بعد 3 سنوات من الجمود دخلت القضية الإيرانية مرحلة جديدة عمادها التفاوض، إذ توافقت كل أطراف خطة العمل الشاملة المشتركة JCPOA)) على بدء سلسلة من المباحثات بغرض التفاوض حول الاتفاق النووي في فيينا لفتح صفحة جديدة حول المسألة الإيرانية؛ إلا أن المشهد لا يزال متعثرًا، والتحركات لا تزال غير مكتملة. وعلى الرغم من ذلك، تؤكد بعض التحليلات وجود مؤشرات تدفع باتجاه الوصول إلى صيغة توافقية تذيب التعنت المتبادل في المواقف. الأمر الذي يثير التساؤلات حول الاتفاق المتوقع في خضم هذه الأجواء المربكة والمرتبكة.  

مباحثات فيينا… خطى متعثرة

باتت الأزمة الإيرانية ضمن أولويات السياسة الخارجية لإدارة الرئيس الأمريكي “جو بايدن”، واتسع الحديث حول الانقلاب على سياسة “ترامب” من خلال العودة إلى الاتفاق النووي ورفع العقوبات المفروضة ضد طهران. وفي هذا السياق، انطلقت الجولة الأولى من مباحثات فيينا حول البرنامج النووي الإيراني في 6 أبريل الماضي بين إيران ومجموعة “4+1″، التي تضم روسيا والصين وفرنسا وبريطانيا وألمانيا، على مستوى الخبراء. ومن الجدير بالذكر أن واشنطن لا تشارك في المباحثات بشكل مباشر، من خلال مبعوثها الخاص للشؤون الإيرانية “روبرت مالي”، لكنها –أي المباحثات– هي عمليًا مفاوضات غير مباشرة بين واشنطن وطهران يقوم الإتحاد الأوروبي فيها بدور المنسق. 

ومع بدء مسيرة المباحثات، أعلنت الخارجية الإيرانية على لسان المتحدث “سعيد خطيب زاده”، رفضها أي رفع جزئي للعقوبات الأمريكية. ما تسبب في عجز الجولة الأولى من المباحثات عن التوصل لأي تقدم ملموس، إلا أنها ساهمت- عبر نظرة متفائلة– في وضع البذور الأولى لمرحلة جديدة من التفاوض. وعليه، بدأت الجولة الثانية من مباحثات فيينا في 15 أبريل الماضي، أي بعد الهجوم على منشأة “نطنز” النووية وإعلان طهران رفع تخصيبها لليورانيوم إلى 60% ردًا على الهجوم. 

وفي مقابل ذلك، بدا أن التلويح بورقة رفع التخصيب لم يُحدث الضغط المطلوب، إذ عبرت بعض الأطراف عن تفاؤلها بالأجواء؛ فقد لفت الممثل الروسي لدى المنظمات الدولية في النمسا “ميخائيل أوليانوف” إلى أن “الانطباع العام إيجابي”. وهو ما أكدته واشنطن أيضًا على لسان المتحدث باسم خارجيتها “نيد برايس” أن المحادثات “إيجابية”، لكنها أشارت–في ذات الوقت-  إلى أن الطريق ما زال طويلاً. فيما قالت طهران إن المحادثات تتقدم، لكنها حذرت مما وصفته بـ”المطالب غير المنطقية”.

ومن جانبها، تحاول الصين الدفع بمسيرة المباحثات والعمل على تجاوز الخلافات، إذ يقول مبعوث الصين لمباحثات فيينا “وان تسون” Yن المحادثات ستتواصل، وبقية أطراف الاتفاق اتفقت على تسريع العمل بشأن قضايا من بينها العقوبات الأمريكية. وفي المقابل، فقد أكدت واشنطن على لسان مستشار البيت الأبيض للأمن القومي “جيك ساليفان” على عدم وجود نوايا لـ”تقديم أي تنازلات” لطهران أو رفع العقوبات إلا مع عودة طهران لالتزاماتها بموجب الاتفاق النووي.

