توصل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة في ١٥ يونيو ٢٠٢١ لهدنة مدتها خمس سنوات من شأنها أن تعلق التعريفات الجمركية البالغة قيمتها 11.5 مليار دولار والمفروضة على منتجات تتراوح من النبيذ الأوروبي إلى التبغ الأمريكي والتي ترتبط بالخلاف القائم بين شركتي تصنيع الطائرات “إيرباص” و”بوينج” بعد نزاع دام لمدة سبعة عشر عامًا.

بموجب الاتفاق حول إطار عمل تعاوني لتنظيم قطاع تصنيع الطائرات، أعرب الجانبان عن نيتهما فيما يلي:

  • تشكيل الجانبين مجموعة عمل للطائرات المدنية، بقيادة وزير التجارة لكل طرف، ليجتمع فريق العمل عند الطلب أو على الأقل كل 6 أشهر.
  • سيسعى فريق العمل إلى التغلب على أي خلافات قد تنشأ بين الجانبين، مناقشة وتطوير الإجراءات المناسبة لحل الخلاف.
  • توفير التمويل لكبار منتجي الطائرات المدنية مع عدم الإضرار بالمنافسة.
  • توفير تمويل البحث والتطوير من خلال عملية مفتوحة وشفافة مع إتاحة نتائج البحث والتطوير على نطاق واسع إلى الحد الذي يسمح به القانون.
  • الالتزام بعدم تقديم هذا التمويل في نفس الوقت مع  تطبيق الإعفاءات الضريبية أو تقديم أي نوع آخر من الدعم لمنتجيهم مما قد يضر الجانب الآخر.

كيف بدأ الخلاف؟

  •  يرجع التوتر بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة إلى عام 2004 عندما قدمت الأخيرة دعوى لمنظمة التجارة العالمية تتهم من خلالها التكتل الأوروبي بتقديم دعم وإعانات غير قانونية لشركة “إيرباص” بقيمة 22 مليار دولار (19.4 مليار يورو) من الإعانات غير القانونية تسببت في حدوث أضرار تبلغ قيمتها مليارات الدولارات سنويًا.
  • ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل رفع الاتحاد الأوروبي دعوى في نفس العام ضد الولايات المتحدة بشأن الإعلانات التي تقدمها لشركة “بوينج” زاعمًا أن شركة بوينج تلقت 23 مليار دولار من الإعانات “المُضرة للتجارة”.
  • وبحلول عام 2005، بدأت منظمة التجارة العالمية تحقيقين في الدعم الحكومي المقدم لـ”بوينج” و”إيرباص” بعد فشل المفاوضات الثنائية، لتصدر حكمًا مؤقتًا عام 2009 بأن بعض المساعدات الأوروبية المقدمة لشركة “إيرباص” تنتهك قوانين دعم الصادرات، وعلاوة على ذلك أيدت هيئة الاستئناف في المنظمة  الحكم ضد دعم الولايات المتحدة لشركة “بوينج”.
  • واستمر الخلاف بشكل دائم حتى عام 2018 حينما حكمت منظمة التجارة العالمية مرة أخرى أن الاتحاد الأوروبي أخفق في وقف جميع الإعانات لشركة “إيرباص” بما أسهم في استمرار الضرر المُلحق بشركة “بوينج”، كما هددت الولايات المتحدة بفرض عقوبات على منتجات أوروبية بمليارات الدولارات.
  • وفي 2019 منح المحكمون في منظمة التجارة العالمية الولايات المتحدة الحق في فرض رسوم جمركية على 7.5 مليار دولار من واردات الاتحاد الأوروبي السنوية، لتفرض واشنطن في أكتوبر من نفس العام رسومًا جمركية بنسبة 10٪ على معظم طائرات “إيرباص” و 25٪ رسومًا على العديد من المنتجات التي تتراوح من الجبن إلى الزيتون والمشروبات الروحية.
  • وفي قرار مماثل بعد عام، سمحت منظمة التجارة العالمية لبروكسل بفرض ضرائب على المنتجات المستوردة من الولايات المتحدة. ومنذ ذلك الحين يفرض الاتحاد الأوروبي تعريفات جمركية على ما قيمته 4 مليارات دولار من الصادرات الأميركية.
  • ·         ولهذا قررت واشنطن رفع الرسوم الجمركية على الطائرات المستوردة من الاتحاد الأوروبي إلى 15% في ظل استمرار الأضرار التي لحقت بشركة “بوينج” بسبب الدعم المقدم لـ”إيرباص” فضلًا عن الأزمات التي تعرضت لها الشركة بسبب  وقوع حادثتين لطائرتين من طراز “بوينج 737 ماكس” أسفرت عن توقف إنتاج الطائرة حتى تنتهي التحقيقات.
  • وأخيرًا، اشتعل الخلاف مجددًا بين الجانبين أكتوبر 2020 عقب تهديد الولايات المتحدة عزمها فرض ضرائب عقابية إضافية على منتجات أوروبية بقيمة 3.1 مليارات دولار، لترد المفوضية الأوروبية على التهديد الأميركي، ملوّحة بخطوة مشابهة.
  • وفيما يلي شكلًا توضيحيًا بأبرز أحكام منظمة التجارة العالمية المتعلقة بشركتي “إيرباص” و”بوينج”:
  • يتضح من الشكل السابق أنه بموجب أحكام منظمة التجارة العالمية، استطاع الاتحاد الأوروبي أن يفرض رسومًا قدرها 4 مليارات دولار على الولايات المتحدة، وفي المقابل فرضت واشنطن نحو 7 مليارات دولار على واردات الاتحاد الأوروبي في ظل الخلاف القائم بينهما.

