في ظل ما تتعرض له الصين من ضغوط دولية خاصةً بعد قيام الرئيس الأمريكية “جو بايدن” بتوسيع القائمة السوداء للشركات الصينية التي لا يُسمح للأمريكيين بالاستثمار فيها، ليصل عدد تلك الشركات إلى 59 شركة بما فيها شركات الاتصالات الكبرى مثل “هواوي” و”تشاينا موبايل”، تصاعدت الدعوات الداخلية لمواجهة ذلك.

وعليه، تم إصدار قانون في يوم 10 يونيو 2021 عبر اللجنة الدائمة للمجلس الوطني لنواب الشعب، وهو قانون جديد يستهدف مواجهة تلك الضغوط المفروضة عليها في التجارة والتكنولوجيا وحقوق الإنسان خاصةً في شينجيانج وما يُطلق عليه تراجع الحكم الذاتي في هونج كونج. فقد تم على سبيل المثال، حظر قطن شينجيانج بسبب مخاوف متعلقة بحقوق الإنسان.

ما وراء القانون

أكد القانون على سياسة الصين المتمثلة في عدم التدخل في شؤون الدول الأخرى، ومعارضة الهيمنة وسياسة القوة، لكنه لن يتساهل مع التدخل في الشؤون الداخلية للصين. ويخوّل القانون مجلس الدولة لسنّ العقوبات الخاصة بالأفراد أو المنظمات المسؤولة عن صياغة أو اتخاذ قرار بشأن تنفيذ عقوبات ضد الصين. ومن العقوبات التي يطرحها القانون؛ تمكين السلطات الصينية للمطالبة بتعويضات أو إلغاء أو رفض التأشيرات أو الطرد، ومصادرة الأموال وتجميدها، بجانب منع أو تقييد المعاملات والتعاون مع الأفراد والكيانات الصينية داخل الصين.
دخل القانون حيز التنفيذ فورًا للرد على العقوبات الأجنبية ضد الصين التي تعتبرها قمعًا واحتواءً من الدول الغربية لتنميتها وخاصةً الولايات المتحدة. تم بذلك إدراج قائمة فيها أفراد أو منظمات أو عائلات مسؤولة عن هذا الأمر ممن اتخذوا عقوبات أحادية الجانب لإلحاق الضرر بمصالح الصين.
أُنشئ القانون بتعاون بين ممثلين من وزارتي الخارجية والتجارة واللجنة الوطنية للتنمية والإصلاح، ومن المفترض أنه سيتم –وفقًا للتشريع- إنشاء آلية عامة للتخطيط والتنسيق للعمل في مواجهة العقوبات، إذ ستعمل الجهات ذات الصلة في مجلس الدولة على تعزيز التنسيق وتبادل المعلومات وتحديد وتنفيذ الإجراءات المضادة ذات الصلة وفقًا لمسؤوليات ومهام كل منها.
استغرق إعداد القانون شهورًا، وراجعه كبار المشرّعين لأول مرة في أبريل 2021، ولم يتم الكشف سوى عن أنه سيتم عرض المسودة على اللجنة الدائمة للمجلس الوطني لنواب الشعب للحصول على الموافقة النهائية.

تحضيرات استباقية

تعود بدايات القانون إلى كشف وزارة التجارة عن قائمة بالشركات الأجنبية كونها “كيانات غير موثوق بها” في سبتمبر 2020، ثم إعلان وزارة الخارجية عن خطط –دون تفاصيل- لمعاقبة بعض مقاولي الدفاع الأمريكيين الذين شاركوا في مبيعات الأسلحة الأمريكية إلى تايوان، والإشارة إلى 11 جولة من الإجراءات المضادة بشأن تدخل الدول الغربية في الشؤون الداخلية للصين منذ ديسمبر 2020. بالإضافة إلى مطالبات الرئيس “شي” في نوفمبر 2020 للقيام بتحسينات أسرع للإطار القانوني لحماية سيادة الصين وأمنها ومصالحها في التعامل مع الأطراف الأجنبية.
كما أصدرت وزارة التجارة “قانون الحظر” في يناير 2021، ويهدف إلى تقديم الشركات الصينية بالإبلاغ عن القيود الأجنبية المفروضة على الأنشطة الاقتصادية أو التجارية، وتبيين الخطوات التي يمكن من خلالها رفع دعوى قضائية أمام المحاكم الصينية للحصول على تعويض عن الخسائر التي سببتها الإجراءات الأجنبية. وفي مارس، وافق المجلس الوطني لنواب الشعب على تحسين مجموعة الأدوات القانونية الصينية لمواجهة العقوبات والتدخل ومسألة الولاية القضائية طويلة المدى من الدول الأجنبية.
وتنبع الحاجة الملحة للسرعة في إصدار وتنفيذ القانون إلى استمرار “بايدن” لما بدأه “ترامب” بفرض عقوبات وقيود تجارية، إذ زادت الانتقادات الأمريكية بشأن سرقة الملكية الفكرية وانتهاكات حقوق الإنسان، فقد تمت معاقبة حوالي 45 مسؤولًا صينيًا عام 2020، من بينهم 15 عضوًا في المجلس الوطني لنواب الشعب. بجانب إصدار إدارة “بايدن” أمرًا تنفيذيًا يمنع الأمريكيين من الاستثمار في الشركات الصينية خاصةً ذات الصلة بقطاعي الدفاع أو تكنولوجيا المراقبة. وفرض الاتحاد الأوروبي وكندا والمملكة المتحدة عقوبات على المسؤولين الصينيين بسبب ما يعتبرونه اضطهادًا ضد الأويغور في شينجيانج.
قبل صدور التشريع، كانت هناك عقوبات صادرة عبر الإجراءات الإدارية على شركات وأفراد، وبعد القانون بات هناك دعمًا قانونيًا ونظامًا تشريعيًا يعمل على تزويد السلطات المختصة التابعة لمجلس الدولة بالمشاركة في صياغة واتخاذ قرار وإنفاذ الإجراءات المضادة التي تتخذها دولة ما –دون تسمية دولة بعينها- على الأفراد والشركات التي اتخذت إجراءات تمييزية ضد المواطنين والمنظمات الصينية.