ثم جاءت الجولة الرابعة –التي انعقدت في 7 مايو الماضي-  في خضم طريق متعثر من المباحثات، مع الحديث عن تقدم متواضع ينذر بانفراجة “ليست قريبة”. إذ لفتت بعض التحليلات إلى أن الخلاف برز بين واشنطن وطهران خلال الجولة الثالثة، التي انعقدت في 27 أبريل الماضي، حول أجهزة الطرد المركزي المتطورة؛ إلا أنه في ختامها أعلن المجتمعون في فيينا عن تحقق “تقدم ملموس”، وأن ملامح الاتفاق بدأت ترتسم. 

واعتبرت الدول الأوروبية الثلاث (فرنسا وألمانيا وبريطانيا) في بيان مشترك أن ملامح هذه الجولة تختلف عن سابقتها مؤكدين أنه “على صعيدي النووي والعقوبات، بدأت ترتسم أطر الاتفاق النهائي”. لكنهم شددوا في ذات الوقت على ضرورة “عدم التقليل من شأن التحديات المقبلة” بسبب تعقد بعض المسائل التقنية. ووصف رئيس الوفد الإيراني في مباحثات فيينا “عباس عراقجي” المسائل العالقة بأنها “موضوعات حساسة” لا تزال محل خلاف.

وفي ذات الأجواء، انعقدت الجولة الخامسة في 25 مايو الماضي، إذ استبعد “عراقجي” أن تصل هذه الجولة لنتيجة. وكذلك أعلنت وزارة الخارجية الألمانية أن “محادثات فيينا مع إيران مكثفة، ولكن يصعب التكهن بموعد تحقيق النجاح”؛ مشيرة إلى أن “القضايا الحيوية مع إيران لم يتم حلها بعد”. وفي أعقاب ذلك، قال المتحدث باسم الخارجية الأمريكية إن واشنطن تتوقع جولة سادسة من المباحثات، بل قد تمتد إلى جولات أخرى تالية، بهدف إحياء الاتفاق النووي. في حين، لفت المنسق الأوروبي لمباحثات فيينا “إنريكي مورا” إلى أنه يتوقع التوصل لاتفاق مع طهران خلال الجولة المقبلة.

وعليه، يتضح أن حجر العثرة الذي يتصدر المشهد في مباحثات فيينا يكمن فيمن عليه القيام بالخطوة الأولى؛ إذ تصر طهران، على رفع العقوبات الأمريكية عنها دفعة واحدة، كشرط لعودة التزامها بالاتفاق؛ في مقابل إصرار واشنطن على الخفض التدريجي للعقوبات المقرون بعودة طهران إلى التزاماتها بموجب الاتفاق النووي.

الأجواء المحيطة…تأثير مزدوج:

بالنظر إلى الصعوبات التي واجهتها الجولات المتتالية من مباحثات فيينا يتضح وجود عدد من العوامل المؤثرة في مضمون المباحثات ومسارها، والتي تحمل تأثير مزدوج ما بين التحفيز والعرقلة، وأيضًا تساهم بشكل أو بآخر في رسم ملامح المشهد الجاري؛ فعلى سبيل المثال تحمل الأوضاع الداخلية داخل كل من واشنطن وطهران تأثيرات مثبطة –بقدر ما- لمسار فيينا، في حين يبدو أن هناك رغبة سياسية لدى كلا الطرفين في تحقيق إنجاز ملموس، وفي غضون ذلك يحمل دور الأطراف الإقليمية والدولية تأثيرات متباينة؛  ويُمكن إبراز ذلك على النحو التالي:

الأوضاع الداخلية:

على الرغم من أن الاتفاق النووي يضم الدول الخمس الأعضاء الدائمين بمجلس الأمن، بالإضافة إلى ألمانيا؛ إلا أن انسحاب إدارة “ترامب” من الاتفاق جعل المشهد يبدو وكأنه مرتبط فقط بواشنطن وطهران. وعليه، يتضح أن الأوضاع الداخلية في كلتا الدولتين باتت ذات طابع مؤثر تلقى بظلالها على مسار الأحداث وتفرض حدودًا يصعب تجاوزها.

