أدت الحكومة الإسرائيلية الجديدة بقيادة “نفتالي بينيت” اليمين القانونية يوم 13 يونيو الجاري، بعد منحها الثقة من قبل الكنيست الإسرائيلي، وهو الحدث الذي كتب النهاية لعهد استمر 12 عاما بقيادة بنيامين نتنياهو.

في هذا السياق يسلط هذا المقال الضوء على طبيعة تكوين الحكومة الإسرائيلية الجديدة وخصوصيتها، وتوجهاتها العامة والخطوط العريضة الحاكمة لها في ضوء بعض المؤشرات، فضلاً عن أبرز التحديات التي تواجهها، والملفات ذات الأولوية بالنسبة لها.

أولاً- منح الثقة للحكومة الإسرائيلية الجديدة:

منح الكنيست الإسرائيلي الثقة يوم 13 يونيو للائتلاف الحكومي الجديد برئاسة الزعيم اليميني “نفتالي بينيت” الذي سيخلف بنيامين نتنياهو بعد 12 عاما متواصلة في السلطة، وذلك عقب تصويت 60 نائبا لصالح الائتلاف الجديد المتنوع ما بين اليمين واليسار والوسط بالإضافة إلى حزب عربي “القائمة العربية الموحدة” برئاسة منصور عباس، في حين عارض الائتلاف الحكومي 59 نائباً معظمهم من حزب الليكود والأحزاب اليمينية المتشددة.

ويقود زعيم حزب “يمينا” ، نفتالي بينيت الحكومة الجديدة، على أن يتولى “يائير لبيد” زعيم حزب “هناك مستقبل” الذي تم اختياره لوزارة الخارجية، رئاسة الحكومة بعد عامين بالتناوب مع “بينيت”.

وكان من أبرز الأسماء التي تضمنتها الحكومة الجديدة: “بيني غانتس” وزيراً للدفاع، و “أفيغدور لبيرمان” وزيراً للمالية، و “جدعون ساعر” وزيراً للعدل، و “عومر بارليف” وزيراً للأمن الداخلي، والعربي “عيساوي فريج” الذي ينتمي لحزب “ميرتس” اليساري الإسرائيلي وزيراً للتعاون الإقليمي، و “متان كاهانا” من حزب يمينا وزيراً للشؤون الدينية.

ثانياً– التوجهات المحتملة للحكومة الجديدة:

تتشكل الحكومة الإسرائيلية الجديدة كما تم الإشارة من مزيج من الأحزاب والاتجاهات السياسية المتنوعة إذ تضم في طياتها أحزاب: “هناك مستقبل” الوسطي، “أزرق أبيض”، “يمينا” اليميني، العمل اليساري، “إسرائيل بيتنا” القومي العلماني، “أمل جديد” اليميني، وميرتس” من أقصى اليسار، بالإضافة للقائمة العربية الموحدة بقيادة “منصور عباس”.

في هذا السياق تُعتبر هذه الحكومة ذات خصوصية شديدة، وذلك في ضوء عدد من الأمور، إذ تُعد هذه هي المرة الأولى في تاريخ السياسة الإسرائيلية التي يكون فيها رئيس الوزراء هو رئيس حزب له سبعة مقاعد برلمانية لا غير، فضلاً عن أن هذه الحكومة حملت تغييرات نوعية تؤسس لواقع إسرائيلي جديد، وفي مقدمة هذه التغييرات مشاركة تنظيم ذو خلفية إسلامية بها وهذه سابقة من نوعها في تاريخ إسرائيل، فضلاً عن منح عربي وهو عيساوي فريج حقيبة وزارية، الأمر الذي كان لوقت قريب خطاً أحمر.

