بعد مرور أكثر من خمسة أشهر على اقتحام الكونجرس الأمريكي على أيدي جماعات يمينية متطرفة، ومؤيدين للرئيس السابق دونالد ترامب ، أصدرت إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن، الثلاثاء، الماضي الاستراتيجية الوطنية الأمريكية الأولى من نوعها، لمواجهة ما وصفة ” الإرهاب المحلي” وذلك لتنسيق الجهود المحلية للحد من التهديد المتزايد لجرائم العنف داخل الولايات المتحدة الأمريكية.

كانت مكافحة الإرهاب الداخلي على قمة أولويات الرئيس الأمريكي جو بايدن، حيث ذكر في خطاب تنصيبه، أهمية مكافحة التطرف السياسي والتفوق الأبيض والإرهاب المحلي، ووجه فريق الأمن القومي في اليوم الأول من إدارته، لقيادة مراجعة شاملة لمدة 100 يوم لجهود الحكومة الأمريكية للتصدي للإرهاب الداخلي بعد أن زادت حدته في السنوات الأخيرة.

ركائز الاستراتيجية

دعت الاستراتيجية إلى تنسيق الجهود بين جهات حكومية عدة مثل وزارة العدل ومكتب التحقيقات الفدرالي (إف بي آي) ووزارة الأمن الداخلي، وكذلك التنسيق بين أجهزة إنفاذ القانون الفدرالية والمحلية على مستوى الولايات والمقاطعات، وأكدت أهمية العمل على زيادة تبادل المعلومات بين الجهات الحكومية وشركات التكنولوجيا ومنصات التواصل الاجتماعي.

وتعرف الاستراتيجية ، ” الإرهاب الداخلي” على أنه: “الأنشطة التي تنطوي على أعمال خطيرة على حياة الإنسان. ويشمل الإرهاب الداخلي أيضا ما ينتهك القوانين الجنائية للولايات المتحدة أوى أي دولة، فضلا عن تهديد أو تخويف أو إكراه المدنيين للتأثير على سياسة الحكومة”.

استندت الخطة المكونة من 32 صفحة، على أربع ركائز كبرى بهدف منع وعرقلة وردع الإرهاب المحلى مع الحفاظ على الحريات الفردية، وهي:

  • تحسين تقاسم المعلومات على المستويين الفيدرالي والمحلي بشأن المجموعات المتطرفة أو الناشطين المتطرفين. وقد أنشأت وزارة العدل والشرطة الفيدرالية نظاماً وطنياً جديداً للإبلاغ عن القضايا المرتبطة بالإرهاب.
  • معالجة تجنيد الناشطين والدعوات إلى العنف، بالتعاون مع مجموعات التكنولوجيا العملاقة وشبكات التواصل.
  • ستعمل الحكومة على تحسين نظام ملاحقة المتطرفين، من خلال تجنيد محللين ومحققين ومدعين عامين إضافيين. كما ستتأكد من أن قوات الشرطة والجيش لا توظف ناشطين متطرفين.
  • محاربة العوامل المساهمة على المدى الطويل في نشر الإرهاب وهي “التفاوت الاقتصادي، وأولئك الذين يشعرون بأنهم مهمشون من اقتصاد القرن الـ 21 والعنصرية البنيوية وانتشار الأسلحة”.

كما دعت الاستراتيجية إلى تعزيز عمليات الفحص والتدقيق لأفراد إنفاذ القانون والعسكريين لاستئصال “التهديدات الداخلية” في صفوفهم، والعمل على تطوير آلية تسمح للمحاربين القدامى في الجيش الأمريكي بالإبلاغ عن محاولات التجنيد من قبل الجهات المتطرفة العنيفة.

افتقار الاستراتيجية إلى دعم قانوني

شهدت الولايات المتحدة الامريكية زيادة ملحوظة في الحوادث الداخلية.   فقد تصاعدت حوادث الإرهاب المحلي إلى مستويات مرتفعة لم تشهدها البلاد من قبل، والتي كانت مدفوعة بشكل رئيسي من قبل المتطرفين من أقصى اليمين بما في ذلك المتعصبين لسيادة العرق الأبيض، والمعادين للمسلمين، والمعارضين للحكومة. ورسمت إحصاءات الجريمة صورة مقلقة، حيث ارتفعت جرائم القتل في العديد من المدن الأمريكية الكبرى في عام 2020، وزادت بنسبة 37% تقريبا عن إجمالي عام 2019، وذلك وفقا لتحقيق صحفي نشرته صحيفة واشنطن بوست في إبريل 2021.