ففي واشنطن، يتضح أن هناك عددًا من المتغيرات التي تساهم في وضع الأطر التي تتحرك داخلها إدارة “بايدن”؛ من بينها إرث الإدارة السابقة والمتعلق –من ناحية – بالاعتماد على العقوبات كأداة لإجبار إيران على الالتزام بمطالب واشنطن، ومن ناحية أخرى بحجم التجاوزات التي قامت بها طهران سواء ما يتعلق بالملف النووي والصواريخ الباليستية أو ملف تحركاتها الإقليمية المزعزعة للاستقرار. 

بعبارة أوضح، من غير المفترض أن تتفاوض إدارة “بايدن” مع طهران بنفس منطق إدارة “باراك أوباما” متجاهلة التغيرات التي وقعت على مدار 4 سنوات. وعلى الجانب الآخر، يتضح أن الإدارة الأمريكية تحاول جاهدة تجنب الظهور بمظهر الضعيف في وجه طهران على الساحة الداخلية، لا سيما مع استمرار الحشد المضاد للإدارة الذي يحفزه المعسكر الجمهوري المحافظ بقيادة “ترامب”.

ومن جهتها، تواجه طهران ساحة داخلية مركبة تحمل مزيجًا معقدًا من تردي الأوضاع الاقتصادية، والتداعيات السلبية لجائحة كورونا، والانتخابات الرئاسية التي أفرزت رئيسًا ذا توجه محافظ، بجانب اضطراب الظروف الصحية للمرشد الأعلى. ويسير بالتوازي مع هذه الأمور، عدد من الحوادث ذات الصدى كالتسريب الصوتي المسجل لوزير الخارجية “محمد جواد ظريف”، والذي تسبب في توجيه سيل من الانتقادات ضده من جانب المحافظين الذين لا يتفقون بشكل كبير مع الفريق التفاوضي. علاوة على ذلك، فقد أحرج الهجوم الذي استهداف منشأة “نطنز” النووية الحكومة الإيرانية محليًا، لا سيما أمام المعسكر المتشدد الذي يستثمر الحادث للضغط على مسار المباحثات الجارية.

تحقيق إنجاز

بالنظر إلى المشهد الجاري عبر نظرة تحليلية مع تتبع لمواقف الأطراف، يمكن إطلاق افتراض عام مؤداه أن جميع الأطراف لديها دوافع للوصول إلى توافق في الآونة الراهنة. فكما سبقت الإشارة فإن كل الأطراف، باستثناء واشنطن، تؤيد الاتفاق النووي؛ لذا، يبدو أن الفحوى الأساسي لحل الأزمة الحالية بات مرتبطًا بتوافر رغبة لدى واشنطن وطهران في الوصول إلى حل، وهو ما تدلل عليه مجموعة من المؤشرات. 

بالنسبة لواشنطن، فمثلما استفادت الإدارة الحالية في النيل من إدارة “ترامب” بسبب فشله في إدارة الملف الإيراني، فهى تحمل في سبيل ذلك رغبة كبيرة في تحقيق انجاز يُذكر على صعيد هذا الملف، لا سيما وأنه يمس حلفاءها المقربين كإسرائيل ودول الخليج. علاوة على ذلك، فإن تحقيق انجاز أمريكي في الملف الإيراني سيوفر الغطاء المناسب للتغطية على الملفات التي لازالت تشهد ارتباكًا أمريكيًا.

وارتباطًا بذلك، فإن عودة القيادة الأمريكية التي روجت لها إدارة “بايدن” تفرض عليها دورًا أكثر انغماسًا على الساحة الدولية في أغلب الملفات، وفي مقدمتها الملف الإيراني. كما لا يمكن تجاهل الرغبة الأمريكية في ثني طهران عن المزيد من التقارب مع خصميها (روسيا والصين).

ومن جهة طهران، يتضح وجود رغبة واضحة لديها لتحقيق إنجاز والوصول إلى اتفاق؛ إذ باتت مسألة رفع العقوبات هدفًا أساسيًا، لأن الاقتصاد في حالة تداعٍ مستمر بطريقة تفاقم أعباءً هائلة على الشعب الإيراني، فضلًا عن تجاوز حالة الإحراج التي يتعرض لها النظام بسبب الحوادث المتكررة التي تتعرض لها إيران، مثل الهجوم التي وقع على منشأة نطنز والذي عمق حالة التنافس السياسي في الانتخابات الرئاسية. وأخيرًا، يتضح –بشكل عام- وجود رغبة إيرانية ملحة بشأن اعتبارها قوة إقليمية وفق غطاء من الشرعية الدولية، الأمر الذي يعني إتاحة مجالات أوسع لتحركاتها في المنطقة وفق ضوء أخضر دولي.