ويُلاحظ أن هذه الاتجاهات التي تشكل جسد الحكومة الإسرائيلية الجديدة لا يجمع بينها قواسم مشتركة كبيرة، فقد كان المشترك الوحيد بينها هو الرغبة في الإطاحة برئيس الوزراء اليميني بنيامين نتنياهو الذي ظل في السلطة لمدة 12 عاما، لكن غياب نتنياهو عن رئاسة الحكومة لا يعني تغييراً جوهرياً في الخطوط العريضة التي تحكم السياسات الإسرائيلية، خصوصاً مع كون خمسة من أركان الحكومة الجديدة قد عملوا لسنوات في حكومات نتنياهو في مواقع مختلفة، وقد أشار “نفتالي بينيت” في أكثر من مناسبة إلى أن حكومته ستكون أكثر يمينية من حكومة نتنياهو، وهي تصريحات جاءت من جانب للرد على نتنياهو الذي زعم أن الحكومة الجديدة ستكون حكومة يسار ولن تقوى على مواجهة إيران ولا “حماس” ولا ضغوط الإدارة الأميركية، ومن جانب آخر للتأكيد على الاتجاهات العامة الحاكمة للحكومة الجديدة، التي أشار “بينيت” إلى أنها لن تدخر جهداً فيما يتعلق بعمليات تأطير وتعزيز البناء في القدس المحتلة ونقل كل المؤسسات الحكومية الإسرائيلية إليها، هذا فضلاً عن ما قاله من إن “حكومته لن تتردد في شن حرب على غزة إذا لزم الأمر”، وقد عبر عن هذه المؤشرات التي تشير إلى توجهات الحكومة الإسرائيلية الجديدة، موافقة وزير الأمن الداخلي فيها على ما يسمى بمسيرة الأعلام للمستوطنين بالقدس، وذلك رغم تحذيرات الفصائل والخارجية الفلسطينية من هذه الخطوة، ودعوتهم للنفير العام حال خروج هذه المسيرة، وهو الأمر الذي يهدد اتفاق التهدئة بين الجانبين.

تشير هذه المعطيات إلى أن الأطراف المؤثرة في الحكومة الإسرائيلية الجديدة لن تنتهج سياسات مختلفة عن سابقتها، مع الإشارة إلى إمكانية تركيز الحكومة الجديدة على القضايا الاقتصادية والاجتماعية وذلك في ضوء محددين:

1- وجود اتجاهي “اليسار “و”الوسط” داخل هذه الحكومة، وهو الوجود الذي يعزز الاهتمام بالقضايا ذات الطابع الاقتصادي والاجتماعي، خصوصاً وأن “يائير لبيد” وزير الخارجية الحالي ورئيس الوزراء في الحقبة التالية، سيحاول انتهاز هذه الفرصة من أجل الوفاء بوعده بتخفيف الضغوط المالية على الطبقة المتوسطة، وإنهاء الكثير من الامتيازات التي يتمتع بها اليهود المتطرفون والتي تمولها الحكومة، وهي مصدر شكوى منذ زمن للعديد من الإسرائيليين العلمانيين، هذا فضلاً عن وزير المالية “أفيغدور  ليبرمان” الذي سيتعين عليه بحكم منصبه كبح جماح عجز الميزانية الذي تضخم خلال جائحة كورونا.

2- سيغطي التركيز على القضايا الاقتصادية والاجتماعية، على الخلافات البينية الكبيرة داخل الحكومة الإسرائيلية، بما يقلل من ظهورها على السطح، وإمكانية توظيفها من قبل المعارضة.

على المستوى الخارجي يُتوقع أن تتبنى الحكومة الإسرائيلية الجديدة مقاربة تستهدف:

1-  تعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة مستغلةً في ذلك الارتياح الأمريكي الضمني لرحيل نتنياهو وذلك مع اعتقاد الديمقراطيين أن خسارة نتنياهو هي خسارة لحليفه دونالد ترامب، كما أنّهم غاضبون على نتنياهو بسبب ما يعتبرونه تحرّكات مزعجة وتصريحات مستفزّة يطلقها ضد الإدارة الأمريكية بسبب المفاوضات مع إيران، وبالتالي ستحاول حكومة “بينيت” توظيف هذا السياق من أجل كسب المزيد من الدعم الأمريكي.

2- التصعيد مع إيران، في مقابل السعي نحو توسيع اتفاقات تطبيع العلاقات مع دول عربية وإسلامية أخرى، أو على الأقل تعزيز التعاون مع الدول التي وقعت على اتفاقات “أبراهام”.

