مع وصول المتشددين للسلطة في إيران بعد جولة الانتخابات الرئاسية الأخيرة، لا تبدو ملامح السياسة الخارجية لإيران خلال الفترة المقبلة مرنة بشكل نسبي. إذ أن القضية الأهم التي أفضت إليها نتائجُ الانتخابات الرئاسية الثالثة عشرة في تاريخ الجمهورية الإيرانية خلال شهر يونيو 2021 لم تكن صعود أو “تصعيد” المتشددين إلى السلطة في البلاد، وإنما خضوع جميع مؤسسات صنع القرار في إيران لسيطرة هذا التيار بداية من مؤسسة ولاية الفقيه وحتى البرلمان.

 فحتى 17 يونيو من العام الجاري، كان هناك منفذٌ لتيار الإصلاحيين من أجل التعامل بمزيد من الدبلوماسية المرنة مع العالم الخارجي فيما يتعلق بالعديد من القضايا الخلافية أو التعاون المشترك، وكان من أبرز هذه الملفات الأنشطة النووية والعسكرية والإقليمية لإيران. ملفاتٌ وإن كان المتحكم الأساسي بها ليس رئيس الجمهورية في شارع “باستور” بالعاصمة طهران، ولكن مسار الحديث حولها كان يتسم بمرونة أكثر خلال الفترة الماضية مما لو كانت عليه في ظل قيادة متشددين لمثل هذه المحادثات. 

 وتُعد الولايات المتحدة الأمريكية من أهم وأبرز دوائر ملفات السياسة الخارجية لإيران؛ لدورها الدولي المتعارف عليه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية من جانب وطبيعة الصراع المتواصل بينها وبين إيران في مناطق عدة حول العالم منذ ثورة عام 1979 من جانب آخر. وعلى الرغم من أن مسار العلاقات بين واشنطن وطهران منذ ذلك العام قد دخل دائرة التوتر والتصعيد المتواصل، إلا أنه لم يكن يعني عدم وجود مساحة للدبلوماسية والحوار. فقد كانت فترة حكم الرئيس الأسبق محمد خاتمي (1997-2005) والمحادثات التي استمرت لسنوات وأفضت إلى التوصل لاتفاق نووي عام 2015، إضافة لأوجه أخرى من التنسيق المشترك، أبرز العوامل الدالة على إمكان وجود تفاهم مشترك وأن المسار ليس دائماً تصعيدياً.

وقد أثار صعود المتشددين إلى سدة الرئاسة في إيران مؤخراً، بعد فوز إبراهيم رئيسي بالانتخابات، تساؤلاتٍ حول مستقبل العلاقات بين طهران وواشنطن خلال عهد هؤلاء المحافظين. وأصبحت الإجابة عن هذه التساؤلات أكثر إلحاحاً بعد تصريحات الرئيس المنتخب إبراهيم رئيسي في مؤتمره الصحفي الأول عقب الإعلان عن فوزه والتي أكد فيها على عدم قبول التفاوض بشأن الملف الصاروخي والإقليمي لطهران، إضافة لعدم استعداده للجلوس مع نظيره الأمريكي، جو بايدن. 

كيف يرى الرئيس الإيراني الجديد الولايات المتحدة الأمريكية؟ 

إيران.. تعيين رجل دين متشدد رئيسا للسلطة القضائية | أخبار سكاي نيوز عربية

لم يُدلِ الرئيسُ الإيراني المنتخب إبراهيم رئيسي بتصريحاتٍ كثيرة موضِّحة خلال حملته الانتخابية التي انتهت يوم 16 يونيو 2021، وذلك فيما يتعلق بالسياسة الخارجية لبلاده، على الرغم من حديثه بشكل أكبر حول برامج اقتصادية مستقبلية. ولكن رئيسي قد تحدث بشكل مكثف وأكثر وضوحاً حول السياسة الخارجية لبلاده خلال الدورة الانتخابية الرئاسية الثانية عشرة عام 2017، وأيضاً أثناء توليه رئاسة السلطة القضائية في بلاده (2019-2021).  

فخلال هذه السنوات الأربع الماضية، اتضحت كثيراً ملامحُ رؤية إبراهيم رئيسي للولايات المتحدة الأمريكية وطبيعة العلاقة التي يجب أن تكون بين واشنطن وطهران، حسب رؤيته.  

