بعد يومين فقط من نيلها الثقة، دخلت الحكومة الإسرائيلية الائتلافية الجديدة بشكل سريع في غمار ما يمكن أن نعتبره “أزمتها الأولى”، وهو ملف “مسيرة الأعلام”، وهو ملف تصعيدي في مجمله، يحمل وجهين الأول يتعلق بجانب من جوانب الصراع السياسي الداخلي في إسرائيل، فيما يتعلق الثاني باختبار مدى قوة التهدئة الحالية بين الفصائل الفلسطينية والجيش الإسرائيلي.

مسيرة الأعلام … احتفال باحتلال عاصمة عربية

تعد مسيرة الأعلام، أحدى الممارسات التصعيدية المتطرفة التي دأب “التيار اليهودي المتطرف” على القيام بها منذ سبعينيات القرن الماضي وحتى اليوم. وقد أسس هذا التقليد عام 1968 يهودا حيزني، الطالب بإحدى المدارس اليهودية في مستوطنة “حوش امونيم”، والذي نشط بشكل واضح في السنوات التالية في مجال استقطاب اليهود القاطنين في الولايات المتحدة لإقناعهم بالسفر إلى فلسطين المحتلة.

أصبح هذا التقليد يمارس بشكل سنوي منذ العام 1974، خاصة بعد أن تبنته خلال السنوات اللاحقة جمعية “عام كلبي”، التي يترأسها حاييم دروكمان، أحد أكثر حاخامات المجتمع الاستيطاني الإسرائيلي تطرفاُ. خلال هذه المسيرة، يقوم مئات المستوطنين الذين يعتنقون الفكر اليهودي المتطرف، بتنظيم تظاهرة تنطلق من شارع الأنبياء “هنفيثيم”، إلى شارع السلطان سليمان، وتقف أمام ساحة باب العمود لأداء الفقرة الأساسية في هذه المسيرة، ومن ينتقلون إلى محيط باب الخليل المؤدي إلى المدينة القديمة، ومن ثم يخترقون شوارع هذه المنطقة وهم يحملون الأعلام الإسرائيلية ومكبرات الصوت التي تبث الأهازيج اليهودية، حتى يصلوا في النهاية إلى حائط البراق الذي يسمى في إسرائيل “حائط المبكى”.

هذا التقليد المتطرف يعتبر أسمياً احتفالا من جانب المستوطنين بذكرى احتلال الجيش الإسرائيلي للقدس الشرقية عام 1967 “حسب التقويم العبري”، وظل منذ ذلك التوقيت يمارس بشكل سنوي لكنه توقف بين عامي 2010 و2016 بسبب تصاعد مخاطر حدوث مواجهات ميدانية بين الفلسطينيين القاطنين في المدينة القديمة والمستوطنين أثناء قيامهم بمسيراتهم داخل المدينة. العنوان الفعلي لهذا التقليد يرتبط بشكل كبير بالذهنية الإسرائيلية الاستيطانية، التي تحاول التأكيد سنوياً على التوجهات الإسرائيلية في توسيع الاستيطان، وعلى أن المجتمع الاستيطاني ينظر إلى القدس على أنها عاصمة إسرائيل الأبدية.

حكومة بينيت.. تفجير لغم نتانياهو بدلاً من إبطاله

على الرغم من الخلفية السابقة، إلا أن مسيرة هذا العام تتسم بأهمية مضاعفة، بالنظر لعدة اعتبارات، أولها ارتباط هذه المسيرة بالوضع السياسي الداخلي في إسرائيل حالياً، حيث يشرف عليها هذا العام وجهان من وجوه التطرف في السياسة الإسرائيلية على مسيرة هذا العام ميدانياً، أولهما هو عضو الكنيست عن تحالف “الصهيونية المتدينة” اليميني المتطرف إيتمار بن غفير، الذي يترأس حالياً حزب “عوتسما يهوديت” أحد الأحزاب التي تعتنق فكر الحاخام المتطرف الراحل مائير كاهانا. وعلى الرغم من انتماء غفير للجناح اليميني في الحياة الحزبية الإسرائيلية، إلا أنه تحالف مع رئيس الوزراء المنتهية ولايته بنيامين نتنياهو قبيل الانتخابات التشريعية الأخيرة، وكان معارضاً بشكل كبير للتشكيلة الائتلافية الحكومية الجديدة، رغم أنها تضمنت ثلاثة أحزاب يمينية رئيسية. 