دوافع تسوية الخلاف

جاء الاتفاق على تسوية الخلاف بين شركتي “إيرباص” و”بوينج” بعدما شهدت الساحة العالمية العديد من الأحداث التي أزادت من أهمية التوصل لهذا الاتفاق، والتي تتمثل أهمها فيما يلي:

  • رغبة الولايات المتحدة في تعزيز علاقاتها الثنائية مع الاتحاد الأوروبي لمواجهة تنامي قوة الصين لاسيما بعدما أصبحت الأخيرة الشريك التجاري الأول للتكتل الأوروبي خلال 2020 مزيحة واشنطن من رأس القائمة، حيث أعلن الرئيس الأمريكي “بايدن” الاتفاق مع الاتحاد الأوروبي على العمل معاً بهدف التصدي للممارسات غير التجارية للصين في قطاع الطيران، التي تمنح الشركات الصينية أفضلية غير عادلة مؤكدًا على أهمية توطيد العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.
  • استغلال الولايات المتحدة للخلاف الحادث بين الاتحاد الأوروبي والصين بعد أن صوت البرلمان الأوروبي لصالح تعليق الاتفاق الاستثماري الضخم بين الجانبين والذي تم التوصل إليه ديسمبر الماضي بعد قرابة سبع سنوات من المفاوضات، وقد جاء القرار الأوروبي على خلفية عقوبات فرضتها بكين على نواب أوروبيين ردا على إجراءات أوروبية مشابهة.
  • سعي الصين إلى إزاحة الاحتكار الثنائي للطائرات المدنية بين “بوينج” و”إيرباص”، بعدما أعلنت مايو الماضي عن اقترابها من تصنيع طائرات منافسة لـ”إيرباص” و”بوينج” لاسيما في ظل اعتمادها على الشركتين في توفير الطائرات، حيث استحوذت على خُمس مبيعات “إيرباص” في 2020، ومن المقرر تسليم أول طائرة نفاثة أحادية الممر “C919” بحلول نهاية العام.
  • والجدير بالذكر أنه على مدى السنوات الأربع الماضية، أجرت الشركة الصينية للطائرات التجارية “كوماك” -التي تديرها الدولة والتي تلقت ما يتراوح بين 49 إلى 72 مليار دولار من الإعانات الحكومية- رحلات تجريبية لطائرتها “C919” المنافسة المحتملة لطائرتي “إيرباص A320″ و”بوينج B737”.
  • ولهذا أثار المسؤولون في “إيرباص” المخاوف بشأن أن تصبح الصين منافسًا شرعيًا في صناعة الطائرات العالمية بحلول نهاية العقد الزمني الحالي، مما يقلب الاحتكار الثنائي الطويل الأمد بين الشركة الأوروبية وشركة “بوينج”.

تداعيات التوصل لاتفاق أوروبي – أمريكي

  • فور الإعلان عن التوصل لهذا الاتفاق، ارتفعت أسهم شركة “إيرباص” بنحو 0.9% مما رفع مكاسب السهم خلال العام الجاري إلى 27%، كما صعدت أسهم “بوينج” بحوالي 0.7% لتصل مكاسب السهم إلى 15% منذ بداية العام.
  • استمرار التعاون بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة في العديد من المجالات الأخرى منها الاستثمار في الداخل والخارج ونقل التكنولوجيا.
  • السعي لحل الخلافات بين الطرفين حول صادرات الصلب والألمنيوم الأوروبية، حيث يرغب الاتحاد بتسوية هذه المسألة بحلول ديسمبر المقبل.
  • ومن الممكن أن يعطي هذا الاتفاق دفعة للصين للمضي قدمًا في خططها التوسعية في قطاع الطيران لمنافسة “بوينج” و”إيرباص” لاسيما عقب التوصل لهذا الاتفاق.
Scroll Up