مع اقتراب الذكرى الثامنة لثورة “30 يونيو” تكثُر الأسئلة عن تحقيق مطالب المصريين من حراكهم السياسي والثورة بداية من 25 يناير 2011 وحتى 30 يونيو2013، وتحقيق طلبهم بحماية الدولة من الانهيار والسعي نحو الديمقراطية وإصلاح الحياة السياسية والتقدم الاقتصادي والتخلص من محاولات تقسيم المجتمع المصري أو إرهابه بجماعات العنف والتطرف.

وترتبط إجابة السؤال بالعودة إلى الشهور السابقة على ثورة 30 يونيو وتحديدا مع تولي الاخوان مقاليد السلطة، وما مثله ذلك من تهديد غير مسبوق لكيان الدولة المصرية من رأس السلطة نفسها بتوجهه نحو أخونة مؤسسات الدولة، وممارسة الاستبداد السياسي بتحصين قراراته بإعلان دستوري معيب، وزرع الانقسام داخل المجتمع المصري بتهديد عناصر جماعته المستمر للأقباط ثم تعاونه وحمايته للجماعات الإرهابية في سيناء.

تعرضت مصر إلى هجمة شرسة تستهدف هويتها في المقام الأول، عبر فرض الاخوان لأفكارهم على المجتمع بهدف “أخونته” بالكامل ودفع الأقباط إلى الهجرة من مصر وتغيير تركيبة المجتمع المصري وتنوعه الفريد الصامد عبر التاريخ.

حاول “الإخوان” تنفيذ خطتهم للتمكين معتمدين على وجود أحد عناصرهم على رأس السلطة السياسية وكانت السلطة القضائية هدفهم الأول فقد حاصروا قضاة المحكمة وحاولوا إلغاء الأحكام النهائية التي نصت على حل مجلس الشعب واتجهوا إلى إصدار قرارات إدارية لتسكين كوادر جماعة الإخوان المسلمين في المراكز القيادية لكل الوزارات والمصالح الحكومية.

لم يقبل المصريون تحركات المشروع الإخواني المتكامل لأخونة الدولة واختبائهم عبر مفاهيم دينية مغلوطة وتبين لطوائف الشعب المختلفة أن استمرار حكم جماعة الإخوان يمثل خطورة شديدة وانه يسعى لطمس هوية مصر وضياع استقلالها الوطني في مقابل مشروع وهمي لتأسيس الخلافة الإسلامية، وتحويل الدولة المصرية إلى مجرد ولاية من الولايات الإسلامية التي سيحكمها الخليفة المنتظر!

سقوط الشرعية

يتحدث الإعلام الإخواني في معرض هجومه على ثورة 30 يونيو كثيرا عن فكرة الشرعية وتجربة ديمقراطية مزعومة، متعمدين تجاهل حقائق الموقف وهي انقلاب الاخوان على الشرعية بتعمد المعزول محمد مرسي مخالفة القانون والدستور بإصدار إعلانه الدستوري الذي نصب فيه نفسه ديكتاتوراً، وحصن قراراته كلها من الطعن عليها، وتعمد تحصين مجلس الشورى الباطل واللجنة التأسيسية لوضع الدستور.

لم يكتف “مرسي” بذلك بل قرر خرق القوانين والغاء أحكام المحاكم وإقالة النائب العام وأصدر قرارا رئاسيا بالعفو عن450 إرهابيا سابقا ومتهما باتهامات خطيرة مثل القتل والاتجار بالمخدرات؟ بل لم يكتف بذلك بل دعا الإرهابيين الذي شاركوا في اغتيال الرئيس أنور السادات إلى الاحتفال معه بذكرى نصر أكتوبر في تحدي سافر لمشاعر المصريين.

وكان الاجتماع الكارثي الذي عقد في قصر الرئاسة وتم إذاعته على الهواء مباشرة أحد أخطر أسباب تفاقم أزمة سد النهضة الإثيوبي، فقد استخدم لتشويه مصر داخل قارتها الافريقية وأنها تتأمر على دولة أخرى بشكل كوميدي وهو ما أساء لصورة وسمعه مصر كثيرا وأصاب الناس بالذهول وانعدام الثقة في تلك الإدارة.

