“ابحثوا عن حلول عملية وواقعية لحل المشكلات الاقتصادية والمعيشية”، هكذا خاطب المرشد الإيراني علي خامنئي المرشحين في الانتخابات الرئاسية المقبلة. بالتوازي، ركز المرشحون الباقون – بعد تصفيات “مجلس صيانة الدستور” على قضية الاقتصاد وارتفاع التضخم والبحث عن أطروحات لرفع مستويات المعيشة للإيرانيين.

بدءاً فإن الانتخابات الرئاسية الإيرانية (18 يونيو 2021) تشهد فتوراً وصل إلى حد “الصقيع الانتخابي” بسبب منع “مجلس صيانة الدستور” المرشحين الإصلاحيين البارزين من خوض الانتخابات وقصرها على سبعة مرشحين على رأسهم رئيس القضاء إبراهيم رئيسي الذي يبدو أنه قاب قوسين أو أدنى ليصبح رئيساً خلفاً لحسن روحاني. ولكن تراجع الاهتمام بالانتخابات داخلياً وخارجياً، لا ينفي أن هذه الانتخابات تعيد التأكيد على ظاهرة تراجع خطاب الدين والثورة في الساحة السياسية الإيرانية لصالح القضايا الاقتصادية والاجتماعية.

 الأوضاع المعيشية تنتصر على “ولاية الفقيه”

مثلت نظرية “ولاية الفقيه” حجر الزاوية لشرعية النظام السياسي الإيراني عقب ثورة 1979، وهي النظرية التي طورها المرشد الراحل أية الله الخميني وقامت على قاعدة أن الفقهاء هم المنوط بهم السلطة كمرجعية تحول دون الخروج عن الشريعة الإسلامية.  وظل الحوار حول “ولاية الفقيه” والعلاقة بين المؤسسة الدينية والحكومة هو النقاش الرئيس في الساحة السياسية الإيرانية طوال أكثر من 3 عقود.

وعقب انتهاء الحرب العراقية الإيرانية ووفاة الخميني  (1989)، تراجع بالتدريج تأثير خطاب “ولاية الفقيه” والحفاظ على “الثورة”، لصالح القضايا الاجتماعية والاقتصادية، فيما سعت النخب الحاكمة إلى استعادة خطاب الدولة عبر البرنامج النووي واستمرارية الصراع مع “الشيطان الأكبر” المتمثل في الولايات المتحدة، إلى جانب النزوع إلى الانخراط بشكل أكبر في الصراعات الإقليمية عبر الوكلاء في لبنان واليمن وسوريا والعراق وغيرها من الدول.

إن خطاب “ولاية الفقيه” اصطدم خلال العقد المنصرم بغياب وتواري الفاعلين الرئيسيين في ثورة 1979 لصالح جيل سياسي جديد، وتبلور عائلات متنفذة جديدة مثل عائلة لاريجاني ورفسنجاني وغيرها من العائلات التي قامت على شبكة علاقات سياسية – اقتصادية وإعلامية بعيداً عن الخطاب الديني الثوري.

إن تحولات النخبة بغياب “جيل المؤسسين” لصالح صعود التكنوقراط المرتبطين عضويًا بالمؤسسات المتنفذة وخاصة “الحرس الثوري” ترافق مع غياب الأيديولوجية من ساحة الصراع الفكري في إيران لصالح البحث عن مستقبل الجمهورية في ظل التحديات الجديدة الإقليمية والداخلية. وفي بعُد ثالث، فإن الجيل الحالي من الشباب الإيراني ولد أغلبه بعد  1979 أي أنه لم يعاصر الثورة أو ذروة خطاب “ولاية الفقيه” ولم يشهد الصراع حول الحجاب وتطبيق الشريعة، بل أنه أن الفتيان والفتيات (18-25 عامًا) يظهروا سخطاً متصاعدا وتململ من محاولات تقييد حرياتهم الشخصية ودور “الباسيج” بل أن ظاهرة رفض الحجاب انتشرت كالنار في الهشيم بشوارع طهران إلى جانب التصريح علناً بعدم قبول التدخل في اختياراتهم الفردية، وهي الموجة التي ساعدت في انتشارها وسائل التواصل الاجتماعي ومساحات “الإنترنت” شبه المفتوحة في إيران.

إن تراجع خطاب “ولاية الفقيه” والثورة في السياسة الإيرانية توازى كذلك بتراجع دور “الحوزات الدينية”، فبينما المؤسسات الدينية مازالت تمثل قوة اقتصادية هائلة ولكن نفوذها “الشعبوي” تراجع وسط شباب المدن الكبرى في إيران، بل أن رجال الدين يشكون من فقدان الشباب للحس والغيرة الدينية واختفاء طوابير المتطوعين للعمل في هذه المؤسسات.

