خلال الأثناء التي تُجرى فيها المحادثات بين أطراف اتفاق خطة العمل الشاملة المشتركة حول محددات العودة إلى العمل بالاتفاق النووي، تبرز قضية التدخلات الإيرانية بالإقليم كقضية فرعية، قد تكون غير محتلة موضع النقاش الأساسي الحالي بين الأطراف، ولكنها تظل موضعًا مرتقبًا للخلاف. فبحسب تقارير صحفية، فإن برنامج إيران الصاروخي ودعمها الميليشيات وتهديدها للاستقرار في المنطقة تعد عقبة منفصلة؛ إذ تصر الولايات المتحدة والدول الأوروبية على ضرورة الإشارة في الاتفاق إلى محادثات ثانية أخرى تتناول هذه القضايا، لكن من غير الواضح ما إذا كانت إيران ستقبل بذلك.

ترغب الإدارة الأمريكية في أن يكون الاتفاق الجديد بمثابة الأساس الذي يمكن الاعتماد عليه في ضمان السلوك الإيراني النووي والإقليمي، لاسيما مع تنامي إدراك الإدارة الديمقراطية بأن الصفقة النووية التي تم التوصل إليها عام 2015 قد تعاملت مع عنصر واحد فقط من السلوك الإيراني، وعلى الرغم مما حققه الاتفاق السابق من مزايا ولكنه لم يضمن تحجيم أو تجنب التهديد الناتج عن نشاطها الإقليمي.

وفي هذا الإطار، يثير الوجود الإيراني في سوريا إشكالية لدي الولايات المتحدة التي ترى في استمراره استمرارًا للتهديد الإيراني على مصالحها ومصالح حلفائها. لايرتبط التهديد فقط بما ينتج عنه من تهديد لإسرائيل وأمنها، ولكن الأهم؛ بسبب ما يمثله الوجود الإيراني في سوريا من مركز لانتشار نفوذها على المستوى الإقليمي. وعليه، فمن المتوقع أن يكون لسوريا موقع متقدم خلال المفاوضات المختصة بمعالجة قضية التدخلات الإيرانية بالإقليم. ولكن يبقى التساؤل، ما هو انعكاس الاتفاق المرتقب على النظام السوري والحضور الإيراني في سوريا؟.

انعكاس اتفاق 2015 على سوريا

خلال مراحل التفاوض على الاتفاق النووي، تجنبت إدارة أوباما إثارة الملف السوري بل وتصل بعض التحليلات إلى أن دافع ابتعاد الولايات المتحدة عن التدخل العسكري في سوريا نهاية عام 2013 كان بغرض عدم استفزاز إيران ولدفع استكمال المفاوضات التي انتهت بتوقيع الاتفاق عام 2015. 

وعلى خلاف ما أبداه النظام السوري من تأييد لإيران في اتفاقها مع الغرب، ولكن، أثار الاتفاق بعض التخوفات لديه حول احتمال حدوث تقارب إيراني أكبر مع الغرب ومن ثم تخلي إيران عنه. ولكن، أثبتت الأحداث عدم وجود أي تغيير في السلوك الإيراني أو في منهجيته، حيث اتجهت إيران بعد الاتفاق إلى تعزيز موقع نفوذها السياسي والعسكري والديموغرافي والاقتصادي بشكل يسمح لها ضمان الوجود كفاعل مؤثر على طاولة المحادثات حول سوريا.

سياسيًا 

شاركت طهران لأول مرة في المحادثات الدولية الأممية المنعقدة حول سوريا في أكتوبر 2015، إذ إنها لم تشارك في مؤتمر جنيف1 عام 2012، وفي عام 2014 سحب الأمين العام للأمم المتحدة “بان كي مون” دعوتها للمشاركة في محادثات جنيف2 إثر اعتراض الولايات المتحدة والسعودية. وفي يناير2017، أسست بالتعاون مع تركيا وروسيا تجمع “الدول الضامنة” أو مسار الآستانة، الذي ساهم بشكل عملي في تثبيت وقف إطلاق النار لاسيما في منطقة شمال غرب سوريا (إدلب).