سقوط شرعية الرئيس وفقدانه للتواصل مع شعبه هي أخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة، وهو التحدي الذي فرض على القوات المسلحة ان تراقب الوضع عن كثب لما يمثله ذلك المشهد من تهديد خطير للأمن القومي المصري.

استخدام العنف

مع انهيار الشرعية تدفقت المظاهرات الى امام قصر الاتحادية، وظهرت الاعتصامات المطالبة برحيل الرئيس الإخواني، وحركت الجماعة عناصرها لفض الاعتصامات بالقوة.

وبدأت الجماعة تمارس العنف ضد المصريين بل وتعذيبهم على أسوار الاتحادية والتورط في قتل الشهيد الصحفي الحسيني أبو ضيف، وسحل المتظاهرين أمام كاميرات الإعلام، فيما تعددت أشكال الاعتداء على السيدات فقد ظهر أحد أفراد حراسة مقر الإرشاد وهو يصفع احدى الصحفيات وشخص اخر يحاول كتم صوت المناضلة شاهندة مقلد.

واستعرض عناصر “الإخوان” عقب اعتدائهم على اعتصام الاتحادية القوة أمام القصر الجمهوري لإيصال رسالة أن الإخوان لن يقبلوا المساس بالرئيس ورافضين لحركة المصريين ضد الإخوان وانهم سيقابلون ذلك بالقوة العنيفة كما ظهر في فض اعتصام الاتحادية.

الإرهاب في سيناء

كان لتكرار الاعتداء على الجنود المصريين في سيناء واختطاف أفرادها والدعم الذي اظهرته الرئاسة الاخوانية لتلك الجماعات ودعوتها لحماية أرواح الخاطفين تحمل إشارات خطيرة عن وجود صله بين الجماعة وبين تكل التنظيمات تأكدت بعد ثورة 30 يونيو بحديث القيادي محمد البلتاجي عن توقف ما يحدث بسيناء من إرهاب بمجرد عودة مرسي للحكم.

لقد كان “الإخوان” على صلة بكل التنظيمات الإرهابية بحسب اعترافات قياداتهم وترسيخهم لفكرة ممارسة العنف ضد معارضيهم، كما يمارس أفراد التنظيم لمبدأ “التقية” وهو يعطى للفرد الإخواني الحق في الكذب على السلطات والادلاء بأقوال تختلف عما يبطنه.

وهناك شخصيات مثل أبو بكر البغدادي وأسامة بن لادن وشكري مصطفى هم أبناء شرعيون لتنظيم الإخوان ‏المسلمين بحسب اعتراف يوسف القرضاوي، المنظر الحالي للتنظيم والذي أكد أن أبو بكر ‏البغدادي خليفة تنظيم داعش الإرهابي ابن حركة الإخوان المسلمين، كما اعترف أيمن الظواهري، زعيم تنظيم قاعدة الجهاد، بأن أسامة بن ‏لادن، كان من الإخوان المسلمين أيضا.

القوات المسلحة تنحاز للشعب

القوات المسلحة المصرية لها طابع فريد في حركتها داخل المجتمع المصري ، فهي قوات غير منعزلة ، وأفرادها من نسيج المجتمع المصري ويعبرون عن تنوعه الواسع وهى على اتصال دائم بالشارع المصري ، وتحظى بثقته المطلقة ، وكان لها موقف حاسم في أحداث يناير 2011 وانحازت لحركة الناس وحافظت على استقرار الدولة طوال الفترة الانتقالية وسلمت السلطة عقب انتخاب الرئيس ، وراقبت حالة عدم الاستقرار مع سقوط شرعية الرئيس الإخواني وحركة الناس في الميادين ، وحاولت أن تتدخل لرأب الصدع بدعوتها لحوار وطني لكن الاخوان رفضوا وحاولوا الاستمرار في مخطط التمكين .

