أدت عملياتُ الرفض الجماعية لمرشحي الانتخابات الرئاسية الإيرانية في دورتها الثالثة عشرة، والمقرر إجراؤها 18 يونيو الجاري، إلى انتقادات واسعة من قِبل العديد من الشخصيات الإيرانية المحلية المؤيدة للنظام في طهران وغيرها المعارضة.

فقد تسبب عدم قبول مجلس صيانة الدستور الإيراني لأهلية أغلب المرشحين لانتخابات الرئاسة الإيرانية، والذين بلغ عددهم 592 شخصًا وكان من بينهم شخصياتٌ سياسية بارزة مثل رئيس البرلمان السابق “علي لاريجاني”، في إيجاد ما يشبه الانقسام السياسي ما بين المؤيدين للنظام أنفسهم وكان على رأسهم صادق لاريجاني، شقيق علي لاريجاني، وحسن الخميني حفيد مؤسس الجمهورية الإيرانية.

بل إن المرشد الأعلى الإيراني، وأكثر الأفراد تأثيرًا على عملية صنع القرار في طهران، علي خامنئي، قد وصف ما حدث لبعض المرفوضة أهليتُهم بأنه “ظلم”. ومؤخرًا وبعد أيام ليست بالقليلة من إعلان مجلس صيانة الدستور عن قائمة المرشحين السبع، بدأ رئيس البرلمان السابق والمستبعد من خوض الانتخابات علي لاريجاني يبدي اعتراضًا وتساؤلات حول أسباب رفض المجلس له.

يقول المنتقدون إجمالًا إن الانتخابات الرئاسية الإيرانية لعام 2021 نُظِّمت بشكل يتيح للمرشح الأصولي ورئيس السلطة القضائية، إبراهيم رئيسي الفوز في الانتخابات لعدم وجود منافس حقيقي له.

ومؤخرًا، طلب علي لاريجاني من مجلس صيانة الدستور الإيراني إعطاء تفسير حول أسباب رفض أهليته للترشح في انتخابات الرئاسة وأن يتم الإعلان عن ذلك للعامة ومن دون مواربة. ووصف لاريجاني، العضو أيضًا في مجمع تشخيص مصلحة النظام، “التقارير المقدمة” إلى مجلس الصيانة حوله وحول أسرته بأنها “كاذبة”.

يقول لاريجاني في رسالته التي نشرها ضمن تغريدة له على موقع التواصل الاجتماعي “تويتر”يوم السبت 12 يونيو 2021 إن “السياسات الكلية” للمرشد الأعلى تقول “بصراحة” إن من واجبات مجلس صيانة الدستور أن يوضح وبشكل مكتوب لمرشحي الرئاسة أسباب رفض أهليتهم “بناءً على طلبهم”.

Image

(نص رسالة علي لاريجاني إلى مجلس صيانة الدستور)

ويضيف لاريجاني أن “سياسة الصراحة” المُشار إليها لم يُعمل بها حين إعلان مجلس صيانة الدستور عن رفض المرشحين أي أنه لم يوضح أسباب هذا الرفض، ولم يسع إلى البحث في صحة التقارير المقدمة إليه. وأوضح لاريجاني أن سبب كتابته هذه الرسالة هو عدم تلقيه حتى الآن أسباب عدم قبول أهليته للترشح. 

وجاءت رسالة لاريجاني هذه بعدما نشر المتحدث باسم مجلس صيانة الدستور، عباس علي كدخدايي، تغريدة له أيضًا قال فيها إن قبول المجلس لأهلية المرشحين يجري على أساس “الوثائق الكافية الجديرة بالثقة”، مضيفًا أن قانون الانتخابات لا ينص على النشر العلني لأسباب استبعاد المجلس للمرشحين. 

لقد كان استبعاد لاريجاني أمرًا غير متوقع داخل إيران وخارجها، حتى أن أغلب المراقبين كانوا يؤكدون قبل يوم 26 مايو الماضي، الذي أُعلنت فيه نتيجة فرز المرشحين، أن المنافسة الانتخابية الرئاسية في إيران ستنحصر فقط في لاريجاني، الذي يوصف بأنه محفظ معتدل، والأصولي ورئيس القضاء الحالي “إبراهيم رئيسي”، علاوة على أن الآمال والتوقعات بشأن “تنافسية” الانتخابات الإيرانية ارتفعت قبل ذلك التاريخ المذكور.

لكن وعلى أي حال، فإن استبعاد لاريجاني أمرٌ مثيرٌ للتساؤلات؛ إذ أن الأخير يُعد من أشهر السياسيين والمسؤولين الإيرانيين على مدار العقود الماضية. إذًا، فما هي الأسباب المتوقعة لرفض “صيانة الدستور” الإيراني ترشح لاريجاني؟

شروط شغل منصب رئيس الجمهورية طبقًا للدستور في إيران

ينص الدستور الإيراني في مادته رقم 115 على أن من يتولى منصب رئيس الجمهورية في إيران يجب أن:

  • يكون من بين “الرجال المذهبيين والسياسيين”، 
  • إيراني الأصل.
  • يحمل الجنسية الإيرانية. 
  • يتمتع بسمة الإدارة والتدبير، 
  • الأمانة والتقوى وحسن السير.
  • يكون “مؤمنًا بمبادئ الجمهورية الإسلامية الإيرانية والمذهب الرسمي للدولة”. 

