصادها خاصة أنها تمتلك صناعة سيارات متطورة، كما انها تصدر الصلب والمعادن والخشب ومواد البناء.

https://iranprimer.usip.org/sites/default/files/maps/Iran%20GDP%20Inflation%20IMF%202021.png

هل من تأثير على البرنامج النووي والصاروخي؟

فيما يرتبط بتأثير العقوبات الامريكية على البرنامج النووي والصواريخ الباليستية لإيران، يلاحظ أن العقوبات لم تؤثر على تلك البرامج، ولم تساهم في تراجعها، فعلى صعيد البرنامج النووي، في الفترة من يونيو 2019 حتى نوفمبر 2020 زاد مخزون إيران من اليورانيوم المخصب لأكثر من 12 ضعف الحد الذي نص عليه الاتفاق النووي 2015، كما قامت بتركيب أجهزة طرد مركزية متطورة لتخصيب اليورانيوم، وفي يناير 2021 بدأت في تخصيب اليورانيوم إلى 20 %، وهو ما يتجاوز حد الاتفاق البالغ 3.67 %، وعلى الرغم من أن طهران لم تتخذ قرارً سياسيًا لتصنيع قنبلة نووية واختبارها، إلا أن نسبة التخصيب الحالية تعتبر بمثابة خطوة للوصول لدرجة التخصيب (90%) اللازمة لإنتاج سلاح نووي.

من ناحية أخرى، وفيما يرتبط بالصواريخ الإيرانية، فلم تحد العقوبات من قدرة طهران على تطوير واختبار او نشر صواريخها، فخلال شهر سبتمبر 2019هاجم الحوثيين منشأتين نفط سعوديتين باستخدام صواريخ كروز وطائرات بدون طيار، ما تسبب في تعطيل –مؤقتًا- حوالي نصف إجمالي انتاج السعودية من النفط الخام، بالمثل قام الحرس الثوري الإيراني في يناير 2020 بإطلاق أكثر من عشرة صواريخ باليستيه على قاعدتين عراقيتين، وغير ذلك من الهجمات التي تتم عبر وكلاء طهران وأذرعها في المنطقة. 

عقوبات رمزية 

لقد طالت العقوبات الامريكية العديد من كبار المسؤولين الإيرانيين حتى وصلت للمرشد الأعلى بالإضافة إلى وزير الخارجية “محمد جواد ظريف”، ووزير البترول “بيجان زنغنه ” ورئيس القضاء والمرشح الرئيسي الحالي ” إبراهيم رئيسي”، ورئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية “علي أكبر صالحي” ووزير المخابرات “محمود علوي” ووزير الداخلية “عبد الرضا رحماني” علاوة على أمين مجلس صيانة الدستور “أحمد جنتي”.

رغم ذلك فالعقوبات على كبار المسؤولين تظل رمزية، إذ لا يُعتقد أن المسؤولين الخاضعين للعقوبات لديهم حسابات بنكية أجنبية أو ممتلكات وأصول خارج إيران، ومع ذلك فقد اثرت العقوبات على السياسة الداخلية الإيرانية حيث اتاحت للمتشددين فرصة للعودة مرة أخرى، كما استفاد التيار المتشدد من حالة الغضب والإحباط الشعبي بعد انسحاب إدارة ” ترامب” من الاتفاق، ما انعكس على وضعهم في الانتخابات البرلمانية 2020 وكذلك على مجمل المشهد خلال الانتخابات الرئاسية المزمع عقدها 2021.

 كيف تعاملت طهران؟

      وحول أدوات طهران للتعاطي مع العقوبات فقد اتخذت عدد من الخطوات أولها) في منتصف 2019 (بعد 14 شهرًا) من حملة ” ترامب” القصوى، بدأت طهران في انتهاك التزاماتها بموجب الاتفاق النووي، وقد كان الهدف جزئيًا هو الضغط على الدول الأوروبية لبذل المزيد من الجهد لتعويض الأثر السلبي للعقوبات الأمريكية. من ناحية أخرى، سعت إيران إلى إيجاد قنوات للتجارة غير المشروعة، حيث شحنت البنزين إلى “فنزويلا” مقابل مدفوعات بالذهب، وهي عملة صعبة يسهل تداولها في الأسواق الدولية. على ذات المنوال، عززت إيران صادراتها النفطية عبر تهرب ناقلاتها من الكشف والتعقب من خلال خدمات تتبع الناقلات العالمية.، إذ تشير التقديرات أن الناقلات التي تحمل النفط الإيراني قد أوقفت أجهزة الإرسال والاستقبال الخاصة بها وأجرت عمليات نقل للنفط بحرية ودون تتبع، خاصة في ظل قدرة إيران على تصدير نحو 300 ألف برميل يوميًا من النفط للصين، كما نجحت في تصدير نحو 30 ألف برميل إلى سوريا يوميًا في بعض الأوقات.

في الأخير، يمكن التأكيد على أنه في حال اتباع نفس النمط الذي تضمنته خطة العمل الشاملة المشتركة، فستظل عدد من العقوبات الامريكية قائمة دون الغاء بما في ذلك العقوبات المفروضة بشأن قضايا الإرهاب، خاصة ضد وكلاء إيران والكيانات الإيرانية التي تدعم الميليشيات، علاوة على العقوبات المفروضة على برنامج الصواريخ الإيراني، وأجزاء من البرنامج النووي غير مسموح بها بموجب خطة العمل المشتركة الشاملة، والشركات الأجنبية التي تبيع الأسلحة التقليدية إلى إيران، علاوة على استمرار العقوبات المرتبطة بحقوق الانسان، وكذا العقوبات المفروضة على الشركات والأفراد المتورطين في الهجمات الإلكترونية، ناهيك عن العقوبات المتعلقة بالفساد كتلك المفروضة على المؤسسات المرتبطة بالمرشد الأعلى. ومع ذلك فقد تدفع إيران الولايات المتحدة لرفع بعض العقوبات على تلك الفئات، إلا أن إدارة ” بايدن” قد تبقى على تلك العقوبات ما لم تعير إيران من سياساتها.