حذرت القوات المسلحة أكثر من مرة من وجود نفق مظلم تسير إليه البلاد بعد تفاقم الأزمات السياسية والاقتصادية ودخول الإخوان في صراعات مع كل القوى مع اقتراب الاخوان من الجماعات الإرهابية في سيناء وصدور بيان من رئاسة الجمهورية يطلب رسميا حماية حياة الإرهابيين عقب اختطاف جنود مصريين من جانب جماعات إرهابية في سيناء وكانت إشارة خطيرة للشعب والقوات المسلحة ان الإرهابيين لديهم دعم رئاسي وهو ما استدعى ان تراقب القوات المسلحة الوضع عن كثب لان تهديد الامن القومى قادم من رأس السلطة.

ومع ظهور حركة تمرد ودعوتها للثورة على اخونة الدولة والاستجابة الشعبية الواسعة لدعوات الثورة على الاخوان ، خطورة الوضع وما طرحته حركة الناس في الشوارع من تحديات امنيه دفعت القوات المسلحة الى التدخل وتحذير كل القوى السياسية من تأزم الأوضاع وتهديدها للأمن القومي المصري ، وحذرت من استخدام القوة ضد المصريين وأعلنت تصديها لأعمال العنف المحتملة ، وتوجه المتظاهرين الى مبنى قيادة القوات المسلحة وطالبت وزير الدفاع الفريق اول عبد الفتاح السيسى آنذاك بالنزول ، وكان الهتاف المدوي انزل يا سيسي مرسى مش رئيسي يهز كل ميادين الثورة في مصر .

وأصدرت القوات المسلحة بيانا طالبت بالاستماع إلى أصوات المصريين، ومع تفاقم الأوضاع أعطت مهلة من أجل الحل قبل التدخل.

وفي 3 يوليو، أعلن الفريق أول عبد الفتاح السيسي خريطة طريق جديدة توافقت عليها القوى السياسية، ممثلة في جبهة الإنقاذ وحركة تمرد بالإضافة الى الازهر الشريف والكنيسة الارثوذكسية وتمت دعوه ممثلين عن جماعة الاخوان للاجتماع لكنها رفضت المشاركة.

والحقيقة أن المصريين لم يخرجوا في ثورة يونيو للتخلص من حكم الاخوان فقط، بل طالبوا بأنهاء وجود تلك الجماعة الأخطبوطية صنيعة الاستعمار على أرض مصر، التخلص من رحم الارهاب والتطرف الديني الذى خرجت منه كل الجماعات الارهابية في العالم وجثمت على صدر المصريين طوال تسعين عاما أفسدت فيهم الاخلاق والذوق العام وتاجرت بالدين وحولته الى اداه لجمع المال من اجل تمكين الجماعة من مصر.

ولذلك كانت استجابتهم سريعة في تلبية نداء الفريق أول عبد الفتاح السيسي لتفويض القوات المسلحة للقضاء على الإرهاب، وهو ما أصاب قادة الاخوان بلوثة جعلتهم يعلنون الحرب على الشعب المصري نفسه.

وبعد مرور السنوات السبع وتتعدد وتتنوع إنجازات السيسي في كل المجالات لدرجة اضحت معها عملية حصرها صعبة، لكن للرئيس انجاز لا يمكن نسيانه او التغافل عنه، وهو انقاذ مصر من جماعة الاخوان المسلمين الارهابية والحفاظ على هوية مصر ووحدة شعبها.

تصدى السيسي لمعركة غير مسبوقة مع أخطر تنظيم إرهابي عرفه العالم، وواجه مع الشعب المصري معركة تأخرت 90 عاما لاستئصال ورم الاخوان السرطاني من الجسد المصري بعدما وصل في غفلة من الزمن إلى رأس السلطة وكاد ان يفتك بتسامح المصريين ووحدتهم الوطنية.

انحياز الرئيس للشعب المصري في ثورته على الاخوان أدخله قلوب كل المصريين ووحدهم خلف الجيش المصري والشرطة بالتفويض لمواجهة ارهاب الاخوان.

تحركت الدولة المصرية على عده مسارات متوازية لمواجهة الإرهاب وتحقيق مطالب المصريين في اصلاح سياسي واقتصادي مع أولوية مطلقة وهى الحفاظ على وحدة المصريين وربما كان ذلك السبب في طلب الرئيس المتكرر بالحفاظ على وحدة الشعب.