إن الرئيس الإيراني المنتخب حديثاً، ومن خلال تتبع هذه التصريحات، لا يبدي، حسب وجهة نظره، ثقة كبيرة بالولايات المتحدة الأمريكية ثم من بعدها الدول الأوروبية. وکان لرئيسي تصريحٌ شهير في مدينة مشهد منتصف عام 2016، قبل توليه القضاء، قال فيه نصاً “لم نر في التاريخ دولة أصبحت قوية بيد الغرب وأمريكا”. 

وترتكز رؤية إبراهيم رئيسي السياسية على ضرورة تعامل إيران مع الولايات المتحدة، من منطلق الندية، ما جعله يؤكد في أكثر من تصريح له على أن التزام إيران بتعهداتها المنصوص عليها في الاتفاق النووي المبرم عام 2015 يجب أن يُقابَل بالتزام خارجي آخر. 

 وفي الوقت نفسه، يدعو إبراهيم رئيسي إلى التركيز بشكل أكبر على الداخل الإيراني مقارنة بعلاقات أوسع لبلاده مع واشنطن والخارج بوجه عام، حيث يرى أن حل المشكلات الداخلية أولاً سوف يؤثر على القدرة التفاوضية والسياسة الخارجية لإيران خارجياً، وربما هذا هو ما دفعه للتركيز أكثر خلال المناظرات الانتخابية الثلاث على القضايا الاقتصادية، على النقيض نسبياً من حملته عام 2017، ربما لتيقنه من أن احتمالات فوزه كبيرة للغاية هذه المرة، فأراد أن يضع النقاط على الحروف.

يقول رئيسي في المؤتمر الصحفي الأول له بعد الفوز في الانتخابات الرئاسية وذلك يوم 21 يونيو الجاري إن “سياستنا الداخلية وأولوياتنا في هذه الحكومة ستكون تحسين حالة العمل لدى الناس وتحسين ظروف وحالة الناس المعيشية”. وفي المؤتمر نفسه، أعاد إبراهيم رئيسي التأكيد على نهجه في التعامل مع الولايات المتحدة الأمريكية، إذ أوضح عدم ثقته المُشار إليها بها، إلى جانب تشديده على أن أولويته هي السياسة الداخلية والملفات الاقتصادية. 

وأعلن رئيسي بشكل صريح عدم استعداده للجلوس مع الرئيس جو بايدن، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة هي التي خرجت من الاتفاق النووي في عهد الرئيس السابق، دونالد ترامب، وبالتالي عليها أن تعود إليه وإلى الالتزامات الواردة فيه. وفي السياق نفسه، یمیل الرئيس الإيراني الجديد أكثر إلى تعميق التعاون الاقتصادي والسياسي الإيراني مع الدول الواقعة شرقي بلاده في قارة آسيا. 

إذاً، تعكس رؤية رئيسي بشكل عام نفس نهج التيار الإيراني المتشدد في الغالب والذي لا يرى ضرورة تعميق العلاقات مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية، بل يميل إلى الصراع معها أكثر من التعاون، وإذا أراد التعامل معها فإنه يكون من منطلق الندية. 

رفع العقوبات والالتزام المتقابل: مستقبل أهم الملفات المطروحة للنقاش بين واشنطن وطهران في عهد رئيسي

منذ الحملة الانتخابية للرئيس الأمريكي الحالي، جو بايدن، قبل دخوله البيت الأبيض في 20 يناير 2021، برزت على السطح ملفات سياسية واقتصادية مهمة لا يزال الطرفان في طريقهما إلى إيجاد حلول لها “ترضي الطرفين”.

ومن أبرز هذه الملفات:

ملف الأنشطة النووية الإيرانية:

واشنطن تمدد إعفاءات وتُثَبِت عقوبات على البرنامج النووي الإيراني | أخبار DW  عربية | أخبار عاجلة ووجهات نظر من جميع أنحاء العالم | DW | 04.05.2019

تبرز هذه القضية كواحدة من أهم الملفات المطروحة على الطاولة ليس فقط بين طهران وواشنطن، بل بين إيران وباقي الدول المعنية في أوروبا والشرق الأوسط وغيرهما.  

وفي هذا الصدد، أكد الرئيس الإيراني المنتخب حديثاً إبراهيم رئيسي على استعداده للتفاوض ومواصلة المحادثات التي بدأت منذ شهر أبريل الماضي بين بلاده والدول الأوروبية في العاصمة النمساوية فيينا. وفي المناظرة الانتخابية الثالثة التي عُقدت في 12 يونيو الجاري، لم يمانع رئيسي في استكمال المفاوضات النووية، حيث صرّح قائلاً “أقول بصراحة، نحن ملتزمون بالاتفاق النووي بصفته تعهداً من 9 فقرات وافقت عليه القيادة (المرشد الأعلى) وبصفته عهداً يجب أن تلتزم به الحكومات”. 

