المقصود بعمالة الأطفال هو أي عمل يحرم الأطفال من طفولتهم وإمكاناتهم وكرامتهم، ويضر بنموهم البدني والعقلي. ووفقًا لمنظمة العمل الدولية، فإن الأعمال التي يقوم بها الأطفال لا تُصنف كلها تحت عمل الأطفال الذي يُستهدف القضاء عليه؛ إذ إن مشاركة الأطفال أو المراهقين في الأنشطة التي لا تؤثر على صحتهم أو نمائهم الشخصي أو لا تتعارض مع دراستهم، مثل المساعدة في الأعمال التجارية العائلية، أو كسب مصروف للجيب عقب ساعات الدوام المدرسي أو أثناء العطلة الدراسية يُنظر إليها نظرة إيجابية لأنها تساهم في تنمية الأطفال وتزويدهم بالمهارات والخبرات اللازمة، وتساعدهم ليصبحوا أعضاءً منتجين في المجتمع أثناء حياتهم البالغة. 

وبالتالي فإن عمالة الأطفال المقصودة هي التي تحدث ضررًا عقليًا أو جسديًا أو اجتماعيًا أو أخلاقيًا للأطفال يتعارض مع تعليمهم من خلال حرمانهم من فرصة الذهاب إلى المدرسة أو إجبارهم على ترك المدرسة، أو مطالبتهم بمحاولة الجمع بين الحضور إلى المدرسة والعمل الشاق المفرط.

وأوضحت المادة 3 من توصية منظمة العمل الدولية رقم 190 بأن عمالة الأطفال الخطرة هي العمل الذي يحتمل، بحكم طبيعته أو الظروف التي يؤدى فيها، أن يضر بصحة الأطفال أو سلامتهم أو أخلاقهم مثل:

  • العمل الذي يعرض الأطفال للاعتداء الجسدي أو النفسي أو الجنسي.
  • العمل مع الآلات والمعدات والأدوات الخطرة، أو التي تنطوي على المناولة اليدوية أو نقل الأحمال الثقيلة.
  • العمل في بيئة غير صحية قد تعرض الأطفال لمواد أو عوامل أو عمليات خطرة أو لدرجات حرارة أو مستويات ضوضاء أو اهتزازات تضر بصحتهم.

العمل في ظل ظروف صعبة بشكل خاص مثل العمل لساعات طويلة أو أثناء الليل أو العمل حيث يكون الطفل محبوسًا بشكل غير معقول في مقر العمل.

عمالة الأطفال عالميًا

تقدر منظمة العمل الدولية  واليونيسيف أن هناك عددًا يتراوح بين 215 و264 مليون طفل دون سن 18 عامًا موجودون في سوق العمل. ويعمل كثير من هؤلاء بدوام كامل وفي ظروف بائسة وخطيرة غالبًا، وأكثر من نصفهم يعمل في بيئات خطرة أو يعاني من الاستعباد وغيره من أشكال العمل الجبري والأنشطة غير المشروعة، بما في ذلك تهريب المخدرات والدعارة، وكذلك التورط في النزاعات المسلحة”. وتُشير تقديرات اليونيسف إلى أن هناك حوالي 152 مليون طفل في سوق العمل، تتراوح أعمارهم بين 5 أعوام و14 عامًا في البلدان النامية، 72 مليون منهم يمارسون أعمالًا خطرة.

وتحتل أفريقيا المرتبة الأولى في عمالة الأطفال، إذ يصل عددهم إلى 72 مليون طفل. وتحتل منطقة آسيا والمحيط الهادئ المرتبة الثانية إذ يصل العدد إلى 62 مليون طفل. وبالتالي، يوجد في مناطق أفريقيا وآسيا والمحيط الهادئ معًا ما يصل إلى تسعة من كل عشرة أطفال مصنفين ضمن ظاهرة عِمالة الأطفال. بينما يتوزع العدد المتبقي بين الأميركتين (11 مليون) وأوروبا وآسيا الوسطى (6 ملايين).

ووفقًا لدراسة “عمل الأطفال في الدول العربية … دراسة كمية ونوعية” الصادرة عن جامعة الدول العربية بالتعاون مع منظمة العمل الدولية عام 2019 فإن إجمالي عدد الأطفال العاملين في الدول العربية يتضح وفقًا للشكل التالي.