يضاف إلى ما سبق حقيقة أن غفير كانت له يد واضحة في الاشتباكات التي شهدتها المدن الفلسطينية المحتلة عام 1948، وهذا ظهر بشكل جلي خلال استجواب الكنيست الإسرائيلي القائد العام للشرطة الإسرائيلية كوبي شاباتاي، الذي قال بوضوح أن غفير مسئول بشكل رئيسي عن هذه الاشتباكات، خاصة بعد أن نقل بشكل مستفز مكتبه إلى حي الشيخ جراح في القدس الشرقية. الشخص الثاني في هذه المعادلة هو زعيم تحالف “الصهيونية المتدينة” في الكنيست بتسلئيل سموتريتش، الذي سبق وأن صرح في أبريل الماضي أنه يجب إنهاء أي وجود فلسطيني على الأراضي الإسرائيلية، لا يعترف بالسيادة الإسرائيلية على كامل الأراضي المحتلة.

الاعتبار الثاني في هذا الصدد كان واقع أن ملف مسيرة هذا العام كان اللغم الأخير الذي تركته حكومة نتانياهو الراحلة لحكومة بينيت الجديدة، فقد كان من المقرر أن تتم مسيرات هذا العام في العاشر من الشهر الماضي، إلا أن نتنياهو أصدر قراراً بتأجيلها بعد بدء تساقط الصواريخ الفلسطينية على المدن المحتلة. حاولت اللجنة المنظمة للمسيرة الأسبوع الماضي أن تستصدر أذناً بإقامتها الخميس الماضي – اي قبل ان يتم تنصيب الحكومة الجديدة – لكن قامت حكومة نتنياهو برفض الطلب وترحيل يوم انعقاد هذه المسيرة إلى اليوم، أي بعد أن تتسلم الحكومة الجديدة السلطة.

هذا الملف يعد أول استحقاق جدي تواجهه الحكومة الجديدة، التي وإن كانت يمينية الطابع، إلا أنها تضم ايضاً أحزابا تنتمي لليسار ” ميريتس”، وأخرى تنتمي لتيار الوسط وهي حزب “العمل”، “أزرق أبيض”، “هناك مستقبل” الذي يعد شريكاً أساسياً في هذه التشكيلة، وهي جميعها أحزاب لا ترى داعيا للتصعيد الميداني في هذا التوقيت، وهذا كان واضحاً من خلال أعراب عدة وزراء في هذه الحكومة، منهم وزير الدفاع بني غانتس “حزب أزرق أبيض”، ووزراء سابقين مثل وزير الخارجية السابق غابي أشكنازي، عن تفضيلهم تأجيل مسيرة هذا العام، تجنباً لأي صعيد جديد.

اللافت كان موقف المكون العربي في هذه الحكومة، والممثل في تحالف “القائمة العربية المشتركة”، حيث اتسم موقف زعيم هذه القائمة “منصور عباس” بعدم الوضوح في ما يتعلق بمبداً إقامة المسيرة في هذا التوقيت، حيث صرح في حديث إذاعي “اتمنى ان تمر هذه المسيرة بسلام ودون أي تصعيد ميداني، وموقفنا المعلن هو أننا ضد أي عمل استفزازي، والكل يعلم ما هو الغرض الحقيقي لهذه المسيرات”. وقد عاد منصور اليوم لتوضيح موقفه بشكل أكبر، فقال “مسيرة الاعلام هي استفزاز وتقوم على الكراهية والتحريض، ومحاولة لإشعال الأوضاع من أجل أهداف سياسية، وكان على وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي والشرطة إيقافها”. موقف القائمة نفسها كان أكثر وضوحاً، حيث أصدرت بياناً يمثل الأحزاب الثلاثة المكونة لها، أشارت فيها إلى أنها أرسلت رسالة إلى رئيس الوزراء بينيت، تطالبه فيها بإلغاء المسيرة، نظراً لأن مسارها يتضمن التواجد بمحاذاة الأحياء العربية، مما قد يؤدي إلى اشتعال الوضع الميداني بشكل لا تحمد عقباه. 