المسار الأول، هو التصدي الاحترافي للعمليات الارهابية وابعادها عن المدنيين بكل الطرق الممكنة وكان تصدى رجال القوات المسلحة والشرطة للإرهاب بطوليا وملحميا في تفاصيله، فالشهداء من الجيش والشرطة قدموا ارواحهم لحماية ملايين المصريين وقدموا نموذج لعقيدة عسكرية نادرة ومميزة تقدر التضحية .

الثاني هو نشر الوعي ومكافحة الشائعات وبناء الثقة بين المواطن والدولة ، وكان دور الرئيس فيها مهما وفاصلا فلم يخلف الرئيس وعدا قطعه على نفسه والتزم بالصدق والصبر في حل المشكلات ، بل كان يخرج بنفسه للرد والدفاع عن عمل الدولة في مواجهة ماكينات الشائعات الاخوانية ، وكشف الإعلام المصري كذب وتأمر الاخوان والتعامل الفوري مع الشائعات والرد عليها .

 الثالث كان البناء والتنمية بلا توقف، وفق منهج الرئيس في مواجهة حملات التطاول والتشويه ، بان “كلما شعرت بالضيق اشتغل ” وهى الكلمة المفتاح في فهم كيف نجحت مصر في حربها ضد الاخوان وهو ان المصريين لم يتوقفوا للرد او التعقيب والتزموا بالعمل فقط والحفاظ على استقرار دولتهم وبناء جمهوريتهم الجديدة.

الرابع كان تمكين المرأة والشباب، حيث اعتنت الدولة بصناع ثورة 30 يونيو وهما المرأة المصرية والشباب الذين خرجوا لاستعادة دولتهم وتحقيق مطالب الاصلاح وتحسين الاحوال المعيشية.

ومن هنا بدأت الدولة في التمكين الحقيقي للمرأة والشباب عبر وجود وزيرات ونواب في البرلمان ومستشارة للأمن القومى والاهتمام بالمرأة المصرية عبر برامج الحماية الاجتماعية التي توسعت فيها الدولة بشكل غير مسبوق للوصول إلى الفئات الاكثر احتياجا .

تمكين المرأة والشباب

ثم كان تمكين الشباب عبر برامج التأهيل على القيادة التابعة لرئاسة الجمهورية ثم انشاء الاكاديمية الوطنية للتدريب وانشاء قناة اتصال مباشرة بين الشباب والرئيس عبر المؤتمرات الوطنية للشباب ثم بعد ذلك الاتصال بالشباب حول العالم للتعريف بما يحدث في مصر عبر منتدى شباب العالم، بالإضافة الى تنسيقية شباب الاحزاب وتمكين الشباب سياسيا بعضوية مجلس النواب والعمل الميداني مع المحافظين عبر تعيينهم نواب للمحافظين.

المسار الخامس وهو القضاء على أسباب الارهاب وعلى رأسها غياب العدالة الاجتماعية وانتشار مظاهر الفقر وعدم الاحساس بالانتماء وذلك عبر توفير الحياة الكريمة للمصريين عبر انقاذ سكان العشوائيات وتوفير سكن أدمي لهم ، برامج الحماية الاجتماعية مثل تكافل وكرامة وأخيرا  مبادرة حياة كريمة التي اطلقها السيسي  لتنمية القرى المصرية والمناطق العشوائية وتتضمن تعامل مباشر من جانب الدولة مع المشاكل الحياتية الدقيقة لسكان القرى والمناطق الاكثر احتياجا في مصر

تسير ثورة 30 يونيو في مسار تحقيق الديمقراطية وصياغة جمهورية جديدة بعدما نجحت في تعرية تنظيم الاخوان ويكفي النظر إلى تجربتهم في أي دولة وصلوا فيها للحكم وكيف فشلت تلك الدول في تحقيق الديمقراطية أو الخروج من نفق الأزمات المظلم بل أن الرئيس التونسي وقبله رئيس الوزراء الليبي أشارا إلى رغبتهما في نقل التجربة الإنمائية المصرية إلى بلادهم التي لازالت تعاني من وجود تنظيم الاخوان.

أثبتت التجربة المصرية أن الإسلام السياسي مجرد معول لهدم الدول لا بنائها وأن الفكر الإرهابي العنيف متأصل بداخله بشكل يستحيل معه المعالجة أو الاحتواء.

Scroll Up