الأطراف الإقليمية والدولية

تشهد قضية الملف النووي الإيراني انخراطًا واضحًا لأطراف إقليمية ودولية بقدر ما يحمله الملف من تأثيرات وتداعيات إقليمية ودولية. إذ لم تعد هذه المسألة متعلقة بقدرات الدولة الإيرانية فحسب، وإنما هى متعلقة بالجوار الإيراني والتحركات الإيرانية الإقليمية بطريقة باتت متعلقة بشكل رئيس باستقرار منطقة الشرق الأوسط بأكملها، ومثلت محددًا لإطار الدور الذي يلعبه كل طرف في المنطقة.

فيما يتعلق بالأطراف الإقليمية، فعلى الرغم من عدم جلوس أي طرف إقليمي على طاولة المباحثات في فيينا، إلا أن ثمة تأثير لهذه الأطراف على مسار المباحثات. إذ تأتي إسرائيل في مقدمة هذه الأطراف عبر انتهاجها مسار تصعيدي ضد إيران في سبيل عرقلة مسار فيينا التفاوضي؛ قال رئيس الوزراء الإسرائيلي المنتهية ولايته “بنيامين نتنياهو” في حفل ترحيب بالرئيس الجديد للموساد “ديفيد بارنيا” إنه “على أي حال –بوجود اتفاق أو بدونه- سنبذل قصارى جهدنا لحرمان طهران من الأسلحة النووية لأن هذا يتعلق بوجودنا ذاته”.

إضافة إلى دول الخليج التي يمكن عدّها غير راضية عن النسخة الحالية من الاتفاق النووي 2015، إذ ترغب في اتفاق أكثر تحجيمًا لسلوك إيران العدواني؛ واتباطًا بهذا، يتصدر مساران مؤثران؛ مسار بين واشنطن ودول الخليج؛ كالنقاش الذي أجراه المبعوث الأمريكي لإيران “مالي” مع ممثلي دول مجلس التعاون الخليجي بشأن الاتفاق النووي والأمن الإقليمي؛ بجانب المسار الإيراني الخليجي الذي يتضح في قناة الاتصال التي تم فتحها مع السعودية والهادفة لخفض التوتر وتحقيق التقارب؛ إذ قال وزير الخارجية “ظريف”، خلال زيارة لسوريا، إن طهران مستعدة لتوثيق العلاقات مع الرياض.

أما الأطراف الدولية، فيتضح دورها بشكل أكثر وضوحًا كونها المتصدرة للمشهد والجالسة على مائدة المباحثات. من خلال تتبع مسار المحادثات، يبدو وجود رغبة لدى الأطراف الأوروبية بالإضافة لروسيا والصين في تقريب وجهات النظر بين واشنطن وطهران ودفعهما للالتزام بالاتفاق، وقد يرجع السبب في ذلك إلى تبنيها لرؤية تقوم على افتراض مفاده أن التزام طهران باتفاق أيًا كان نطاقه أفضل من ترك إيران بدون اتفاق. 

وفي هذا الإطار، لا يمكن إغفال الأمر المتعلق بأن مباحثات فيينا تجري بعد أشهر قليلة من عقد الاتفاق الصيني الإيراني الذي عدّته بعض التحليلات دافعًا للنظام الإيراني نحو مزيد من التعنت في وجه واشنطن، لكن الصين –من جهتها-  تدرك أن توقيع الاتفاق النووي سيزيد من مكاسبها الناتجة عن الاتفاق الذي وقعته مع إيران.

أي اتفاق يمكن توقعه؟

مع تتبع مسار مباحثات فيينا الذي يشهد جولة سابعة بعد فشل الجولات الست السابقة ليس في الوصول لاتفاق فحسب، لكنها فشلت أيضًا في تحديد الأطر العامة والقضايا الأساسية للاتفاق المزمع، والأكبر من ذلك هو الفشل في جمع طهران وواشنطن معًا على طاولة واحدة حتى الآن.