وعلى الرغم مما أضافه مسار آستانا من ثقل سياسي للوجود الإيراني في سوريا، ولكن من الملاحظ اتجاه كل من تركيا وروسيا إلى عقد تفاهمات ثنائية بعيدًا عن إيران فيما يتعلق بواقع السيطرة الميدانية على المناطق التي لم تحسم بعد ما بين النظام والمعارضة، مثال على ذلك: اتفاق سوتشي سبتمبر 2018، واتفاق وقف إطلاق النار في إدلب مارس 2020.

عسكريًا

لم يمنع التقارب الإيراني مع الغرب من تدعيم أركان وجودها وانتشارها العسكري في سوريا، فإلى جانب المشاركة العسكرية المباشرة من قبل عناصر من قوات الحرس الثوري الإيراني، وفيلق القدس، عمدت طهران إلى استقدام ميليشيات أجنبية كلواء زينبيون ولواء فاطميون، بالإضافة إلى استقدام ميليشيات عربية (أبرزهم حزب الله اللبناني ولواء أبو الفضل العباس)، هذا إلى جانب تشكيل وتجنيد مجموعات محلية.

وفي رصد أعده مركز جسور للدراسات عن قواعد ونقاط القوى الخارجية في سوريا (يناير 2021)، تبين حضور إيران بعدد 131 موقعًا عسكريًا في سوريا منتشرين في محافظات درعا، دمشق، ريف دمشق، حلب، دير الزور، حمص، حماة، اللاذقية، السويداء، القنيطرة، إدلب، وموزعين بمواقع الجيش العربي السوري ومواقع التصنيع العسكري السوري الإيراني المشترك.  فيما أشار المركز أيضًا إلى وجود نحو 116 موقع عسكري تابع لحزب الله في محافظات حلب، إدلب، حمص، دمشق، ريف دمشق، درعا، دير الزور، القنيطرة، السويداء، وحماة. 

وبذلك، يدلل الانتشار الكثيف للقوات الإيرانية ومواليها في مناطق سيطرة النظام إلى مدى ما حققته إيران بالفعل من تغلغل عسكري هدفه الرئيس الحفاظ على مكتسبات النظام السوري الميدانية، ويضمن استمرار تبعية النظام السوري لطهران، ويسهم أيضًا في تنفيذ إيران لاستراتيجيتها الطموحة بإنشاء ممر بري بين طهران وبغداد ودمشق وبيروت، للوصول إلى المتوسط، ولتيسير إمداد حزب الله بالمعدات العسكرية. وفي يوليو 2020، تعزز الحضور العسكري الإيراني بشكل أكثر قوة ورسمية وذلك عبر توقيعه مع النظام لاتفاقية جديدة تهدف إلى تعزيز التعاون العسكري والأمني وتطوير أنظمة الدفاع الجوية السورية. 

ديموغرافيًا

يعد العنصر الديموغرافي العنصر الأهم في الاستراتيجية الإيرانية للتغلغل في سوريا، إذ تسعى طهران إلى تأسيس نفوذ سياسي دائم من خلال ترسيخ الموالاة الشعبية السورية للنظام الإيراني. ولذلك، عمدت إيران إلى إجراء تغييرات ديموغرافية في سوريا تستهدف زيادة هيمنة الشيعة الموالين لها، وذلك عبر انتهاج سياسات شراء الأراضي، واستقدام عائلات شيعية أفغانية وباكستانية وعراقية للعيش بمناطق كانت مملوكة سابقًا لعائلات سنية وذك قبل ترحيلهم إلى مناطق أخرى، وتقديم مزايا وحوافز مالية إلى الأشخاص الراغبين في اعتناق المذهب الشيعي.

يضاف إلى ما تقدم الممارسات المدنية الإيرانية من إعادة تأهيل المناطق وبناء المدارس، وإقامة مراكز ثقافية، هذا بالإضافة إلى محاولاتها إدخال اللغة الفارسة في النظام التعليمي السوري (تشير بعض التقارير إلى إدخالها بالفعل صفوفًا باللغة الفارسية إلى مناهج المدارس الابتدائية والمتوسطة ببعض مدارس محافظتي الرقة ودير الزور).

