تشعر الطغمة الحاكمة في إثيوبيا بالانزعاج، مع إيقاع الأحداث وما تنطوي عليه من مفاجآت غير مواتية، الأسبوع الماضي كان سيئا لحكام أديس أبابا، على خلفية موقفهم العدائي بأزمة (سد النهضة) والحرب الأهلية المشتعلة ببلادهم؛ فأطلقوا عاصفة تصريحات عصبية كشفت عن مدى إصابتهم بالصدمة السياسية والتوتر الشديد.

 يقف وراء ذلك أربعة مواقف تتابعت من عدة عواصم، وأثارت حنق الإثيوبيين، وهي تأكيد مريم الصادق المهدي وزيرة الخارجية السودانية أن بلادها تلقت طعنة في الظهر من إثيوبيا، خلال الملء الأول لسد النهضة، كاشفة عن ترويع إثيوبيا للسودان (مائيا)، بفتحها سد تكيزي على نهر عطبرة، فجأة، بداية الشهر الحالي، مما أدى لأضرار. المهدي أعربت عن رفض الخرطوم الانزلاق لمواجهات عسكرية لحل أزمة سد النهضة؛ برغم تحوله لسلاح خطير على بلادها، مشددة على عدم التهاون في الأمن المائي للسودان أو سيادته على أراضيه في الفشقة، وأشارت إلى تطابق الموقفين المصري والسوداني تجاه الملء الثاني، مطالبة بفرض عقوبات دولية على الطرف غير الملتزم، خاصة أن سلوك إثيوبيا يجعل منها خطرا على نفسها وعلى جيرانها. وانتقدت المهدي بشدة محاولة إثيوبيا الإيقاع بين العرب والأفارقة، بترويج “أفكار بائدة”، منوهة بأن 80% من العرب أفارقة.

لاشك أن هذه التصريحات تعد مؤشرا قويا على شعور السودانيين بأخطار السد الكارثية على بلادهم، وسقوط الأقنعة عن وجه إثيوبيا التي لم تقدم حتى الآن دراسات أمان السد، كما أن جزرة إمداد الخرطوم بكهرباء رخيصة ليست إلا كذبة خادعة، ناهيك عن المجاعة التي تتربص بالسودان الذي سوف يفقد نصف أراضي الري الفيضي (الجروف) التي تمده بنحو 80% من احتياجاته الغذائية، باعتراف ياسر عباس وزير الري، الأدهى أنه يوما بعد يوم، تتكشف خطورة السدود الإثيوبية كسلاح للابتزاز السياسي وهي الدولة التي غزت السودان ثلاث مرات خلال القرنين الماضيين، ولا تخفي أطماعها في أراضيه، يكفي أن تفتح بواباتها نصف يوم لإغراقه، دون رصاصة واحدة، هكذا يفيق الأشقاء السودانيون على حقيقة الأطماع الإثيوبية وأضرارها الفادحة.

 الموقف السوداني المتطور، يصب في تيار آخذ في التشكل- عربيا- تجلى في بيان وزراء الخارجية العرب بالدوحة، وإعلانهم مساندة القاهرة والخرطوم في الحفاظ على حقوقهما المائية ومطالبة إثيوبيا بالكف عن التعنت، ومجلس الأمن بتحمل مسئوليته في أزمة السد، وكان لافتا موافقة الصومال وجيبوتي (رئة إثيوبيا الاقتصادية) على البيان، والذي ردت عليه إثيوبيا بعصبية، مؤكدة إكمال الملء الثاني، تحت أي ظرف.

وليس بوسع المرء إلا أن يعجب لما جرى الأسبوع الماضي، فقد فضح بيكا هافيستو، وزير خارجية فنلندا ومبعوث الاتحاد الأوروبي لإثيوبيا آبي أحمد وزمرته الحاكمة، على مرأى ومسمع من العالم، وكشف الوجه القبيح لصاحب نوبل للسلام والذين معه؛ قال هافيستو- بجلسة للبرلمان الأوروبي- إن قادة إثيوبيا أخبروه خلال محادثاته معهم بأديس أبابا، أنهم يعتزمون مواصلة التطهير العرقي و”إبادة سكان إقليم تيجراي لمدة 100 عام”، حيث قتل آلاف الأبرياء ويعاني 6 ملايين شخص الموت جوعا. وأمام الفضيحة مكتملة الأركان، واصلت إثيوبيا عنادها المعتاد، واصفة تصريحات هافيستو بأنها سخيفة، وتعكس رغبته في تقويض الحكومة الإثيوبية، وتنم عن عقلية استعمارية، بحسب بيان للخارجية الإثيوبية.

 لم تخمد ألسنة اللهب المتأججة من تصريحات هافيستو، حتى أكد الجنرال كينيث ماكينزي قائد القيادة المركزية الأمريكية، في القاهرة، أن سلوك إثيوبيا تجاه سد النهضة يقلق واشنطن كثيرا، لافتا إلى أن مصر تمارس “قدرا هائلا” من ضبط النفس، للوصول لحل دبلوماسي، وتعهد ماكينزي بالسعي لإيجاد حل لأزمة السد، يكون مقبولا للقاهرة والآخرين، مبينا أن واشنطن تدرك الأهمية الفريدة لنهر النيل بالنسبة لمصر، وأكد حرص بلاده على دعم الشراكة الاستراتيجية معها، مثمنا دورها القيادي لاستقرار وأمن المنطقة.

برغم ذلك، تصر إثيوبيا على تفجير المنطقة؛ معلنة تدشين سد جديد على فرع للنيل الأزرق، لكن أوراق آبي أحمد تحترق وأحلامه تتبعثر، تتشقق جبهته الداخلية، وتنفضح الاستراتيجية الإثيوبية القائمة على شقاء دول الجوار؛ أدت تطورات الأحداث لتقاطع مصالح مصرية مع لاعبين إقليميين ودوليين، في محاولة لتغيير قواعد اللعبة في القرن الإفريقي وحوض النيل، يمكن للقاهرة أن تفتح أبواب الجحيم على إثيوبيا ومن يقفون وراءها إذا أرادت، وهي تستطيع فلا داع لاختبار صبرها الذي أوشك على النفاد.

نقلا عن صحيفة “الأهرام” في عددها اليوم الأربعاء 23 يونيو 2021

Scroll Up