رغم المواقف السابقة، الا ان حكومة بينيت، وتحديداً وزير الأمن الداخلي عومير بارليف “الذي ينتمي لحزب العمل”، خضعوا لضغوط الأحزاب اليمنية، التي تعد مكوناً رئيسياً لهذه الحكومة، وإحداها ينتمي لها رئيس الوزراء بينيت وهو حزب “يمينا”، ووافقوا على إجراء مسيرة هذا العام اليوم، وهو قرار أشبه بمحاولة تفجير لغم او قنبلة بدلاً من إبطال مفعولها. رغم هذا القرار، إلا أن وزير الأمن الداخلي أشترط أن يتم الاتفاق بشكل مسبق على مسار هذه المسيرة بين الشرطة واللجنة المنظمة لها، نظراً لأن قيادة الشرطة الإسرائيلية ترغب في أن تتفادي المسيرة عبور باب الخليل ودخول المدينة القديمة، وأن تقوم بدلاً من ذلك بالتحرك من نطاق شارع الأنبياء “هنفيثيم”، إلى شارع السلطان سليمان ثم التوقف قبالة باب العمود، وبعد ذلك الوصول إلى باب الخليل وعدم
اجتيازه إلى المدينة القديمة، والتحرك بدلاً من ذلك في اتجاهين، الأول عبر شارع باب السلسلة والثاني عبر الحي اليهودي، بهدف الوصول إلى وجهتها النهائية في محيط حائط البراق، في حين تصر اللجنة المنظمة للمسيرة على عبور باب الخليل ودخول المدينة القديمة كما كان الحال عليه خلال السنوات السابقة.

ردود الفعل الفلسطينية والعربية والدولية … تحذير ورغبة في عدم التصعيد

قبل يوم من انطلاق هذه المسيرة، تتالت ردود الفعل الفلسطينية المحذرة من خطورة هذه الخطوة، حيث وصفتها حركة حماس بأنها قد تكون بمثابة فتيل إشعال حرب جديدة، وحذرت كل من منظمة التحرير الفلسطينية وحركة الجهاد الإسلامي ولجنة المتابعة للقوى الوطنية والإسلامية الفلسطينية من أن هذا التصعيد قد ينسف التهدئة القائمة حالياً. أما اليوم فقد تصاعدت ردود الفعل في الداخل الفلسطيني، حيث دعت الهيئة الوطنية لمسيرات العودة في قطاع غزة كافة الفلسطينيين إلى التصدي لتحركات الإسرائيليين داخل القدس، ودعت إلى إطلاق فعاليات ومسيرات في جميع مناطق قطاع غزة، بالتزامن مع مسيرة الأعلام الإسرائيلية.

رئيس الوزراء الفلسطيني الدكتور محمد أشتية، غرد عبر حسابه على موقع تويتر قائلاً “نحذر من الانعكاسات الخطيرة التي قد تنجم عن نية سلطة الاحتلال السماح للمستوطنين الإسرائيليين المتطرفين بتنفيذ مسيرة العلم في القدس المحتلة غدا ، هذا استفزاز وعدوان على شعبنا ومقدساته في القدس يجب أن يتوقف”. كما أصدرت حركة الجهاد الإسلامي بياناً قالت فيه أنها ستتصدى بكل قوة للمستوطنين في القدس، وشددت على ضرورة وقوف أهالي القدس صفا واحدا، وتكثيف التواجد قرب باب العامود وأحياء البلدة القديمة، وهي نفس الدعوة التي أطلقتها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، التي حذرت من تفجير الأوضاع في المنطقة بأكملها جراء مسيرة الأعلام في القدس، وناشدت المجتمع الدولي، التحرك قبل فقدان السيطرة. في نفس السياق، دعت الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين إلى جعل اليوم يوم غضب فلسطيني ضد المستوطنين في مدينة القدس لإفشال مسيرة الأعلام. الناطق باسم كتائب أبو علي مصطفى، الذراع العسكرية للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين حذر من جانبه من استمرار التفكير بإقامة هذه المسيرة.