وكما يقول مهدي خلجي: “إن فقدان الأيديولوجية الإسلامية لتأثيرها المغزي، فإن السبيل الوحيد لإطالة أمد حياة النظام هو الإصلاح الاقتصادي”. وهو ما يعني أن مقولة مصطفى اللباد إنه “يستعصى النفاذ إلى واقع إيران السياسي دون الإلمام بجوانب ولاية الفقيه” تراجعت أهميتها تحت ضغوط التحولات التي شهدتها هندسة المنازل الإيرانية التي لم تعد منغلقة على نفسها بل انفتحت على الأخر”.

إن تراجع “ولاية الفقيه” لصالح الهموم الاقتصادية والاجتماعية بلورتها احتجاجات 2009 و2017 و2019  التي رسمت صورة جديدة لإيران بلونين هما “الاقتصاد والشباب”، فالأوضاع المعيشية هي التي أصبحت تسيطر على الحوار العام والخاص في شوارع المدن بل وفي المناطق البعيدة عن المركز، والشباب أصبح “غاضباً” من أبناء الأسياد الذين يهيمنون على مقدرات البلاد بتحالفهم مع النخب الاقتصادية والاجتماعية الجديدة، لتذهب شعارات “المساواة” القديمة إلى “مزبلة الواقع”. فنحن نتحدث عن أكثر من 30% يعيشون تحت خط الفقر و25% من الشباب عاطلين ويبحثون عن سكن في مدن مزدحمة ولا يجدون سبيلاً للزواج وتكوين مؤسسات منفصلة عن الأسرة الممتدة.

إن النظام الإيراني لم يعد قادراً على رفع شعارات “الثورة وولاية الفقيه” في مواجهة الاحتجاجات الشبابية شبه الدورية، وعلى الرغم من أن النظام نجح كل مرة في البقاء تحت ضغط المسيرات الغاضبة ولكن العنف لوأد الاحتجاجات ارتفع على حساب الخطاب السياسي.

بالتوازي، ارتفعت نبرة معارضة ما اعتبره البعض أعراض “خلافة إسلامية” يقودها “الحرس الثوري” و”مجلس صيانة الدستور”. وتحدث حسن الخميني (حفيد المرشد الأول الخميني) صراحة عن سعي البعض لتأسيس “خلافة إسلامية” على حطام “الجمهورية الإسلامية”.

انتخابات 2021: الاقتصاد أولاً

إن خطاب الاقتصاد هيمن على الانتخابات الرئاسية 2021، فنجد أن إبراهيم رئيسي ، رئيس سلطة القضاء والأقرب لخلافة روحاني، يشدد على تحسين الوضع المعيشي ومكافحة الفساد. فهذا المرشح الذي يعتبره البعض خليفة خامنئي المنتظر لم يتحدث في حملته عن الإسلام ودور المرأة والحجاب والقيم الاجتماعية ومبادئ ثورة الخميني، بل ركز في خطاباته على اهمية محاربة التضخم وغلاء المعيشة والبطالة ودور محاربة الفساد في تحسين الأوضاع الاقتصادية.

إن رئيسي حدد أولويات إيران في المرحلة المقبلة في ثلاث قضايا هي: المعيشة والوظائف والحكومة، متحدثاً عن ارتفاع التضخم بنسبة 320% خلال حكم روحاني، بينما  لم ينتقد علانية زيادة الخطاب الاجتماعي الرافض لتطبيق الشريعة في شوارع طهران. إن رئيسي يدرك جيداً أن الاقتصاد أولاً اليوم وغداً في دولة “ولاية الفقيه”، فدور المرجعية الدينية والخطاب الديني تراجع في الشوارع إلى حد أن هوية إيران “الإثني عشرية” أصبحت مهددة بوصف عدد منن رجال الحوزات الدينية.  بل نجد أن مرشح محافظ أخر هو محسن رضائي يوعد بتحويل إيران إلى مركز غذائي لجنوب غرب آسيا. بالتوازي، فإن المرشح الإصلاحي الأبرز عبد الناصر همتي، محافظ البنك المركزي السابق، جعل أولويته هي تحسين أوضاع الفئات الفقيرة، وتعزيز دور المرأة في المجتمع والحكومة.

إن الاقتصاد أصبح هو الحكم في الانتخابات الرئاسية الإيرانية، والجناح المحافظ يدرك أنه لو تحول عن خطاب الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي ومحاربة الفساد فإن خسارته ستكون فادحة، ليس في الانتخابات فقط بل في قدرته على الحشد والتأثير. وبالتوازي، فإن الحوزات الدينية تنخرط في “حديث صامت” بشأن مستقبل الدولة والنظام، ودور الدين في الدولة الجديدة التي تتشكل مع غياب “الأباء المؤسسين”. وربما ينتهي هذا الحديث إلى ترجيح تراجع الخطاب الديني وتخفيف سلطة المؤسسات الدينية ومنح مساحات أكبر للخطاب الليبرالي من أجل صناعة “توازن بقاء” جديد. فالحقيقة التي يدركها كل من يسير في شوارع طهران أن “الدين والثورة” أصبحا في الظل بينما تتصدر القضايا الاجتماعية المسرح السياسي والاجتماعي في إيران.