شكٌل قرار نائب رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق أول “محمد حمدان دقلو” تشكيل قوة عسكرية مشتركة في السابع عشر من يونيو، نقطة جوهرية في خضم الترتيبات الداخلية لإقرار الأمن والسلام الداخلي وإعادة ترتيب البيت من الداخل خاصة في ضوء انتشار المجموعات المسلحة منذ عهد “البشير”، ويأتي ذلك القرار تنفيذًا لاتفاق جوبا لسلام السودان وإقرارًا للأمن والسلام في الولايات المختلفة، وقد تم إسناد تلك المهمة إلى الفريق “ياسر عبد الرحمن العضا” عضو مجلس السيادة السوداني.

ولعل هذا القرار يأتي في ضوء سياق محلي وإقليمي متشابك ومعقد، ويستهدف بصورة جوهرية تحقيق السلام داخل السودان بما يحقق قدرًا كبيرًا من الاستقرار الداخلي وتماسك الجبهة الداخلية ويساهم بصورة كبيرة في الدفع بمسار المرحلة الانتقالية التي تمر بها السودان.

سياق ودلالات

إن المتأمل لقرار تشكيل القوة العسكرية المشتركة الصادر عن نائب مجلس السيادة يجد أنه يأتي في ضوء جملة من المتغيرات الداخلية، أبرزها التفاهمات الأخيرة التي حدثت مع الجماعات المختلفة ونتج عنها إقرار المصالحة والسلام الداخلي مع الحركات المسلحة والتي جاء آخرها مع الحركة الشعبية “جناح الحلو” في مارس 2021.

ولعل هذا القرار يأتي كذلك في ضوء تفاقم الأوضاع على الحدود السودانية الإثيوبية، ومساعي الخرطوم لاسترداد كامل أراضيها المغتصبة من إثيوبيا، وهو ما يتطلبه العمل على خلق جبهة داخلية قوية وداعمة للقيادة السياسية والتحركات السودانية في ضوء سيادتها وكذلك تسكين الوضع الداخلي ومنع تفاقم ظاهرة الجماعات المسلحة.

الأمر الآخر وثيق الصلة؛ أن هذا القرار يأتي في أعقاب تكرار مشاهد الاشتباكات القبلية المسلحة وخاصة في منطقة “الجنينة” عاصمة ولاية غرب دارفور والتي جاء آخرها في أبريل 2021، وخلٌفت ضحايا بلغ عددهم قرابة (132) قتيل، وما تبعها من فرض حالة الطوارئ داخل تلك الولاية ضمن المساعي المختلفة لحفظ الأمن، ولعل هذا الأمر أحدث ربكة أمنية خاصة في ضوء الاشتباكات الممتدة بين القوات التابعة للدعم السريع والحركات المسلحة المتواجدة في هذا النطاق.

الأمر الثالث؛ أن هذا القرار يأتي كذلك في أعقاب إعلان مجلس الأمن الدولي تمديد تفويض البعثة الأممية “يونيتامس” بالسودان لمدة عام آخر وذلك لتحقيق وتنفيذ عملية السلام ودعم مسار التحول الديمقراطي، ولعل الإسراع بتشكيل تلك القوات يأتي كذلك في أعقاب حالة التخوف والقلق التي أبداها رئيس البعثة الأممية “فولكر بيريتس” بشأن تأخير تنفيذ بنود اتفاق السلام الموقع مع الجبهة الثورية والخاصة بتنفيذ الترتيبات الأمنية وعلى رأسها تشكيل القوة العسكرية المشتركة، خاصة وأن تلك القوة ستكون بمثابة أداة تحل محل قوات حفظ السلام الدولي التي انسحبت من السودان والتي كانت معروفة باسم “يوناميد”.

اختصاصات وأهداف متعددة

تتمثل الاختصاصات المختلفة للقوة العسكرية المشتركة في ضوء ما جاء بالقرارات رقم (126) لسنة 2021 المتعلق بتشكيل اللجنة الوطنية العليا لمتابعة تنفيذ اتفاق جوبا للسلام وكذا قرار الاجتماع الدوري رقم (4) للجنة الوطنية، قوام تلك القوات المشتركة (12 ألف جندي من المرجح أن يزيد إلى نحو 20 ألف جندي) نصفهم من القوات النظامية والنصف الآخر من التابعين للتنظيمات المسلحة بعد إعادة دمجهم في الجيش.

