كشفت الزيارة التي قام بها رئيس الوزراء اليوناني “كيرياكوس ميتسوتاكيس” للقاهرة (21 يونيو) وما جاء بالمؤتمر الصحفي الذي عقده مع الرئيس “عبد الفتاح السيسي” عن حجم التنسيق والتناغم بين الطرفين في مختلف القضايا محل الاهتمام المشترك، وأكدت عمق العلاقات بين الطرفين، والروابط المتميزة التي تجمعهما. وفي هذا السياق، يمكننا الوقوف على أبرز الدلالات والرسائل التي طرحتها الزيارة، انطلاقًا من العلاقات التاريخية والممتدة بين البلدين في مختلف المجالات وعلى كافة الأصعدة.  

ذاكرة الماضي تُحفز تفاهمات الحاضر

 ثمة دلالات يمكننا الوقوف عليها من خلال زيارة رئيس وزراء اليونان إلى مصر، خاصة أنها تأتي قبل يومين من انعقاد مؤتمر برلين حول مسار ومستقبل الأزمة الليبية، وهي تسبق قمة الاتحاد الأوروبي (24-25 يونيو)، والتي قد تتطرق وفقًا لما هو مُعلن العلاقات الأوروبية التركية. وكذلك تأتي الزيارة وسط مساعي أنقرة المتواصلة للتقارب مع القاهرة، والعمل على تطبيع العلاقات بين البلدين، ومن هنا يمكن أن تؤكد الزيارة ومخرجات المؤتمر الصحفي أن العلاقة بين البلدين لن تتأثر بأية تقارب مستقبلي يمكن أن يتم، خاصة في ظل الثوابت المصرية الواضحة والمعلنة شرق المتوسط، والتي عبر عنها الرئيس “عبدالفتاح السيسي” خلال المؤتمر، الأمر الذي أكده وزير الخارجية المصري “سامح شكري” قبل نحو أسبوع من الزيارة ، إذ أكد الثقة المتبادلة بين الطرفين، وأن المباحثات الاستكشافية لا يجب أن تصبح مصدرًا للانزعاج بالنسبة لقبرص واليونان. 

وعليه يأتي توقيت الزيارة في وقت يشهد تفاعلات مؤثرة بالنسبة للجانبين. وفي هذا السياق يمكننا الوقوف على عدة دلالات فيما يلي:

أولًا: تأكيد الروابط التاريخية

المتابع للإرث التاريخي الذي يجمع مصر واليونان يدرك أن تلك العلاقة تشكلت على قدر كبير من الخصوصية، فقد قدمت الحضارة الإغريقية والفرعونية نموذجًا يجمع بين الحضارات والثقافات، إذ تعود العلاقة بين البلدين لما قبل الميلاد بنحو 300 عام، وذلك منذ نشأة الإسكندرية على يد الإسكندر الأكبر.

على ذات المنوال، تحظى العلاقات الدبلوماسية بين البلدين بتاريخ مشترك يعود إلى عام 1833، وهو ما يعني وجود عدد من القواسم المشتركة على مختلف الأصعدة الحضارية والدبلوماسية وصولًا للمستوى الشعبي، فتعد الجالية اليونانية في مصر من أكبر الجاليات والتي تصل إلى نحو 5 آلاف وفقًا لتقديرات “خريستو كافاليس” رئيس الجالية اليونانية في مصر. ودعمًا لتلك الروابط أطلقت الدولة المصرية (أبريل2018) مبادرة العودة للجذور للتأكيد على حدود التلاقي والعلاقة الضاربة بجذورها بين البلدين.

ثانيًا: تعزيز الشراكة الاستراتيجية

تدخل الزيارات المتبادلة بين الطرفين، في إطار دعم العلاقات الاستراتيجية وتعزيز المصالح المشتركة، إذ باتت تلك اللقاءات تأخذ نمطًا أقرب للنمط المؤسسي، وذلك عبر دورية الزيارات المتبادلة، وحرص الطرفين في استمرارها، إذ تأتي الزيارة بعد نحو 7 أشهر من زيارة الرئيس السيسي إلى العاصمة اليونانية “أثينا” (نوفمبر2020). وهي أيضًا تتماشى مع حجم التحول الذي طرأ على العلاقة بين البلدين سواء على المستوى الثنائي أو متعدد الأطراف خلال السنوات السبع الماضية التي شهدت طفرة غير مسبوقة في العلاقات.

ويعد توقيع اتفاق ترسيم الحدود البحرية وتعيين المناطق الاقتصادية الخالصة بين الطرفين (أغسطس 2020). علاوة على التعاون العسكري بينهما والمتمثل بشكل أساسي في عقد عدد من التدريبات والمناورات العسكرية المشتركة وفي مقدمتها “ميدوزا” والتي انطلقت نسختها الأولى في عام 2015 وصولًا للمناورة “ميدوزا “10 (ديسمبر 2020) والتي توسعت في عدد الدول المشاركة فيها.