وقد أضيفت مؤخرًا شروطٌ جديدة لهذه السابقة أبلغ بها مجلسُ صيانة الدستور الإيراني وزارةَ الداخلية في أوائل مايو الماضي، وهي: 

  • ألا يقل عمر المرشح عن 40 عامًا وألا يزيد عن 75.
  • أن يكون المرشح حاصلًا على درجة الماجستير أو ما يعادلها.
  • ينبغي أن يكون المرشح قد تولى في السابق منصبًا إداريًا في إيران لمدة 4 سنوات على الأقل.
  • لا يجب أن يكون للمرشحين أي سوابق جنائية، حتى لو كان سجنه لأسباب سياسية. 

لماذا تم رفض ترشح علي لاريجاني لخوض انتخابات الرئاسة الإيرانية؟

على الرغم من أن البعض ممن رُفضت أهليتُهم في الدورة الحالية لانتخابات رئاسة الجمهورية الإيرانية كانوا قد قُبلوا فيما سبق، مثل المرشح علي لاريجاني ونائب رئيس الجمهورية الحالي “إسحاق جهانجيري”، إلا أنهم لم يستطيعوا أن يحوزوا على الأهلية في هذه الجولة. أما فيما يتعلق بالرئيس السابق محمود أحمدي نجاد، فقد كان من المتوقع أن يتم رفضه كما حدث عام 2017. 

وعلى الرغم من توقع رفض البعض، إلا أن عدم قبول مجلس صيانة الدستور لأهلية أحد أبرز السياسيين الإيرانيين خلال العقود الماضية (علي لاريجاني) قد ترك غموضًا سنحاول تفسيره. 

هل تنطبق على “لاريجاني” الصفات الواردة في الدستور لتولي الرئاسة؟ 

 بعد التطرق للصفات الأساسية الواجب توافرها في المرشح لرئاسة الجمهورية في إيران طبقًا للدستور، يتضح ما يلي: 

ينطبق على “لاريجاني” شرط “الرجل المذهبي السياسي”، فهو سياسي أصولي لا ينسب نفسه لأي حزب أو تيار أو فصيل سياسي داخل إيران، وكان قد انضم عام 1982 إلى الحرس الثوري خلال فترة حرب الثمان سنوات مع العراق (1980-1988) وشغل الكثير والكثير من المناصب السياسية في طهران. 

وينتسب أردشير لاريجاني، البالغ من العمر 64 عامًا أي أقل من 75 عامًا من العمر حسب الشروط الجديدة، إلى عائلة متدينة بالأساس، فوالدُه رجل الدين الشهير “ميرزا هاشم آملي” وصهر رجل الدين واستاذ الفلسفة الإسلامية “مرتضى مطهري فريماني”. وتعود أصول أسرة لاريجاني إلى منطقة لاريجان في مدينة “آمل” السياحية بمحافظة مازندران شمالي إيران على بحر قزوين.  

كان والد علي يُدرِّسُ في الحوزة الشيعية بالنجف الأشرف العراقية قبل مولده، وهو ما جعله ينتقل من إيران إلى العراق التي وُلد بها عليٌّ لاحقًا، وهذه قضية أخرى سنتطرق إليها في هذه المادة. إن عائلة علي لاريجاني تُعد من أشهر العائلات السياسية في إيران، ولذا فإنه لا يفتقد إلى شرط “رجل مذهبي سياسي”.

من المستبعد أيضًا أن يكون رفضُ مجلس صيانة الدستور لأهلية لاريجاني نابعًا من عدم إيمانه بمبادئ الجمهورية الإسلامية، إحدى الشروط الأساسية التي ينص عليها الدستور في إيران لتولي منصب الرئاسة. حيث إن تولي علي العديدَ من المناصب السياسية في الماضي تنفي ذلك. وعلى سبيل المثال وإلى جانب توليه رئاسة البرلمان لحوالي 12 عامًا، فإن علي لاريجاني عُيّن لسنوات عضوًا في مجمع تشخيص مصلحة النظام.

ومن جانب آخرَ، ليس من المرجح أن يكون استبعاد لاريجاني لأسباب تتعلق بالفساد سواء من جانبه هو أو من أحد أفراد عائلته؛ إذ أنه ولو اتهم أحد أفراد أسرته بالفساد فإن هذا لا يُعد سببًا لرفضه، كما أنه إذا كان هو نفسه متهمًا بالفساد فلماذا تم إبقائه في منصبه حتى الآن عضوًا في مجمع تشخيص مصلحة النظام وقبل ذلك رئيسًا للبرلمان الإيراني لسنوات طوال؟ وعلاوة على ذلك، يشغل أخوه صادق آملي لاريجاني في الوقت الحالي منصب رئيس مجلس صيانة الدستور الذي رفض بالأساس علي، ما يعني أن هناك بعدًا آخر يتعلق بعدم قبول أهليته.

