عرض- فردوس عبد الباقي

نشر مركز “بيجن- السادات” للدراسات الاستراتيجية الإسرائيلي تحليلًا بعنوان: “إيران وروسيا وتركيا: نموذج أورو-أسيوي للعلاقات الخارجية”، يحاول تسليط الضوء على أن المزيج بين المصالح المترابطة والمتناقضة في نفس الوقت، فقد أثبتت الدول الثلاث قدرتها على العمل معًا دون التقيّد بالتحالفات الرسمية، مما يمكن اعتباره في نهاية الأمر “نموذجا للعلاقات الأورو-أسيوية” في ظل نظام دولي متغير.

فقد اعتبر الكاتب أن التعاون من المنظور الغربي يقوم على أُطر معيارية، سواء كان تحالفًا أو آلية قانونية أخرى، وهذا ما دفع إلى الخطأ في تقدير حالة التعاون بين روسيا وإيران وتركيا على أنها تحالف، وفي نفس الوقت يبالغون في أهمية التفاعل بين الدول الثلاث على المستوى الأوراسي.

لهذا؛ لا يجب النظر لعلاقة هذه الدول على مستوى التحالف، فالأمر يسير بأنهم يتعاونون ويتنافسون ويطلبون مساعدة بعضهم البعض، وذلك يتوقف على مدى مناسبة الموقف. ويتشابه هذا التفاعل مع اتفاق القوى الأوروبية في القرن التاسع عشر بأن القوى كانت ترغب في إيجاد أرضية مشتركة وتحقيق توازن لتجنب فرض إرادة قوة واحدة على الآخرين، كما تشاركوا أيضًا في مسألة أن النظام الدولي المتغير أمر يجب التخوف منه.

توافق عام.. اختلاف تفصيلي

ذكر الكاتب أن التهديدات التي جمعت بين إيران وتركيا وروسيا هي الحرب في سوريا والإرهاب والتطرف، ثم القضية الكردية بشكل ما بسبب المخاوف المشتركة من تلك النزعة الانفصالية. كما أن الضغط الأمريكي بدرجاته على الدول الثلاث كان عاملًا لتعزيز تعاونهم لمقاومة النظام العالمي الليبرالي، وهو ما يدفعهم لمحاولة إعادة تشكيل النظام الدولي بشكل يعود عليهم بالاستفادة ويفتح مساحة جديدة للتوازن.

وبالنظر إلى تفاصيل رؤيتهم في هذا الشأن، فهي مختلفة، إذ تريد إيران إصلاح شامل لأن حماستها الثورية ونظرتها الجيوسياسية تتعارض تمامًا مع النظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة، لكن تعد روسيا قوة تعديلية مطالبها أقل راديكالية تسعى للحصول على بعض المزايا في ظل النظام العالمي الليبرالي. أما تركيا؛ فهي تسعى لتحقيق توازن بين الولايات المتحدة وروسيا، ويظهر هذا في سياستها الخارجية في الشرق الأوسط وشرق المتوسط، فهي تجادل بأنها حرة في التعاون مع أي لاعب في النظام الدولي المتطور بما يخدم مصالحها، وألا يتم اعتبار أي من هذه العلاقات على أنها ثابتة.

أحد أهم التوافقات تتضح في تماثل التجربة التاريخية لدى شعوب الدول الثلاث في النضال ضد الإمبريالية، ويعتقدون أن منطقة “أوراسيا” يمكن أن توفر بديلاً لهيمنة الغرب الثقافية والتاريخية والسياسية والاقتصادية. بالإضافة إلى أن الدول الأصغر تنظر إلى الدول الثلاث على أنهما يقدمون مفهوم “الملكية الإقليمية”، التي تعطي الأولوية للتعاون الثنائي في المشاكل الإقليمية دون إشراك أطراف ثالثة. وقد ظهر ذلك في اتباع كل من تركيا وروسيا رؤية مشتركة في البحر الأسود وتعاونتا في جنوب القوقاز بعد حرب كاراباخ الثانية. وبُذلت جهود في ليبيا أيضًا، وتم التعبير عن أفكار مماثلة –في المستوى الخطاب على الأقل- حول الأزمة الأخيرة بين إسرائيل وحركة حماس.