ثالثاً- تحديات وجودية:

تواجه الحكومة الإسرائيلية الجديدة عدداً من التحديات المرتبطة بشكل كبير بالداخل الإسرائيلي، وعلى رأس هذه التحديات المعارضة الشرسة التي ستواجهها فمن جانب يوجد الأحزاب اليمينية التي تعتبر أن مشاركة اليمين مع تيار اليسار وعرب الداخل الإسرائيلي، في هذه الحكومة هو خيانة لها، ومن جانب آخر يوجد نتنياهو الذي توعد بالعمل في صفوف المعارضة من أجل إسقاط هذه الحكومة التي اعتبرها “خطيرة وفاشلة”، بالإضافة لذلك يمثل التنوع الكبير الذي تشهده الحكومة الحالية تحدياً أمام بناء تفاهمات داخل الحكومة إزاء القضايا المختلفة، فكل اتجاه من هذه الاتجاهات له أجندته وأولوياته ورؤيته الخاصة للقضايا المختلفة وهو الاعتبار الذي يُتوقع معه أن تتزايد التباينات والاختلافات داخل هذه الحكومة يوماً بعد يوم، وفي ذات السياق يوجد تحدي مرتبط بفكرة التناوب على رئاسة الحكومة الحالية بين “بينيت” و “لبيد”، وهو التحدي الذي تتعاظم خطورته على الحكومة الحالية مع التباينات الأيديولوجية الكبيرة داخلها، فضلاً عن الاتفاق بين بينيت ولبيد على حق النقض المتبادل فيما يتعلق بالقرارات المُتخذة، وهو الاتفاق الذي يقضي على التقليد المتبع في إسرائيل منذ سنوات، من حيث وجود زعيم واحد قوي ينفرد بالقرار، لكنه في المقابل يمكن أن يمثل سبباً لتنامي الخلافات داخل الائتلاف الحكومي وتحدي مستقبلي لعملية تقاسم السلطة السياسية في إسرائيل.

رابعاً- ملفات ذات أولوية:

يوجد العديد من الملفات التي تحتاج حلولاً عاجلة وتعاطي سريع معها من قبل الحكومة الجديدة، وهو ما يضع هذه الحكومة أمام اختبار مصيري يتعلق بمدى قدرتها على إنجاز هذه الملفات وإدارة البلاد بدون وجود “نتنياهو”، في هذا السياق يجب على وزير الخارجية ورئيس الوزراء البديل “يائير لبيد” أن يصادق على تعيين 35 سفيرا ورئيس مفوضية جديدا، بعد تعطيل تعيينهم لأكثر من 6 أشهر، وفي سياق متصل تشير تقديرات إسرائيلية إلى ضرورة إسراع وزير الدفاع في الحكومة الجديدة “بيني غانتس” في التواصل مع الإدارة الأمريكية من أجل زيادة المساعدات الأمريكية للجيش الإسرائيلي، ولا سيما ما يتعلق بتطوير برنامج الصواريخ الخاصة بمنظومة “القبة الحديدية”، ومحاولة الحصول على أنواع إضافية من الذخائر، فضلاً عن ملف اتفاق التسوية مع الجانب الفلسطيني خصوصاً مع الدعوات الدولية الكبيرة التي جاءت للحكومة الجديدة من أجل إتمام العملية التفاوضية سواءً فيما يتعلق باستمرار اتفاق التهدئة وآليات تمرير المساعدات الخاصة بإعمار غزة، أو على نطاق أوسع فيما يتعلق بمسألة حل الدولتين، وأخيراً يوجد مسألة إصلاح العلاقات مع الجانب الأوروبي وهي العلاقات التي شهدت توتراً متنامياً في الأشهر الأخيرة.

إجمالاً يمكن القول، إن الخطوط العريضة والتوجهات العامة للحكومة الإسرائيلية الجديدة لا تختلف عن سلفها، سواءً على المستوى الداخلي، أو فيما يتعلق بملف السياسة الخارجية، لكنها ستواجه جملة من التحديات المرتبطة من جانب بالتباينات بين مكوناتها الداخلية، ومن جانب آخر بالمعارضة الشرسة التي ستواجهها وذلك مع اعتزام “نتنياهو” بذل كل جهوده من أجل إسقاطها.