تأثيرات متشابكة

ترى تحليلات أن القانون يمكن أن يتوسع ليشمل ليس فقط الأفراد والمنظمات بل أفراد أسرهم أيضًا، كما أنه بذلك يزيد من القوة العقابية للإجراءات التي تقوم بها الصين، لأن نطاقه الواسع يعني أنه يمكن معاقبة الكثير من الناس، مثل العلماء والمحللين والمفكرين، لدعمهم العقوبات المفروضة على الصين. وإذا استمرت الحكومات الأجنبية في الضغط بفرض عقوبات صارمة، فمن المتوقع أن الصين ستبدأ في نشر تلك القوانين المناهضة للعقوبات لإثبات قوتها القسرية.
من جانب آخر، يمكن أن يتعرض كبار المسؤولين التنفيذيين في الكيانات المدرجة على قائمة الإجراءات المضادة للضغط، مع ما قد يترتب على ذلك من آثار على عدد كبير من الأشخاص والشركات، وهو ما قد يمنعها في المستقبل من الوصول للسوق الصينية، وينتج عنه أيضًا قطع المواطنين والمؤسسات الصينية للعلاقات مع المنظمات غير الحكومية ومراكز الفكر.
بالإضافة إلى ذلك، سيكون القانون قابلاً للتطبيق في هونج كونج، وهو ما تحذر منه غرفة التجارة الأمريكية لما سيكون له تأثير على تآكل استقلالية المدينة، وإضعاف مكانتها هي ومكاو في التجارة الدولية.

فجوات تنفيذية


تتجه تحليلات إلى أن النظام القانوني في الصين الخاص بالعقوبات ليس على مستوى تشابكات الهيكل الأمريكي الذي نشأ مع قانون التجارة مع العدو عام 1917، الذي يمنح سلطة الإشراف أو تقييد أي وكل التجارة بين الولايات المتحدة وأعدائها في أوقات الحرب. كما أن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأمريكية مسؤول عن إدارة العقوبات الأمريكية، وذلك بالاشتراك مع وزارة الخارجية ووكالات أخرى. بالإضافة إلى ذلك، عندما يبدأ الرئيس العقوبات بأمر تنفيذي، يتم إعلان حالة الطوارئ الوطنية بموجب قانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية، بالإضافة إلى تحديد الأطراف المستهدفة من العقوبات.
ومن ضمن الفجوات التنفيذية، فلم يتم توضيح المقصود بالإجراءات التمييزية التي ذكرها القانون، كما تظهر أيضًا مسألة مدى امتثال الشركات الأجنبية العاملة في الصين، لأنه قد يخلق مشكلات للشركات متعددة الجنسيات التي لن تمتثل للعقوبات، وسيكون الأمر مشابهًا لقانون الحظر الأوروبي الذي ألغى تأثير العقوبات الأمريكية على إيران داخل الاتحاد الأوروبي. وعليه، تقع الشركات الأجنبية بشكل منتظم في مرمى التوتر بين الصين والدول الغربية، وقد يتم إجبارهم على اختيار جانب واحد، وسيزداد القلق بين الشركات الأجنبية قد يؤدي إلى مزيد من الانفصال.
كذلك، يمكن أن تكون هناك مشكلات غير قابلة للتسوية للشركات الأجنبية فيما يتعلق بتضارب القانون بين السلطات القضائية الأجنبية والصين، ويمكن أن يوفر مجالًا لمطالبات التعويض ضد الشركات متعددة الجنسيات والصينية التي يُنظر تتعامل مع الأمر على أنه عبارة عن مساعدات ومحرضات إذا للعقوبات الأجنبية للتميز ضد الصين ومصالحها الوطنية.

ختاما

يعد القانون بمثابة تجميع للإجراءات السابقة التي لم يكن لها أساس قانوني كاف؛ وتفويض الوكالات الإدارية والمؤسسات القضائية الصينية بتنفيذ العقوبات، والتحول من جانب الانتقام الاقتصادي بشكل غير رسمي. فهو يُظهر بالأساس موقف الحكومة الصينية رسميًا من الإجراءات المُتخذة ضدها، وأنها لن تستسلم دون حماية شركاتها ومواطنيها من العقوبات الأجنبية، حتى لو تسبب ذلك في التأثير سلبًا على علاقات الصين الخارجية. ويمكن للقانون أن يفتح مجالًا للدخول مع الولايات المتحدة في مرحلة جديدة من النقاش الاستراتيجي قد تعود بالنفع على الصين في نهاية الأمر.

Scroll Up