وارتباطًا بذلك، يتضح وجود أمرين غلّفا مسار المباحثات؛ يتعلق أولهما باتساع نطاق التصريحات المتناقضة، إذ رأى الرئيس السابق “روحاني”، أن المفاوضات “تسير في اتجاه صحيح”، وأن إيران “لن تتخلى عن أي من حقوقها”؛ في حين لفت المتحدث باسم الخارجية الأمريكية “برايس” إلى أن واشنطن ترى أن المباحثات لم تحقق اختراقًا بعد ولا يزال أمامها طريق طويل. وعليه، يتضح أن التعليقات الصادرة بشأن المباحثات هى تعليقات دعائية أكثر من كونها معبرة بحق عن مسار وفحوى المباحثات.

 ويتصل ثانيهما بالحصول على أكبر قدر من كروت الضغط التي قد تساهم في توجيه دفة المحادثات، إذ يبدو أن إيران تحاول الضغط عبر استهداف المصالح والقوات الأمريكية في العراق (مثلما حدث عبر استهداف قاعدة عين الأسد التي تضم قوات أمريكية)، وكذا تأكيدها رفع نسبة تخصيب اليورانيوم متجاوزة التزاماتها بموجب الاتفاق، بجانب ما عدّته بعض التحليلات دعمًا إيرانيًا للعملية العسكرية التي شنتها حماس على إسرائيل؛ في حين يبدو أن التصعيد والأعمال العدائية التي تقوم بها إسرائيل ضد طهران تمثل كروت ضغط يمكن لواشنطن توظيفها على المائدة.

وفي خضم هذه الأجواء، يتضح أن الإنجاز البارز حتى الآن يكمن في كسر حالة الجمود التي ظهرت منذ انسحاب إدارة “ترامب”، والذي ترافقت معها حالة من العناد والتعنت في طهران وواشنطن؛ إذ مثلت مسألة الشروع في المباحثات نقطة إيجابية مضيئة تحمل قدرًا من التنازل الذي قدمه كل جانب؛ إذ استجابت طهران للمشاركة في المباحثات قبل رفع العقوبات، واستجابت واشنطن للمشاركة قبل إعلان إيران العودة لالتزاماتها النووية؛ الأمر الذي قد يعطي مؤشرات على اتجاه حالة التأزم نحو الحلحلة ولو المحدودة. 

عطفًا على ما سبق، يمكن القول بشكل عام إنه من الصعب توقع حل للقضية الإيرانية دفعة واحدة أو عبر مرحلة واحدة، إذ يبدو أن الأمر يتطلب مفاوضات متعددة المراحل، تحمل كل مرحلة ملفات أو نقاط بعينها. وعليه، فمن المتوقع أن تسفر محادثات فيينا عن اتفاق مؤقت –كمرحلة أولى- لإتاحة المجال للدبلوماسية للعمل على تسوية دائمة تتعلق بالمسائل الفنية المعقدة أو القضايا الإشكالية. 

وفي هذا السياق، فقد لفت بعض الأنباء إلى تصريح أدلى به مسؤول إيراني أشار فيه إلى أنه إذا تم التوصل إلى اتفاق سياسي بشأن الخطوات الفنية لرفع جميع العقوبات، فقد تعلق طهران تخصيب اليورانيوم إلى نسبة نقاء 20% مقابل الإفراج عن أموالها المحتجزة خارجيًا، والتي تصل إلى 20 مليار دولار من إيراداتها النفطية المجمدة في دول مثل كوريا الجنوبية والعراق والصين بموجب نظام العقوبات الذي فُرض منذ عام 2018.

يشير بعض التحليلات إلى أن الإدارة الأمريكية سوف تتجه صوب إلغاء بعض العقوبات التي فرضتها إدارة “ترامب”، كبادرة حسن نوايا من أجل تحفيز إيران على الإلتزام ببنود الاتفاق. إلا أن العودة إلى الالتزام باتفاق عام 2015، يعني توجيه كل هذه الجهود القائمة نحو اتفاق سينتهي عمره في 2025؛ ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد إذ انتهى حظر الأسلحة التقليدية المنصوص عليه في الاتفاق في أكتوبر 2020، وسينتهي حظر الصواريخ الباليستية بموجب الاتفاق في أكتوبر 2023. وعليه، يتضح عمليًا أن إيران لن تخسر الكثير على الصعيد العسكري إذا عادت للاتفاق النووي. الأمر الذي يعني أن العودة إلى الاتفاق تتطلب تعديل بعض البنود حتى يكون أكثر فاعلية في التعاطي مع الأزمة الإيرانية. 