لدى إيران تطلعات مماثلة لروسيا عندما يتعلق الأمر ببحر قزوين، فلا يُسمح بدخول قوى أجنبية إلى المنطقة، ويتعين على الدول الأصغر التي لديها منفذ إلى البحر أن تعترف بمصالح طهران وموسكو الحيوية في مجال الطاقة والأمن.

وعلى ذكر الموقف من الغرب، فقد تشاركت الدول الثلاث في التطلع لتهميش الغرب في المبادرات، مثل محادثات “أستانا” التي لم تكن سوى محاولة لتقديم رؤية بديلة للأزمة السورية، وجنوب القوقاز عندما اقترحت تركيا وإيران فكرة إنشاء ميثاق إقليمي حول الأمن والتعاون لا مكان فيه للغرب.

تتطلع روسيا –حتى أثناء الحقبة السوفيتية- باستمرار لتكوين علاقات أفضل مع تركيا وإيران، والتعاون معهما لبناء سياسة خارجية أكثر نشاطًا في الشرق الأوسط وإعادة تشكيل النام الدولي في حقبة ما بعد الاتحاد السوفيتي.

تعاون دون تحالف رسمي

أشار الكاتب إلى أنه برغم ما تُظهره التيارات الأساسية على المستويين الإقليمي والدولي للتقريب بين الدول الثلاث، فإن هذا لا يعني أنهم يسعون إلى إنشاء تحالف رسمي مع التزامات، وهذا ما يميزهم عن الغرب، لأن ذلك يسمح لهم بالمناورة والتوازن والنظر لمجالات التأثير الحيوية لبعضهم البعض.

وتعد مسألة السعي لإيجاد أرضية مشتركة دون التزامات رسمية هو سمة من سمات عالم ما بعد القطب الواحد، فعلى سبيل المثال؛ ترفض روسيا والصين رسميًا إقامة تحالف على اعتبار أنه سيقوض نواياهما الحسنة تجاه بعضهما البعض، لكنه لا ينفي في نفس الوقت عدم وجود سمات ثقافية مشتركة أو سمات أخرى أكثر أهمية لبدء التحالف.

بالنسبة لروسيا، فإن التعاون المكثف مع تركيا وإيران مفيد من حيث أنه يوفر نفوذًا على الغرب ويسمح لموسكو بحل المشاكل الحرجة في البحر الأسود والقوقاز ومناطق بحر قزوين، وكذلك سوريا. رغم ذلك، من المشكوك فيه إلى أي مدى تريد روسيا من تركيا أن تقطع علاقاتها مع الناتو، لأن ذلك يتسبب في حدوث توترات مستمرة داخل الحلف، بما يعود بالنفع على روسيا أكثر من تركيا.

وفيما يتعلق بإيران، تسعى روسيا إلى جعلها معتمدة على نفوذها الدبلوماسي. وعلى الرغم من أن الحل طويل الأمد للمأزق النووي الإيراني هو السيناريو الأقل رغبة في الكرملين، لكنه سيسمح للشركات الروسية باختراق السوق الإيرانية، التي ستُفتح أيضًا أمام الشركات الغربية الأكثر قدرة على المنافسة.  

بناءً عليه، اعتبر الكاتب أن إبقاء أنقرة وطهران على صلة بروسيا سيكون له ضرر مماثل لحالة الابتعاد عنهما، لذا فهي تسعى للحفاظ على توازن مع الدولتين التي تلعب كل منهما على استخدام الورقة الروسية للحصول على تنازلات من الغرب، لكن ذلك لا ينفي القلق من الاعتماد الكامل عليها، لذا يسعون هم أيضًا للتوازن بين كل الأطراف.

اختتم الكاتب تحليله بأن الدول الثلاث قدمت نمطًا غير مقيد بالشكليات، لكنه لا يزال مدفوعًا بالمصالح المشتركة طويلة الأجل، ويعكس في نفس الوقت التطور الذي يشهده النظام الدولي، حيث يكون لكل دولة تأثير جيوسياسي يساعدها على ضبط علاقاتها الخارجية.

Scroll Up