في حين أن النسبة المئوية للأطفال ضمن عِمالة الأطفال هي الأعلى في البلدان منخفضة الدخل فوصلت إلى 23% بحسب البنك الدولي، فإن أعدادهم في الواقع أكبر في البلدان المتوسطة الدخل. فنسبة 9% من جميع الأطفال في البلدان ذات الدخل المتوسط المنخفض ونسبة 7% من جميع الأطفال في البلدان ذات الدخل المتوسط المرتفع منخرطون في العمل. وتشير الإحصاءات كذلك إلى أن 84 مليون طفل (يمثلون 56٪ من جميع الأطفال العاملين) يعيشون في البلدان المتوسطة الدخل، بينما يعيش 2 مليون طفل عامل في البلدان ذات الدخل المرتفع وفقًا لمنظمة العمل الدولية.

عمالة الأطفال في مصر

تنتشر عمالة الأطفال في مصر بصورة ملفتة، ووفقًا للخطة الوطنية لمكافحة أسوأ أشكال عمل الأطفال في مصر ودعم الأسرة (2018-2025)، يتضح أن معدل عمل الأطفال في المناطق الريفية أعلى بكثير عن المناطق الحضرية. ويبلغ ذروته في المناطق الريفية بصعيد مصر، تتبعها في ذلك المناطق الريفية بالوجه البحري ثم المحافظات الريفية الواقعة على الحدود. وبالنسبة للحضر تسجل المناطق الحضرية بصعيد مصر أعلى نسبة لعمل الأطفال، ويتبعها في ذلك المناطق الحضرية بالوجه البحري والمحافظات الحضرية.

ومن أهم الأمور التي تبرز بوضوح في المسح القومي لعمل الأطفال هو أكثر أنماط الأعمال الخطرة شيوعًا والتي يشتغل بها الأطفال في مصر وهي الزراعة (63%)، والعمل في المواقع الصناعية مثل التعدين والتشييد والصناعات التحويلية (18.59%)، فضلًا عن قطاع الخدمات (17.6%). ويتضمن قطاع الخدمات، الأطفال الذين يبيعون البضائع في الشوارع والذين يقدمون المشروبات في المقاهي، ومن يشتغلون بتوصيل طلبات المتاجر الصغيرة. ومن ناحية أخرى يُعدّ العمل المنزلي رابع أكثر أنواع المهن التي ورد ذكري وخاصة بالنسبة للفتيات اللاتي يعملن في منازل الآخرين. 

وبالتالي فأسوأ أشكال عمل الأطفال الأكثر شيوعًا في مصر: الزراعة، والمناجم والمحاجر، وصناعة الطوب والأعمال المتعلقة بالتشييد، والعمل في الشوارع والعمل المنزلي في منازل الغير وخاصة بالنسبة للفتيات.

ووفقًا لآخر مسح قومي لعمل الأطفال في مصر الذي أجراه الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء والبرنامج الدولي للقضاء على عمل الأطفال عام 2010، هناك 1.6 مليون طفل ما بين 12-17 سنة من إجمالي عدد الأطفال يعملون في مصر؛ أي ما يوازي 9.3% من الأطفال في مصر وهو ما يمثل طفلًا من بين كل عشرة أطفال. ويتعرض 82.2% منهم لظروف عمل سيئة وغير آمنة. وبلغت نسبة الأطفال العاملين لعدد ساعات أكثر من المسموح بها 16.9% من إجمالي عدد الأطفال العاملين. والنسبة أعلى بين الأطفال الإناث حيث بلغت 22.2% مقابل 15.4% للذكور.

وهناك علاقة طردية بين عمر الطفل وتعرضه لظروف عمل سيئة؛ فكلما زاد عمر الطفل ارتفع تعرضه لهذه الظروف. إذ إن 83% من جملة الأطفال الذكور العاملين (12-17 سنة) يتعرضون لظروف عمل سيئة، وترتفع هذه النسبة في الفئة العمرية 15-17 سنة لتصل إلى 89% بينما ترتفع النسبة بين الإناث في الفئة العمرية 15-17 سنة لتصل إلى 93%.

