أعرب رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة عن شكره للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، ووزير الخارجية هايكو ماس، على دعوته للمشاركة في مؤتمر برلين في نسخته الثانية، مثمنًا دورهما الرائد في إنجاح مؤتمر برلين في نسخته الأولى.

وقال الدبيبة ، في كلمته التي ألقاها اليوم الأربعاء أمام مؤتمر “برلين 2”: “كم يختلف اليوم عن الأمس، في 19 يناير 2020 أطلق المجتمعون في هذه القاعة حزمة من التوصيات والتعهدات، في وقت كانت الحرب ما زالت سيدة الموقف وصوت المدفع يعلوا على صوت الحوار، وكانت دماء الليبيين ما زالت تنزف”.

وأضاف: “بعد مضي سنة ونصف، أقف الآن في هذه القاعة موكلًا من الليبيين -ممثلًا لحكومة واحدة- مثقلًا بالمهام المناطة إلينا، أعمل على وحدة بلادي وسيادتها في ظروف غاية في الصعوبة، وفي وقت يتطلب منا مواقف حاسمة وتاريخية”.

وتابع: “نقف اليوم في مرحلة ما زالت حرجة ولكنها مليئة بالأمل – الآن نستطيع أن نقول بصوت واحد: لا عودة للحرب، لا للعبث بثروات ليبيا، لا للخلاف خارج طاولة الحوار. أقف اليوم أمامكم لكي نراجع سويًا تعهدات مؤتمر برلين الأول وإنجازات هذه المرحلة التي هي بالفعل كثيرة، ولكنها أيضًا غير كافية، فالمخاطر ما زالت تحدق بنا وبمسيرتنا للوحدة الفعلية لبلادنا واستقرارها، وأن تكون دولة ديمقراطية ذات سيادة فاعلة دوليًا وإقليميًا”.

وأضاف أنه وبعد سنة ونصف من مؤتمر برلين حققت ليبيا نجاحًا بمساعدة المجتمع الدولي وبالدور الإيجابي للأمم المتحدة، بدءًا من  غسان سلامة إلى مجهود ستيفاني وليامز المميز وإلى العلاقة البناءة التي تستكمل الآن مع  يان كوبيتش في الوصول إلى وقف دائم للحرب، وإلى إبعاد شبح التقسيم والتفتت وتوحيد السلطة التنفيذية، وإلى إعادة التئام مسيرة عمل المؤسسات وخصوصًا مجلس النواب، ووقف العبث الاقتصادي وقفل تصدير النفط الذي أنتج عقابًا جماعيًا على كل الليبيين من دون استثناء، بل أكثر من ذلك.

وواصل حديثه قائلًا: “نحن نستعد لضم الشرق إلى الغرب من خلال فتح الطريق الساحلي الرابط بينهما، ونستكمل هذه الجهود ونتوجها بزيارة الحكومة وعقد اجتماع مجلس الوزراء من بنغازي ومدن الجنوب في الأسابيع القليلة القادمة”.

واستطرد قائلًا: “نقف اليوم أمام الشعب الليبي محملين بأمانة غالية وثمينة، وهي إعادة القرار إلى الشعب عبر السماح له بالتوجه للانتخابات في موعدها المحدد، التزامًا بمخرجات الحوار الليبي وخارطة الطريق، وإنني لن أدخر جهدًا في العمل على تذليل كل العقبات، لنصل إلى هذا التاريخ في أجواء مناسبة تتيح للشعب أن يعيد اختيار من يمثله، وأنا موجود هنا اليوم لكي أطلب العون من أصدقاء ليبيا لتجهيز المسيرة نحو24 ديسمبر، وتجاوز العوائق الأمنية المشتركة، المتمثلة في مكافحة الإرهاب والجرائم العابرة للحدود والحد من ظاهرة الهجرة غير الشرعية، وسياسات وممارسات بعض الأطراف الدولية، والتي أدت إلى تعميق الأزمات في ليبيا وخروجها عن السيطرة”.