على المستوى العربي والدولي، حذر شيخ الأزهر الشريف، الأمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، من إقامة هذه المسيرة، وقال في بيان رسمي،  إن إصرار إسرائيل على إقامة هذه المسيرة يعد استفزاز جديد، ومحاولة رخيصة لكسب دعاية سياسية، يقودُها اليمين الإرهابي المتطرِّف، على حساب دماء الفلسطينيين المسالمين وحقوقهم، وأن على العرب والمسلمين وكل محبي السلام في العالم التصدي لهذه الانتهاكات، التي لن تجلب إلا مزيدًا من العنف والدَّمار والخراب.

من جانبه، حذر رئيس البرلمان العربي عادل بن عبدالرحمن العسومي، من خطورة اندلاع مواجهات جديدة في مدينة القدس المحتلة، وتفجر الأوضاع في المنطقة، في حال إصرار إسرائيل على تنظيم هذه المسيرة، التي ينطوي عليها المساس بالمقدسات الدينية في القدس المحتلة، وما يمثله من استفزاز لمشاعر الملايين من المسلمين والمسيحيين، في جميع أنحاء العالم، وتقويض الجهود الرامية إلى تثبيت التهدئة في المنطقة. نفس هذا المعنى تناولته تصريحات لوزير الخارجية القطري، الذي عبر عن القلق العربي إزاء الإجراءات الإسرائيلية عامة، وخاصة مسيرة الأعلام.

 مبعوث الأمم المتحدة للشرق الأوسط “تور وينسلاند”، علق على هذا الملف في تغريدة على موقع تويتر، قال فيها “تتصاعد التوترات مرة أخرى في القدس في وقت أمني وسياسي هش للغاية وحساس للغاية، في ظل مشاركة كل من الأمم المتحدة ومصر بنشاط في توطيد وقف إطلاق النار، ونحن نحث جميع الأطراف المعنية على التصرف بمسؤولية وتجنب أي استفزازات قد تؤدي إلى جولة أخرى من المواجهة”.

استعدادات ما قبل مسيرة الأعلام

صبيحة اليوم بدأت الشرطة الإسرائيلية مبكراً الاستعداد لإقامة هذه المسيرة، حيث دفعت بتعزيزات تقدر بنحو 2500 فرد شرطة انتشروا بشكل رئيسي في المدينة القديمة ومحيط باب العامود وباب الخليل، وفي الشوارع الرئيسية بالقدس مثل شارع صلاح الدين وشارع السلطان سليمان وشارع الزهراء، وكذا في عدة مناطق في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948، منها يافا ووادي عارة واللد والرملة، وقد تزامنت هذه التعزيزات مع استنفار للجيش الإسرائيلي في محيط قطاع غزة، وعلى الحواجز الموجودة في الضفة الغربية المحتلة، وتفعيل لكافة بطاريات منظومة “القبة الحديدية” المضادة للصواريخ. كان لافتاً قيام الشرطة الإسرائيلية بإجبار المتاجر الفلسطينية داخل البلدة القديمة في القدس على إغلاق أبوابها بعد الظهر، وهذا كان مؤشراً واضحاً على أن احتمالية اقتحام البلدة القديمة من جانب منظمي مسيرة الأعلام مازال قائماً، وهذا ربما كان السبب الرئيسي الذي أدى إلى اتخاذ بعض البعثات الدبلوماسية الغربية، وخاصة البعثة الدبلوماسية الأمريكية، قراراً بمنع دخول موظفيها وعائلاتهم إلى المدينة القديمة في القدس.