وعلى المستوى الاقتصادي، تعني عودة إيران إلى التقيد بالتزاماتها بموجب الاتفاق، تعليق العقوبات والإنهاء التدريجي لحالة الحصار الدولي التي تعانيها؛ فقد فرضت الإدارة الأمريكية السابقة عقوبات على 700 جهة وفرد تضم 24 مؤسسة حيوية للاقتصاد الإيراني ومنها البنك المركزي وشركة النفط الوطنية، ما تسبب بشكل دراماتيكي في تردي الأوضاع الاقتصادية على نطاق واسع، وتراجع الاحتياطي النقدي إلى مستوى متواضع، وضرب سوق إيران النفطية. الأمر الذي يعني دخول إيران في حالة من الانتعاش الاقتصادي التي ستعزز مقدرات الدولة الإيرانية.

وعلى صعيد النفوذ الإقليمي، فمن غير المتوقع أن يؤدي امتثال إيران للاتفاق النووي إلى تأثير قاطع على سلوكها الإقليمي الساعي لإثبات النفوذ وتحقيق التأثير، نتيجة لعدد من العوامل؛ أبرزها أن الإلتزام بالاتفاق النووي –بأبعاده الفنية-  كمرحلة أولى لا يتضمن التزامًا مباشرًا بالتوقف عن تحركاتها الإقليمية لا سيما التي تتم عبر وكلاء، وكذا فإن إرجاء هذه المسألة لمرحلة متقدمة من التفاوض يعني إعطاء الفرصة لطهران لمزيد من كسب الوقت في تحركاتها على الأرض. 

علاوة على ذلك، يتضح من تتبع المشهد الإقليمي أن طهران استطاعت بفعل عبر سنوات خلت أن تحقق نفوذًا إقليميًا من خلال تغلغل متعدد الأبعاد وليس عسكريًا فقط في الدول التي تدخلت فيها. الأمر الذي يعني أن الدفع في اتجاه الضغط على إيران لسحب ميليشياتها أو قواتها من هذه الدول، لا يعني إنهاء النفوذ الإيراني هناك، فعلى سبيل المثال سيظل الحوثيون فصيلًا يمنيًا تصعب تنحيته من المشهد، وسيظل حزب الله فصيلًا لبنانيًا يصعب تجاهله، وسيبقى الوجود الإيراني في سوريا مرتبطًا بالحاضنة الشعبية التي استطاعت بناءها خلال هذا العقد. 

وفي المقابل، يبدو أن مسألة الضمانات التي ستحصل عليها الدول الغربية بما فيها الولايات المتحدة عبر الاتفاق تتطلب المزيد من التوسع في دور الوكالة الدولية للطاقة الذرية والصلاحيات المخولة لها؛ إذ إن تتبع السلوك الإيراني تجاه الوكالة الذرية يوضح أنها جعلت الضمانات مجالًا للتلاعب الإيراني ومجالًا للمناورة الإيرانية للمضي قدمًا في طموحها النووي متجاوزة التزاماتها بموجب الاتفاق.وعليه، يتضح أنه حال نجحت المفاوضات سيظل الوصول إلى اتفاق قادر على تحقيق تقييد فعلي لإيران مسألة يصعب توقعها في ظل المحددات القائمة، ما يعني أن الحديث حول المسألة الإيرانية يُمكن أن يستمر لسنوات؛ ليس هذا فحسب بل قد يساهم في إعادة هندسة الشرق الأوسط برمته. وفي هذا السياق، يبدو أن إيران ستظل كمعضلة في المنطقة سواء في ظل الاتفاق أو بدونه؛ ويبدو أيضًا أن المسألة الإيرانية ستستنزف جهود الإدارة الأمريكية الحالية خلال سنواتها الأربعة حتى وإن التزمت طهران ظاهريًا بالاتفاق.