وعلى الرغم من اعتراف الاستراتيجية بتفاقم خطر الإرهاب داخل الولايات المتحدة، إلا أنها تخلو من مقترحات لتشريعات جديدة تتعلق بسن قوانين مكافحة الإرهاب وتشغيله. فالولايات المتحدة الأمريكية ليس لديها قانون لمكافحة الإرهاب الداخلي، وغالبا ما يتم التعامل مع هذه القضايا تحت مظلة جرائم القتل والاعتداء والكراهية.

لذا كان من المتوقع أن تضيف الاستراتيجية قانونا محليا للإرهاب، ولا سيما وأن الرئيس بايدن قد دعا الى مثل هذا القانون أبان حملته الرئاسية. وربما يرجع ذلك الى انقسام الداخل الأمريكي ما بين مؤيد ومعارض لهذا الأمر، فالمؤيدون يطالبون بتعزيز الضوابط القانونية للحد من جرائم العنف الداخلية، في حين يخشى مشرعون وحقوقيون من أن تنتهك أية قوانين جديدة تتعلق بالإرهاب المحلى حقوق الخصوصية، وحرية التعبير المكفولة دستوريا.

استمرار معضلة حيازة الأسلحة

 ما زالت معضلة حيازة الأسلحة التي تمارس بها أعمال العنف المحلى قائمة بموجب الدستور الأمريكي، الذي يمنح الحق في حمل وشراء الأسلحة دون قيود معقدة، حيث نص التعديل الثاني للدستور عام 1791على أن “وجود قوات شعبية (ميليشيا) جيدة التنظيم ضروري لأمن أية ولاية حرة، حق الأفراد في اقتناء أسلحة وحملها لا يجوز انتهاكه”. وعلى مدار السنوات الماضية، كانت هناك مطالب بتقييد شراء السلاح ولا سيما بعد وقوع العديد من الجرائم بسببها.

فبينما انشغلت الشعوب في تدبير الإجراءات الاحترازية للوقاية من فيروس كورونا، شهدت محلات بيع الأسلحة في الولايات المتحدة إقبالا كبيرا وحققت أرباحا غير مسبوقة خلال عام 2020، بعد أن أقبل عدد كبير من الأمريكيين على شراء الأسلحة للدفاع عن أنفسهم ضد الإضرابات الاجتماعية المحتملة جراء الأزمة.

وقد أفادت وسائل إعلام أمريكية بأن مبيعات الاسلحة ارتفعت بشكل هستيري، وأن أرباح الطلبات على شراء السلاح خلال شهر فبراير 2020 زادت 309% مقارنة بنفس الشهر من العام 2019. كما أفاد تقرير نشرته صحيفة واشنطن بوست الامريكية بأنه تم بيع أكثر من 2 مليون قطعة سلاح في يناير الماضي في الولايات المتحدة، بزيادة قدرها 80%، وهي ثاني أعلى نسبة مبيعات منذ عام 1998 بعد شهر مارس 2020.

وبعد سلسلة حوادث إطلاق النار التي شهدتها الولايات المتحدة الامريكية خلال الأشهر الماضية- على سبيل المثال: الهجوم الذي وقع في ولاية تكساس في 12 من يونيو الجاري، وأسفر عن إصابة 13 شخص. وفى 19 مايو الماضي، وحادث إطلاق نار على حافلة ركاب جرى بها احتفال بعيد ميلاد أحد الركاب في ولاية كاليفورنيا، والذي أسفر عن مقتل امرأتين وإصابة 5 أخريات- دعا الرئيس جو بايدن الكونجرس لاتخاذ إجراءات عاجلة لإنهاء ما وصفة ” وباء العنف المسلح في البلاد”، كما شدد على بذل المزيد من الجهود التشريعية لتفادى حوادث إطلاق النار. بينما يتواصل خلاف الديمقراطيين والجمهوريين على ما يكفله الدستور الأمريكي كحق مقدس للمواطنين بحمل السلاح.

 فالحزب الجمهوري يميل إلى رفض وجود أية قيود على شراء الأفراد للأسلحة والذخائر أو الرقابة على ذلك ويدعم فكرة الدفاع عن النفس، في المقابل فإن الديمقراطيين يؤكدون ضرورة وضع قيود على شراء وبيع الأسلحة وأن تسيطر الحكومة على هذا الأمر.

ختاما

 على الرغم من جهود إدارة بايدن للحد من ظاهرة العنف الداخلي التي تفاقمت في الآونة الأخيرة، إلا أن هذه الجهود لا تزال بحاجة إلى إدخال تشريعات وقوانين ضابطة لتؤتي ثمارها، ويمكننا القول إن ظاهرة الإرهاب الداخلي ستظل تؤرق الإدارات المتعاقبة للولايات المتحدة الأمريكية، طالما افتقرت الاستراتيجيات الوطنية لمواجهتها إلى الدعم القانوني والتوافق السياسي اللازمان لتكوين مظلة تشريعية قادرة على التصدي لتلك الظاهرة.