اقتصاديًا

استمرت إيران في تقديم الدعم المالي للنظام السوري الأمر الذي عُدّ شريان حياة لضمان بقاء النظام وللحيلولة دون انهياره. وفي المقابل، منح النظام السوري ضمانات سيادية لإيران مكنتها من تدعيم وجودها الاقتصادي في سوريا عبر الانخراط في مشاريع إعادة الإعمار، بالإضافة إلى الحصول على امتيازات اقتصادية بالعديد من القطاعات الحيوية، على رأسها الطاقة واستكشاف النفط واستخراج الفوسفات وبناء محطات توليد الكهرباء، وتأهيل البنى التحتية، وبناء وحدات سكنية ومراكز تجارية.

يتمثل الدافع الأكبر في الانخراط الاقتصادي المتزايد لإيران في سوريا في رغبتها استعادة ما أنفقته اقتصاديًا وعسكريًا خلال سنوات الحرب، خاصة في ظل ما تواجهه في سبيل تحقيق ذلك من منافسة روسية- غالبًا ما تكون الغلبة فيها لموسكو خاصة بقطاع الطاقة وتطوير الموانئ-، وعلى الرغم من ذلك فما زالت إيران تسعى لحصد الغنائم. ففي مايو 2020، أعلنت الحكومة السورية تسديد ديون الخطوط الائتمانية الإيرانية النفطية التي قدمتها خلال السنوات الماضية، عبر توقيع عقد مع إيران لاستكشاف النفط في “البلوك رقم 12” في منطقة البوكمال بريف دير الزور. وفي مارس 2021، تم الإعلان عن افتتاح طهران لمجمع ترفيهي بدمشق، وجارٍ العمل على بناء مركز تجاري مكون من 12 طابق في قلب العاصمة دمشق، وستتمركز فيه 24 شركة إيرانية.

الموقع المحتمل لسوريا داخل الاتفاق المرتقب

يواجه الوجود الإيراني الحالي رفضًا قاطعًا لدي العديد من الفاعلين الدوليين لاسيما الولايات المتحدة وإسرائيل، وحتى روسيا حليف إيران بمسار آستانا يصدر عنها العديد من المواقف والمواءمات –خاصة مع إسرائيل- يُفهم منها الرغبة الروسية في تحجيم النفوذ الإيراني في سوريا، ولكن الوجود الإيراني في سوريا أعقد وأصعب من أن يتم اجتثاثه بشكل نهائي.

فعلى الرغم مما يبدو من صعوبة استمرار إيران في تقديم الدعم لوكلائها جراء ما تواجهه من أزمة اقتصادية شديدة ناتجة عن سياسة “الضغط الأقصى” والتي تفاقمت بفعل تبعات وباء كوفيد-19، إلى جانب الضربات الإسرائيلية المتتالية للمواقع الإيرانية في سوريا والتي قوضت في بعض الأحيان من أنشطة التصنيع العسكري أو نقل الأسلحة، وكذا مقتل قاسم سليماني قائد فيلق القدس الذي اُعتبر اغتياله ضربة للمشروعات الإيرانية في الإقليم نظرًا لكون سليماني هو مهندس تلك المشروعات. ولكن، يدلل استمرار إيران في سياستها الإقليمية عدم وجود أي تراجع عن استراتيجيتها الهادفة إلى بناء نفوذ إقليمي ممتد ومستمر. 

وفي ظل استمرار تتابع جولات التفاوض التي تسهم في ارتفاع احتمال التوصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي لإيران، يرتفع أيضًا احتمال فتح باب التفاوض بشأن إدراج ملف التدخلات الإقليمية لإيران إما ضمن بنود الاتفاق، أو حتى اتجاه الأطراف نحو إعلان إرجاء التباحث بشأن هذا البند في اتفاق لاحق. 

ولكن، سيظل من غير المحتمل أن تخسر طهران ما أسسته من قواعد لحماية نفوذها وعمقها الاستراتيجي وكذا أمنها القومي، أو أن توافق على أي إجراء قد يهدد قطع طرق الإمداد والتواصل المباشر مع وكلائها في لبنان والعراق وسوريا واليمن، أو أن تضطر إلى خسارة المواقع التي أسست فيها وجودًا يمكنّها من مواجهة أي هجوم عليها بعيدًا عن أراضيها.