ولكن في الوقت نفسه، يؤكد رئيسي على ضرورة أن ينتج عن التفاوض رفع كامل للعقوبات عن بلاده، حيث وصف في المؤتمر نفسه العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران من جانب الولايات المتحدة بأنها “ظالمة” وأن على واشنطن إزالتها جميعاً. 

ورداً على سؤال من مراسل شبكة “سي إن إن” الإخبارية الأمريكية في المؤتمر فيما يتعلق بالمفاوضات المباشرة مع الرئيس الأمريكي بايدن، يقول رئيسي “لماذا لم يلتزم السيد بايدن بالاتفاقات السابقة؟، ولماذا لا يتعامل السيد بايدن مع الواجبات المنصوص عليها في الاتفاقات التي أُوجِدَت للحكومة الأمريكية؟. إنني اقترح جدياً للحكومة الأمريكية أن تلتزم باتفاقاتها سريعاً وأن ترفع جميع العقوبات” وأن تبرز أهميتها في مسألة رفع العقوبات.

ویحاول الرئيس الإيراني المنتخب أن تنخرط حكومته في المفاوضات النووية ولكن مع تقديم أقل قدرٍ من التنازلات أمام بقية الأطراف المشاركة، وهذا ما اتضح خلال المؤتمر الأول له والذي قال فيه “لم تنجح سياسة الضغط الأقصى حتى الآن مع الناس، عليهم الرجوع وأن يعلموا أن سياسة حكومتنا الخارجية لن تبدأ بالاتفاق النووي ولن تتقيد به”.  

ويشير هذا من جانب آخر إلى نيته توسيع قاعدة انخراط بلاده مع دول أخرى غير تلك المشاركة في الاتفاق النووي، وهو بالفعل ما أكد عليه لاحقاً في تصريح آخر حين قال “سوف نسعى للانخراط مع جميع دول العالم، وسيتم دعم المفاوضات التي تضمن المصالح القومية”، في إشارة إلى المفاوضات النووية.

وعلى ذلك، يتضح أن حكومة رئيسي المتوقعة سوف تواصل المفاوضات؛ ذلك لأنها تلقى الدعم من المرشد الأعلى والمتنفذين في البلاد، حيث إنه لولا هذا الدعم لعبر رئيسي عن رفضه استكمالَها، وهو ما يمكن استنباطه من تصريحاته المتكررة في هذا الشأن.  

والجدير بالذكر أن الدافع الأمريكي وراء مواصلة المفاوضات، سواء مع المتشددين أو الإصلاحيين، هو السعي الحثيث من جانب واشنطن لمنع امتلاك طهران سلاحاً نووياً وهو ما أكده الرئيس بايدن يوم 28 يونيو الجاري خلال لقائه مع نظيره الإسرائيلي “ريئوفين ريفلين” حين شدد على أن إيران لن تحصل على سلاح نووي خلال عهده في السلطة، قائلاً “أستطيع أن أقول لك إن إيران لن تحصل أبداً على سلاح نووي وأنا في السلطة”، مشيراً إلى أن واشنطن “مازالت مصممة على مواجهة نشاط إيران الخبيث ودعمها للوكلاء الإرهابيين”.  

الملف الصاروخي لطهران

صحيفة ألمانية: صاروخ إيران يبلغ مداه 3000 كلم ويحمل رؤوسا نووية | الشرق  الأوسط

لا يبدي المتشددون في إيران بوجه عام، ومن أبرزهم إبراهيم رئيسي، استعداداً للانخراط في محادثات بشأن ملف الصواريخ الباليستية لإيران؛ وذلك لتيقنهم من أن الصواريخ، خاصة الباليستية منها، تمثل إحدى نقاط الضغط والقوة، كما أنها تعوض النقص والضعف في القوات الجوية؛ نظراً للعقوبات المفروضة على إيران منذ عقود.  

وبما أن إبراهيم رئيسي يعبر بالأساس عن توجهات المتشددين ذوي النفوذ الأصلي في إيران، فقد صرّح الأخير بشكل واضح لا يحتمل اللبس في المؤتمر الصحفي الأول على أن الملف الصاروخي لبلاده “غير قابل للتفاوض”. فرداً على سؤال من مراسل شبكة “سي إن إن” الإخبارية الأمريكية في المؤتمر الصحفي بشأن وجهة نظره فيما يتعلق بإمكان عقد اتفاق أوسع مع إدارة بايدن يشمل الملف الصاروخي، والإقليمي أيضاً، لإيران، أوضح رئيسي أن “القضايا الإقليمية غير قابلة للتفاوض، فالقضية التي تم التفاوض والاتفاق بشأنها لم يتم الالتزام بها، فكيف يريدون الدخول في قضايا جديدة”. 