توترت الأجواء أكثر خلال فترة الظهيرة، بعد أن أقتحم نحو 54 مستوطن بقيادة عضو الكنيست السابق يهودا غليك، باحات المسجد الأقصى، وسط حراسة مشددة من الشرطة الإسرائيلية، وقد باتت الاقتحامات التي يمارسها غليك – المعروف بأنه يميني متطرف – عادة شهرية يقوم بها هو ومجموعة من المستوطنين، لكنه في هذه المرة قال في بث مباشر قام به من داخل المسجد الأقصى “أنه يقف الآن في الأقصى من أجل الصلاة لنجاح الحكومة الإسرائيلية الجديدة”.

أدت هذه الخطوة الاستفزازية إلى بدء النشطاء في قطاع غزة في إرسال البالونات الغازية نحو المستوطنات الواقعة حول القطاع، ما ادى إلى اشتعال أكثر من 15 حريقا، كان أشدها في مستوطنة “شاعر هنيغيف”، ورغم ضراوة هذه الحرائق، الا أن قيادة الجبهة الداخلية التابعة لوزارة الدفاع الإسرائيلية، عممت على وحدات الدفاع المدني الإسرائيلية، تحاشي الاقتراب من الخط الحدودي مع قطاع غزة، خشية تعرضهم لنيران القناصة والصواريخ المضادة للدروع، خاصة وان موعد بدء مسيرة الأعلام كان قد أقترب، وتزايدت معه احتمالات التصعيد خاصة بعد إطلاق الفصائل الفلسطينية لصاروخ في اتجاه البحر، في رسالة تحذر من عواقب إتمام مسيرة الأعلام. 

 بدء المسيرة … وبداية المواجهات

قرب الرابعة من مساء اليوم، بدأ عشرات المستوطنين في التجمع قرب حي “المصرارة” المقدسي، استعدادا لانطلاق مسيرتهم مروراً بشارع السلطان سليمان نحو المحطة الأولى في هذه المسيرة وهي محيط باب العمود، وقد وصل إلي هذه المنطقة عضوي الكنيست السالف ذكرهما بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، وقد كان لهذا الأخير تصريحا لافتا قال فيه “نحن وصلنا إلى هنا لنقول لحركة حماس نحن دولة والقدس عاصمة إسرائيل”.

بالتزامن مع بدء المستوطنين في التجمع إيذاناً بالتحرك نحو باب العمود، بدأت سلسلة من المواجهات بين الفلسطينيين والشرطة الإسرائيلية، شملت باب العمود وشارع الزهراء وشارع السلطان سليمان ومحيط البلدة القديمة، أسفرت عن عشرات المصابين والمعتقلين، حيث واجهت قوات الشرطة الإسرائيلية الفلسطينيين بالرصاص المطاطي وعربات المياه، وقد طالت الاشتباكات محيط باب الساهرة، وشارع نابلس، وشارع صلاح الدين، حيث رشق الفلسطينيون مبنى وزارة العدل الإسرائيلية في شارع صلاح الدين بالحجارة بشكل مكثف، لدرجة أضطرت العاملين بالمبنى إلى إخلاؤه بشكل كامل. وقد أضطرت الشرطة الإسرائيلية لتطويق هذا الوضع، منع اية حافلات قادمة من الأراضي المحتلة عام 1948، من الوصول إلى القدس، تجنباً لوصول أعداد إضافية من الفلسطينيين، تواردت أنباء عن توجههم من مدن شمال فلسطين المحتلة إلى القدس.

بحلول الساعة الخامسة، نجحت قوات الشرطة الإسرائيلية في إبعاد الفلسطينيين المحتشدين في محيط باب العامود، وتمكين المستوطنين من الوصول بمسيرتهم إلى محيط المنطقة، وهو ما تسبب في تصاعد الغضب الفلسطيني، سواء الذين كانوا متواجدين في محيط المنطقة، أو في مناطق فلسطينية أخرى، خاصة ان المستوطنين لجأوا إلى توجيه السباب إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم وإلى قادة الفصائل الفلسطينية، ووصل الأمر إلى هتافهم “الموت للعرب” واشتباكهم مع الصحفيين الفلسطينيين المتواجدين في المنطقة.