ثالثًا: دعم الاستقرار في المتوسط

تعد مصر واليونان من الدول المحورية في منطقة شرق المتوسط، إذ يجمعهما عدد من التوافقات والرؤى المشتركة حول تلك المنطقة ذات الأهمية الاستراتيجية، والتي تدور بالأساس حول دعم استقرار منطقة شرق المتوسط، بعيدًا عن نمط العسكرة، مع ضرورة احترام السيادة البحرية للدول على مناطقها الاقتصادية الخالصة وفقًا لقواعد القانون الدولي للبحار.

وعليه يتبنى الطرفان نهجًا قائمًا على تعزيز التكامل ودعم التعاون لتحقيق الاستفادة القصوى من الموارد الهيدروكربونية بين دول حوض المتوسط، بدلًا من الدخول في حالة من الصراع والصدام والتي من شأنها أن تزعزع الاستقرار.

رابعًا: الحاجة لتوسيع آفاق التعاون

تشترك كل من القاهرة وأثينا في مسارات مختلفة للتعاون سواء على الصعيد الثنائي أو من خلال آلية التعاون الثلاثي والتي انطلقت في القاهرة (نوفمبر2014) بين مصر وقبرص واليونان، أو عبر تجمعات كبرى كعضوية الطرفين في منظمة غاز شرق المتوسط، أو من خلال “منتدى الصداقة” الذي تم تدشينه في العاصمة اليونانية (فبراير 2021).

ومن هنا تظهر مساعي وجهود البلدين لتوسيع آفاق التعاون بحيث يمتد لمساحات أخرى، سواء في قطاعات الطاقة ومشاريع الربط الكهربائي بين البلدين، أو دعم وتعزيز حركة السياحة، أو من خلال نقل الغاز الطبيعي للدول الأوروبية عبر اليونان.


خامسًا : التوافق حول القضايا المحورية

كشف المؤتمر الصحفي الذي عقد خلال الزيارة بين الرئيس عبد الفتاح السيسي ورئيس الوزراء اليوناني عن مستوى التوافق على القضايا المحورية سواء ما يتعلق بشرق المتوسط أو القضية الفلسطينية ودعم وتعزيز الاستقرار، وقد استحوذت الأزمة الليبية على جزء كبير من النقاش، إذ أعرب رئيس وزراء اليونان عن موقف بلاده المتوافق مع الرؤية المصرية والتي تدعم الاستقرار ومؤسسات الدولة والمسار السياسي الذي أفرزه مؤتمر برلين.

وكذا، تم تأكيد ضرورة سحب جميع القوات الأجنبية والمرتزقة من ليبيا، ما يشير إلى تطابق وجهات النظر في تلك القضية إذ ينظر لاستقرار الأوضاع في ليبيا وتسكين الصراع بوصفه جزءًا من الأمن القومي للبلدين. وأفرز المؤتمر أيضًا حدود التوافق حول أزمة سد النهضة، وموقف أثينا وتأكيدها ضرورة التوصل إلى اتفاق عادل يحفظ حقوق مصر والسودان التاريخية.

سادسا: العمل على دفع العلاقات الاقتصادية

تنظر اليونان إلى مصر بوصفها بوابة للعبور للقارة الإفريقية. وتعد اليونان بالنسبة لمصر مدخلًا مهمًا للقارة الأوروبية، خاصة فيما يتعلق باستراتيجية مصر نحو التحول إلى مركز إقليمي للطاقة. علاوة على ذلك يعمل الطرفان على تعميق وتعزيز الروابط الاقتصادية فيما بينهما، إذ تحتل اليونان المركز الخامس بالنسبة لدول الاتحاد الأوروبي من حيث حجم استثماراتها في مصر والتي تصل لنحو 3 مليار دولار وفقا للسفير اليوناني بالقاهرة “نيقولاوس جاريليديس “.

فقد بلغت المشاريع الاستثمارية لليونان في مصر نحو 104 مشروعًا بين القطاعات الخدمية والإنتاجية، ومعدل التبادل التجاري بين البلدين ينمو بشكل ملحوظ خاصة في السنوات الماضية، وهو ما انعكس على حجم الصادرات والواردات فيما بينهما. ومن المتوقع أن يعمل الطرفان على تعزيز تلك العلاقات وتنويعها في الفترات القادمة.

في الأخير، تدخل العلاقات بين البلدين ضمن نمط التحالفات الاستراتيجية، وهي تستند بشكل أساسي لموروث تاريخي وحضاري كبير يسمح لهما بتطوير تلك العلاقة وتنميتها بصفة مستمرة. فضلًا عن أن التفاعلات القائمة بين الجانبين شرق المتوسط على المستوى الثنائي أو ضمن التحالفات والتكتلات الجماعية القائمة مؤخرًا قد ساهمت في دفع العلاقة نحو مزيد من التنسيق والتعاون المثمر الذي انعكس على كافة الملفات والقضايا الإقليمية.

Scroll Up