وأكد الدبيبة على أن من أهم مخرجات مسار برلين هو جمع الدول المؤثرة في ليبيا في إطار مشترك لتقريب وجهات النظر، ويبقى الآن أن يكون الصوت الليبي هو الأساس في هذه الأطر والهيكليات الدولية، مضيفًا: “وأنا على ثقة بصدق النوايا بين المشاركين فيما يتعلق بليبيا، وأرحب من هذه المنصة بكل تواصل وانفتاح وتقارب بين الدول المجتمعة”.

واستطرد: “الآن يفصلنا عن موعد الانتخابات المرتقبة 6 أشهر، وللأسف ما زال الخلاف الداخلي والمصالح الضيقة تعيق المسيرة، ورغم التحسن الذي ظهر على عمل المؤسسات، ما زالت الموازنة لم تعتمد من مجلس النواب، والمناصب السيادية لم توحّد بعد”.

وأعلن دبيبة أنه لم يأت إلى أي منصب حبًا بالبقاء، بل إيمانًا بأن النهج الذي يمثله هو الأسلم لقيادة ليبيا في هذه المرحلة الحساسة، ولن يقف شاهد زور على عرقلة البعض لحق الليبيين في تحديد مصيرهم.

وأشار الدبيبة إلى أنه من موقع المسؤولية سيطرح في هذا الاجتماع عناوين مبادرة  “استقرار ليبيا” للوصول إلى الانتخابات المرتقبة والتي يتطلع فيها الليبيين إلى دعم من المجموعة الدولية.

• العنوان الأول وهو الأمن:

وأوضح الدبيبة قائلًا: “أنه وبالرغم من التقدم في توحيد المؤسسات الأمنية، إلا أن المزيد من العمل يجب القيام به في هذا المجال، وأيضًا في سبيل توحيد المؤسسة العسكرية، هناك مخاوف أمنية على العملية السياسية ترتكز على السيطرة المسلحة المباشرة للمرتزقة في بعض المناطق وتواجد قوى عسكرية لها أبعاد سياسية في عدد من المناطق الليبية، ووجود لبعض العناصر الإرهابية، باشرنا في تحضير خطة أمنية شاملة لتأمين الانتخابات، وننتظر صدور قانون الانتخابات المرتقب لتنفيذها، ومساعدتكم في البدء بالتعاون من أجل سحب المرتزقة والمقاتلين الأجانب من الأراضي الليبية وتطبيق قرارات مجلس الأمن خصوصًا قرار 2570 و 2571”.

وأضاف أن هذه الخطة تظل أيضًا في حاجة إلى ميزانية وآليات ومعدات، كما ينطبق هذا على كل الخطوات الضرورية لتجاوز هذه المرحلة.

• العنوان الثاني وهو العملية القانونية:

وبين الدبيبة بالقول أن هذه العملية خارجة عن صلاحيات الحكومة، ولكنها القاعدة الأساسية التي تبنى عليها الانتخابات، وللأسف لم نرَ إلى الآن الجدية اللازمة من الأجسام التشريعية للمضي قدمًا في هذا المسار. عليه، ندعو كافة المعنيين إلى القيام بواجباتهم للوصول إلى القاعدة الدستورية وقانون الانتخابات المرتقب.

    العنوان الثالث وهو المصالحة الوطنية:

وقال الدبيبة بالخصوص: لقد بدأنا العمل على هذا الملف فور استلام الحكومة لمهامها، وأهنئ هنا العمل الذي يقوم به المجلس الرئاسي في هذا المجال، ونعلم أن المصالحة الوطنية هي مسار وليست حدثًا، ولا يجب أن تستخدم كشرط من شروط تحقق الانتخابات، بل يجب أن تكون عنوان المرحلة القادمة وبوابة الدخول إلى العمل السياسي في ليبيا، وأؤكد انطلاقًا من هذا المبدأ، ضرورة الإسراع في عودة النازحين والمهجرين داخل وخارج ليبيا إلى مناطقهم، وجبر الضرر، والسماح للجميع بالمشاركة الفعالة في العملية السياسية من دون أي إقصاء داخلي أو خارجي لهذه المشاركة.