احداث باب العمود استفزت باقي المناطق الفلسطينية، فاندلعت سلسلة من المواجهات في عدة مناطق بالضفة الغربية المحتلة، منها مدينة قلقيلية، حيث هاجم الفلسطينيون حافلات نقل المستوطنين بالحجارة قرب حاجز “ألياهو” الإسرائيلي، وحدثت مواجهات مع الشرطة الإسرائيلية شرقي المدينة قرب قرية “عزون”، تمت فيها مهاجمة عربات المستوطنين. أما في مدينة البيرة قرب رام الله، اشتبك الفلسطينيون مع القوات الإسرائيلية المتواجدة على حاجز “بيت أيل” شمالي المدينة، وهو حاجز يقع على مشارف مستوطنة تحمل نفس الاسم.

في مدينة نابلس، أصيب العشرات من المتظاهرين المنددين بمسيرة الأعلام، بالاختناق جراء استنشاقهم الغاز المسيل للدموع، خلال مواجهات مع الشرطة الإسرائيلية قرب المستوطنات في منطقة جبل صبيح في بلدة بيتا جنوب المدينة. وفي مدينة الخليل جنوبي القدس، شهد محيط مخيم “العروب” شمالي المدينة اشتباكات عنيفة بين الفلسطينيين والشرطة الإسرائيلية. وقد شهدت مدينتي خان يونس وبيت لحم اشتباكات مماثلة، بعد أن نظمتا مسيرات حاشدة للتنديد بمسيرة الأعلام، كان أكبرها شرق بلدة خزاعة شمالي مدينة بيت لحم. كذلك شهدت مدن قطاع غزة تظاهرات مماثلة، ودارت على مدار اليوم اشتباكات بين المتظاهرين والجيش الإسرائيلي شرقي مدينة رفح قرب السياج الحدودي الفاصل.

لم يستمر  وجود المستوطنين في نطاق باب العامود إلا نحو ساعة فقط، بعد ذلك غادروا المنطقة، وعاد إليها عشرات الفلسطينيين الذين حاولت قوات الشرطة الإسرائيلية أقناعهم بمغادرة المنطقة، إلا أنهم تمسكوا بالتواجد فيها، وطالبوا بفتح باب العمود مرة أخرى كي يعودوا إلى منازلهم. من الأمور اللافتة في أحداث هذا اليوم، تضامن بعض اليهود الذين يقطنون حي “مئة شعاريم” في القدس مع الفلسطينيين، حيث رفعوا العلم الفلسطيني أثناء مرور مسيرة الأعلام نحو منطقة باب العامود. الأمر الثاني كان التغيرات الواضحة التي طرأت على حركة الطيران المدني الواردة إلى فلسطين المحتلة هذا اليوم، حيث اتبعت كافة الطائرات المدنية العابرة لأجواء فلسطين المحتلة، اتجاهات طيران بعيدة عن أجواء مدينة القدس، تحسباً لإطلاق فصائل المقاومة الفلسطينية صواريخها رداً على الاستفزاز الإسرائيلي.

رغم أن الأوضاع الميدانية على الأرض حتى كتابة هذه السطور مازالت ساخنة، خاصة في حي سلوان المقدسي الذي شنت فيه قوات الشرطة الإسرائيلية سلسلة اعتقالات، طالت عضو مجلس حركة فتح في القدس حاتم عبد القادر، الا انه يمكن القول ان ملف “مسيرة الأعلام” قد انتهى – على الأقل لهذا العام – بعد أن تمكنت الشرطة الإسرائيلية في اللحظات الأخيرة، من تغيير خط سير المسيرة، وتفادي اختراقها للبلدة القديمة كما كان يريد منظموها، وإيصالها إلى محطتها الأخيرة وهي محيط حائط البراق. انتهت المسيرة لكن كانت أحداثها، وخط سيرها، والتفاعل الشعبي الفلسطيني معها، كانت كلها مؤشرات على أن الضربات الصاروخية الفلسطينية الاخيرة، قد حققت بالفعل تغيراً جذرياً في المعادلة الاستراتيجية في فلسطين المحتلة.