أسباب انتشار عمل الأطفال في مصر

يتم دفع الأطفال إلى العمل لأسباب مختلفة. ففي أغلب الأحيان، تحدث عمالة الأطفال عندما تواجه الأسر تحديات عديدة أو حالة من عدم اليقين من قدرة الوالدين على استيفاء متطلبات الأسرة وذلك لأسباب كثيرة في مقدمتها الظروف الاقتصادية الصعبة وتدنى المستوى الاجتماعي والتعليمي والثقافي للأسرة حيث ينعدم لدى الوالدين إدراك مدى أهمية التعليم في حياة أبنائهم، هذا بالإضافة إلى البطالة بين الآباء، وانخفاض دخل المشتغلين منهم الذي يدفعهم إلى سحب أطفالهم من المدرسة والزج بهم إلى سوق العمل.

أيضًا تزداد أعداد الأطفال العاملة في القرى والمحافظات التي تُعاني من الفقر وهشاشة البنية التحتية والتسرب من التعليم. بالإضافة إلى اتساع مسبِّبات التفكك الأسرى ونسب الطلاق المرتفعة.  علاوة على القصور في تطبيق العقوبة على من يُخالف قانون العمل وقانون الطفل من أرباب الأعمال. علاوة على الزيادة السكانية الكثيفة والتي تُمثل تحدي أمام الحكومات المصرية المتعاقبة، وشيوع ثقافة “العزوة” خاصًة في المحافظات الريفية فيتعمد الأب إنجاب عدد من الأبناء الذكور بصفة خاصة ويتم الدفع بهم إلى سوق العمل في سن مبكرة حتى يساهموا في تحمل نفقات الأسرة التي يتجاوز عددها في أغلب الأحيان الـ 8 أفراد.

تداعيات عمالة الأطفال

  • من الناحية المعرفية، تتأثر قدرات الطفل المعرفية نتيجة تسربه من التعليم ومخالطته للبالغين في سوق العمل وبالتالي انتقال التجارب والخبرات الغير مناسبة لعمر الطفل.
  • يتأثر الجانب العاطفي عند الطفل العامل فيفقد احترامه لنفسه وارتباطه الأسرى وتقبله للآخرين ويضعف تقديره الذاتي كفرد في المجتمع، وذلك جراء بعده عن الأسرة وبالتالي انعدام الحماية الأسرية، ونومه في مكان العمل وتعرضه للعنف من قبل صاحب العمل أو من قبل زملائه.
  • تتأثر صحة الطفل من ناحية التناسق العضوي، وذلك نتيجة الجروح والكدمات الجسدية وحوادث الاغتصاب…الخ من حوادث العمل التي قد يتعرض لها خلال فترة عمله وبالتالي يتأثر النمو الجسدي للطفل. 
  • من الناحية النفسية، يُهدد العمل المبكر للأطفال التكامل النفسي للطفل وخاصة الإناث اللاتي يعملن في خدمة المنازل، فتشعر بالدونية بالمقارنة بمن هن في نفس عمرها لاسيما في حاله تعرضها للتحرش من صاحب العمل، أيضًا يشعر الطفل بالانكسار وقت غضب صاحب العمل عليه والتعدي عليه بدنيًا ونفسيًا واضطراره للصمت للحفاظ على مصدر دخله. 
  • ومن الناحية الاجتماعية والأخلاقية، يتأثر الجانب الاجتماعي والأخلاقي للطفل تبعًا لمجتمع العمل الذي ينتمي إليه، فيتطبع بسلبياته في مراحل طفولته المبكرة كإدمان المخدرات والتدخين أو السرقة أو التلفظ بالألفاظ النابية. الخ.

وعليه؛ فتكاتف جميع الجهات المعنية سواء الحكومية والقضائية أو منظمات المجتمع المدني أصبح ضرورة ملحة اليوم للسيطرة على تضخم أعداد الأطفال العاملين في مصر، وتتمثل الجهود في ضرورة توسيع دائرة الحماية الاجتماعية وسبل توفير سبل الحياة الكريمة للأسر الفقيرة والأكثر فقرًا، مع تعزيز السياسات وتحسين سبل المعيشة المستدامة وفرص التعليم. 

ويتوازى ذلك مع تشديد القبضة الأمنية والرقابية على الأطراف المشتركة في هذه القضية بداية من الأسرة وحتى أصحاب الأعمال. أيضًا تفعيل القوانين المنظمة لعمالة الأطفال وذلك بالتعاون مع المجلس القومي للطفولة والأمومة، مع ضرورة إجراء المسح القومي لعمالة الأطفال سنويًا حتى تتوفر البيانات اللازمة لصناع القرار لتوفير برامج فعالة للحد من هذه الظاهرة بالإضافة إلى معرفة مدى تحقق وإنجاز الأهداف المحددة مسبقًا.