• العنوان الرابع وهو الخدمات والاستقرار الاقتصادي:

وقال: إننا نعلم أن أولويات الحكومة تكمن في حلحلة القضايا الآنية والعاجلة والمتعلقة بحياة الليبيين وأمنهم واستقراراهم، ولكننا نعلم أيضًا أن كل ما تقوم به الحكومة هو ما سيحدد ملامح المستقبل. عليه، لا بد من أن نعمل على الحاضر دون إهمال للمستقبل، والتنصل من الحلول الصعبة برمي الكرة إلى الأمام، وعليه وجدنا من الضروري البدء بمعالجة التوزيع العادل للواردات، وزيادة مستوى الإنتاج وتوفير الخدمات في جميع ربوع ليبيا، وخلق التنمية المكانية من خلال نظام المقاطعات الذي لا يزال طور التحضير، ويعد بمثابة التقسيم الإداري للتخفيف من وطء المركزية على حياة الليبيين، في الثلاثة الأشهر الأولى تمكنا من توفير استقرار نسبي للخدمات، واستئناف برامج الصيانة لبعض المنشآت، بالإضافة إلى تيسير وصول السيولة للمواطنين، وأيضًا مكافحة جائحة كورونا وتوفير اللقاح بقدر المستطاع.

أما فيما يتعلق بملف المشاريع المتوقفة، الملف السهل الممتنع، فقد بين الدبيبة قائلًا: “قمنا بحصر وتحديد المشاريع التنموية التي تتمتع بنسب إنجاز عالية، بشكل عادل يغطي كافة المناطق في ليبيا (كالمستشفيات والمدارس ومركبات الجامعة والطرق)، مع تشجيع سيطرة الدولة على الدين العام، وزيادة احتياطات المصرف المركزي من العملة الصعبة، وإرساء أسس الاستثمار في الثروة الليبية، من خلال الدعم الفعال والسريع لوزارة النفط ومؤسساتها، وتأمين صيانة النهر الصناعي، وحماية الأصول الليبية والعمل على الاستفادة من الاستثمارات المنتجة”.

وأكمل: “هذه المحاور الأربعة تغطي بإيجاز أطر العمل التي لا يمكن تجاوزها، والتي يجب العمل عليها لاستقرار ليبيا، والوصول الى انتخابات حرة وشفافة ونزيهة، ولا شك أن كل هذه المسائل ضرورية، محتاجة الى إمكانيات مالية متوفرة ومجمدة، وإلى ميزانية جاهزة غير معتمدة. أقولها بصراحة إلى الأطراف الليبية المعنية: أوقفوا سياسة العبث و التعطيل المستتر، أوقفوا سياسة استعمال الاستحقاقات كرهينة، واسمحوا للناس بأن تعمل، فنحن ذاهبون وليبيا باقية، تحملوا مسؤوليتكم التاريخية ليرحمكم الشعب والتاريخ. وأقول للمجتمعين هنا: التزموا بتعهداتكم، كونوا على الموعد، ساعدونا على ردع المعرقلين بشكل واضح وتشاوري ومقنع”.

واستطرد: “وأيضًا لأصدقائنا المجتمعين اليوم أقول: نحتاج أن تكونوا مقتنعين أن ليبيا الموحدة المعافاة هي خير صديق لكم، وهي ستكون شريكًا أوروبا، وقلبًا نابضًا في العالم العربي، وصديقًا طبيعيًا لدول الحوض المتوسط والدول الإسلامية، ودولة مؤسسة وأصيلة في الاتحاد الأفريقي، مع عمق استراتيجي تاريخي ومتواصل، وأخًا تاريخيًا للأصدقاء التاريخيين عبر السنين، والأصدقاء الأكثر حداثة، نريد دعمكم للوصول الى الانتخابات، والى تحصين المسارات السياسية والأمنية والاجتماعية والاقتصادية. إلى حينه نقول لكم: إننا لسنا فاقدي الرشد، وأن على المجتمع الدولي الاستماع بجد وندية إلى المطالب الليبية الدولية، واحترام سيادة ليبيا الداخلية، ومشاركة ليبيا للوصول إلى بر الأمان”.

Scroll Up