وتعمل تلك القوة على وضع تصور متكامل لخطة حسم التفلتات الأمنية والعمل على فرض هيبة الدولة في كافة أرجاء السودان، فضلًا عن امتداد ذلك الاختصاص ليضع إيجازًا أمامها طلب الدعم بالقوات أو الأسلحة والمساعدات اللوجستية الأخرى من أي من المراكز، مع إلزامية أطراف العملية السياسية بضبط التابعين لهم وتحديد أماكن تجمعاتهم.

وفي ضوء ذلك واتصالًا بتلك الاختصاصات؛ يأتي هذا القرار ليُحقق قدرًا كبيرًا من التماسك الداخلي خاصة في إطار تضمين تلك القوات المشتركة على القوات المسلحة وقوات الدعم السريع وقوات الشرطة وجهاز المخابرات وممثلين لأطراف العملية السياسية، تحت مظلة ووعاء تشريعي وقانوني، ولعل هذا المزيج من شأنه أن يحقق التفافًا واسعًا حول مخرجات عملية السلام الداخلية ودعمًا للسلطة الانتقالية وتوحيد منابع الأسلحة المختلفة ومركزيتها، وذلك لقطع الطريق أمام بروز جماعات مسلحة من شأنها أن تقوض مسار السلام الداخلي وتهدد الأمن السوداني.

الهدف الآخر من وراء تشكيل تلك القوة؛ هو العمل على تقويض الجماعات المسلحة التي تفشت بصورة غير مسبوقة خلال عهد “البشير” وكانت عاملًا جوهريًا وراء عرقلة السلام الداخلي خاصة في ضوء سيولة الأسلحة التي تحظى بها تلك الجماعات، وذلك لقطع الطريق أمام احتمالية اندلاع أي حرب أهلية داخلية.

واتصالًا بالهدف المشار إليه؛ يأتي هذا القرار ليعمل على سحب كافة القوات ذات الطابع العرقي من المناطق الحرجة وذات طبيعة صراعية واستبدال ذلك بالقوات المشتركة التي تجمع قوات متنوعة وذلك تحقيقًا لحفظ الأمن في المناطق ذات التعدد القبلي، علاوة على تقويض مخططات جماعة الإخوان والقوى المناهضة للانتقال السياسي التي تستهدف زعزعة الأمن ونشر الفوضى والتي اتهمتها الدولة في الفترة الأخيرة بمساعيه نحو إحداث اضطراب داخلي.

ويأتي رسم خارطة طريق تدريجية يتم من خلالها دمج كافة التنظيمات والقوات المسلحة في كيان واحد هي الهدف الأسمى الذي يسعى السودان إلى تحقيقه، بما يحقق وضعية نظامية للقوات المختلفة تحت مؤسسة واحدة وواضحة ينص عليها الدستور، خاصة وأن تعدد الجهات الأمنية أوجد مشكلة كبيرة في العمق السوداني أثرت على الأمن والاستقرار.

ختامًا؛ تُعد خطوة تشكيل القوة المشتركة رغم التحديات التي تواجهها من بينها الموارد وطبيعة التكوين الداخلي لها، من بين الخطوات الهامة التي تخلق أرضية مشتركة وحالة من الثقة حول الإرادة السياسية للمكونين العسكري والمدني في إقرار السلام مع الجبهات الثورية تنفيذ لإتفاق السلام الموقع في أكتوبر 2020، وهو في مجمله يصب في تصويب المسار الديمقراطي ودعم عملية التحول التي يشهدها السودان، وتُعظم من المكاسب السودانية في الداخل والخارج.

ويبقى التحدي الذي يراه البعض حول تلك القوات يتمثل في خلق نسيج متكامل بين القوات المشتركة وتحديد المهام والاختصاصات، خاصة وأن تشكيل قوة مشتركة مختلطة من كافة الجهات هو بمثابة تقليل لدور الشرطة السودانية التي تُعد الجهة المناط بها حفظ الأمن الداخلي في أواسط المدنيين –كما يراها البعض-، إضافة إلى ضرورة إعداد الدورات التدريبية المختلفة لها، خاصة وأن هناك آراء ترى أن إشراك قوات وجماعات غير منضبطه وتفتقد للعقيدة المهنية والتدريبات اللازمة أحد معوقات تنفيذ تلك القوة لمهامها المنصوص عليها في ضوء القرارات الصادرة بتشكيلها، ولعل الإرادة السياسية والقدرة على الانسجام بين القوات ووضوح الاختصاصات يعزز من فرضية نجاحها في تحقيق ما هو مناط بها.

Scroll Up