وفي ضوء ما تقدم، يشير العديد من التحليلات إلى تراجع أولوية قضية التدخلات الإقليمية، فمن المشكوك فيه أن يكون المجتمع الدولي والولايات المتحدة مستعدين لتعريض الاتفاق النووي للخطر جراء التفاوض حول الشق الإقليمي. ومع ذلك، سيبقى التساؤل حول انعكاس الاتفاق المرتقب على الحضور الإيراني في سوريا.

إن الوجود الإيراني في سوريا إذا كان غير مرحب به دوليًا، فهو مرحب به من قبل من يسيطر على مساحة ثلثي الأراضي السورية، بل وستكون الذريعة المعتادة لإيران حاضرة؛ إذ إن الوجود الإيراني في سوريا جاء بناءً على طلب من النظام السوري نفسه، وأن استمرار هذا الوجود مرتبط بما يجمعه مع النظام من اتفاق تعاون عسكري ودفاعي واتفاقات اقتصادية، وبالتالي قد لايكون هناك أداة واضحة يمكن للنظام الدولي بها تتبع أو تحديد الخروج الإيراني من سوريا، لاسيما في ظل ما نجحت طهران في تحقيقه من صهر لعناصرها داخل المجتمع والجيش الوطني السوري. وبالتالي، فقد تكون القضية هنا ليست قضية الخروج الإيراني من سوريا، وإنما تسوية الأزمة السورية نفسها وهو ما قد يكون مرحلة لاحقة للاتفاق.

يضمن توقيع الغرب لاتفاق مع إيران استعادة الأخيرة لمشروعيتها وصفتها كفاعل إقليمي إزاء المجتمع الغربي، وبعد إعادة انتخاب الأسد، فمن المتوقع أن تكون طهران ممثلة عن النظام السوري –وأيضًا عن الشيعة- خلال محادثات التسوية المستقبلية، بل وقد تمهد إلى جانب روسيا وأطراف عربية أخرى الطريق نحو القبول الدولي بنظام الأسد ومن ثم إجراء حوار مع النظام الذي سيكون حينها مستعدًا لتقديم تنازلات تحت مسمى “إصلاحات سياسية”، ولكنها في الوقت نفسه تضمن بقاءه واستمراره، وذلك من واقع ثلاثة أمور وهي: “سيطرته على المساحة الأكبر من الأراضي السورية، نتائج الانتخابات الرئاسية الأخيرة –حتى وإن كانت على غير هوى الغرب-، سيطرة النظام السوري على جيش نظامي قوامه –بحسب التقديرات لعام 2019- تبلغ 142 ألف مقاتل، ويحتل المرتبة المركز الثامن بين جيوش الشرق الأوسط، حسب تصنيف موقع “جلوبال فاير باور” العسكري لعام 2020.

وبجانب النقاش حول الأبعاد السياسية، قد يمتد الحديث أيضًا ليشتمل على أمور اقتصادية متعلقة بالأساس برفع عقوبات قانون قيصر، وذلك حتى يتسنى للأطراف الدولية المشاركة في عمليات إعادة الإعمار، وهو الأمر الذي يعد السبب الرئيس في دفع تلك الأطراف نحو التوصل إلى اتفاق سياسي يؤسس لبيئة آمنة ومستقرة لمشاريعهم واستثماراتهم في سوريا. وبالطبع، سيكون هناك بحث لمسألة عودة آمنة للاجئين وإعادة توطينهم، إلى جانب بحث سبل انسحاب كافة القوات الأجنبية (وهو الأمر الذي سيشكل انعكاسًا سلبيًا -وربما ضربة- للمشروع التركي في سوريا).

تبعًا لذلك، قد تقدم إيران في إطار التسوية تنازلات نزولًا على ما توافق عليه المجتمع الدولي، ولكن مع ذلك فمن غير المتوقع أن تشكل تلك التنازلات اختصامًا جذريًا للنفوذ الإيراني السياسي أو العسكري المتغلغل بالفعل في سوريا، أو حتى أن يكون لتلك التنازلات أي صدى معارض للواقع الميداني الذي أسسته إيران هناك.