والجدير بالذكر أن علي لاريجاني كان قد تولى خلال الفترة من (13 فبراير 1994 وحتى 23 مايو 2004) رئاسة هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية (صدا وسيما) التابعة بالأساس لفصيل المحافظين في إيران، والذين لا يمكن أن يعينوا شخصًا في هذا المنصب من دون أن يكون لديهم ثقة كاملة به، خاصة وأنها جاءت بعد 6 سنوات من انتهاء الحرب مع العراق، أي في مرحلة إعادة النظام بناء منظومته السياسية والإدارية والعسكرية.

أربعة أسباب مرجحة لرفض ترشح علي لاريجاني لرئاسة الجمهورية في إيران 

يُعتقد أن هناك 4 أسباب محتملة هي وراء رفض مجلس صيانة الدستور الإيراني أهلية علي لاريجاني من أجل الترشح لانتخابات الرئاسة في الحالية في دورتها الثالثة عشرة، وهي: 

  • محل مولده في النجف العراقية: 

كما سبق القول، وُلد علي أردشير لاريجاني في النجف العراقية في 3 يونيو 1957 عندما كان والده مدرسًا في الحوزة هناك. ربما شكل هذا الأمر إحدى الدوافع لرفض أهلية لاريجاني؛ إذ من الممكن أن يكون مجلس صيانة الدستور قد رأى أن شرط “إيراني الأصل” المنصوص عليه في الدستور لا ينطبق بنسبة مائة بالمائة عليه، وإن كان هذا دافعًا ثانويًا بوجه عام.

  • إقامة أبناء له في الخارج: 

تقيم “فاطمة علي لاريجاني”، نجلة المرشح المرفوضة أهليته في الانتخابات، في الولايات المتحدة الأمريكية. وترجح بعض التقارير أن إقامة فاطمة هناك يُعد أحد الأسباب الرئيسة لرفض أهلية والدها، إذ يقول البعض إن لديها الجنسبة الأمريكية وهو ما يمكن أن يكون سببًا لرفضه؛ لأن جنسبة الأقرباء من الدرجة الأولى يمكن أن تكون سببًا لذلك. 

ولكن على الرغم من هذا، يؤكد لاريجاني والمقربون منه أن فاطمة ذهبت إلى الولايات المتحدة من أجل الدراسة وأن لديها تأشيرة وليس جواز سفر أمريكي. 

 وتؤكد بعض المصادر الإيرانية أن هذه القضية أثيرت في مجلس صيانة الدستور حين النظر في أهلية علي لاريجاني، وأنه تم التواصل معه حول هذا الأمر ونفى حصول ابنته على الجنسية الأمريكية. وحسب تقارير إيرانية، فإن البعض قدم وثائق لصيانة الدستور الإيراني تؤكد أن لدى فاطمة الجنسية الأمريكية، ما قاد إلى رفض أهلية والدها. 

  • أحزاب أصولية إيرانية: لاريجاني مسؤول عن تدهور الأوضاع في البلاد

وقد ناقشت أحزابٌ سياسية إيرانية ومنافسون للاريجاني أن الأخير “ليست لديه أهلية قيادة البلاد”؛ لأنه في وقت رئاسته للبرلمان تمت الموافقة على الاتفاق النووي الإيراني عام 2015، وهو ما ينسب إليه المتشددون في إيران، حسب وسائل إعلامهم، بعضًا من العوامل التي قادت إلى الوضع السياسي والاقتصادي الحالي في البلاد.

 ترى هذه الأحزاب لاريجاني سببًا في وصول إيران إلى الوضع الحالي، وبما أنه لا ينبغي استمرار هذه الحالة، فبالتالي لا يجب أن يتولى من كان جزءًا من العوامل التي قادت إليها رئاسةَ البلاد، حسب وجهة نظرهم. وبالتأكيد، تجيء هذه التقارير في إطار الخصومة السياسية مع لاريجاني أكثر من كونها تعتمد على وثائق ومستندات تثبت ذلك.  

  • رغبة الحرس والأصوليين في فوز رئيس القضاء إبراهيم رئيسي: 

يبدو أيضًا أن السبب والعامل الرئيس وراء رفض لاريجاني من قِبل مجلس صيانة الدستور هو عدم رغبة المتشددين في فوزه، وميلهم إلى فوز المرشح رئيس القضاء إبراهيم رئيسي. ويبدي الحرس الثوري بلا شك دعمًا قويًا لرئيسي يتضح من وسائل الإعلام التابعة له، ومن التهديدات التي بعث بها الحرس الثوري لصحفيين وناشطين يحذّرهم فيها من توجيه انتقادات لرئيسي. 

ويمكن القول إن هذا السبب هو الدافع الرئيس وراء رفض لاريجاني وأن السببين الآخرين المُشار إليها ما هما إلا عوامل ثانوية ظاهرية.