وعلى الرغم من ذلك، فإن تصريح رئيسي لم يترك الباب مغلقاً بنسبة 100% أمام التفاوض على الملف الصاروخي أو الإقليمي، حيث إن حديثه المُشار إليه يعني، من وجهة نظره، أنه إذا تم الالتزام بالتعهدات الواردة في الاتفاق النووي، فإنه يمكن الدخول في محادثات بشأن الملف الصاروخي. ولكن لا يُعتقد في الوقت ذاته حال الدخول في مفاوضات جدية بشأن صواريخ طهران أن تقدم الأخيرة تنازلات كبيرة، ذلك لأهميته لديها كما سبق إيضاحه. 

ملف طهران الإقليمي

تختلف طبيعة الملف الإقليمي لإيران عن ملفها الصاروخي؛ ذلك لأن إيران يمكنها أن تتفاوض بشكل موسع فيما يتعلق بنشاطاتها الإقليمية، ولكن الأمر ليس بهذه الدرجة من الاحتمالية عند الحديث عن الملف الصاروخي. إذ يمكن لإيران أن تقدم على النقيض من ذلك تنازلات أكبر “نسبياً” فيما يتعلق بتحركاتها الإقليمية، وهو أمر تشير إليه ضمنياً تصريحات رئيسي في المؤتمر من حيث استعداده للانخراط في مفاوضات مع بعض الدول في المنطقة. 

 ولكن هذا التفاوض “الممكن” لا يُتوقع أن يشتمل على محادثات تقود إلى تقييد النفوذ الإيراني إلى حدٍ كبير أو التأثير على أسس التوسع العسكري الإيراني في الإقليم. ومثالٌ على ذلك، من الصعب الحديث مع إيران بشأن “إيقاف” دعمها للميليشيات التابعة لها في عدة مناطق داخل إقليم الشرق الأوسط، خاصة في العراق. 

ولذا، فإن أي تسوية فيما يتعلق بنشاطات إيران الإقليمية يمكنها أن تشمل تقليل الدعم وخفضه للوكلاء، والحد من تحركات إيران وزعزعة الاستقرار في الإقليم، ولكنها على أي حال لن تشمل تقييداً كبيراً للانخراط الإيراني داخله أو وضع حد للمكاسب الجيوسياسية الإيرانية التي اكتسبتها على مدار الأعوام القليلة الماضية. 

 هل تتفاقم التوترات بين الولايات المتحدة وإيران خلال عهد رئيسي؟

إن دعم صعود المتشددين بالأساس إلى سدة الرئاسة في طهران قد جاء، حسب وجهة النظر الداخلية في إيران، بعد سنوات من العقوبات والضعف الداخلي على مستويات عدة. وتبرز إحدى أهم الأهداف من وراء دعم صعود رئيسي للسلطة من جانب المتشددين، ومن بينهم الحرس الثوري، في رغبة النظام الإيراني في الصعود الإقليمي مرة أخرى و”إنقاذ” البلاد من الانهيار، حسبما تنقل بعض وسائل الإعلام الناطقة بالفارسية عن آراء محلية في إيران.

وإذا أخذنا في الحسبان رؤية رئيسي الشخصية والسياسية للولايات المتحدة الأمريكية، والرغبة الإيرانية في الصعود الإقليمي مرة أخرى، واستمرار وجود ملفات حيوية حساسة لم تحسم بعد، أو من الصعب حسمها، بين الطرفين في الوقت الحالي، لوجدنا أن احتمالية استمرار أو تفاقم التوتر بين إيران والولايات المتحدة خلال السنوات المقبلة أمر مرجّح أكثر مقارنة بالاستقرار.

ومن زاوية أخرى، لم يأت اقتران صورة قائد فيلق القدس الإيراني السابق، قاسم سليماني، في اللافتات الانتخابية بصورة إبراهيم رئيسي من فراغ، بل كان لذلك أهداف وأبعاد أخرى تكمن وراءها. فالعلاقة الشخصية بين رئيسي وسليماني، الذي قُتل في يناير 2020، كانت قوية، وكان رئيسي من أبرز الداعمين لسليماني وللتوسع الإيراني في الخارج عن طريق دعم الوكلاء الأجانب.  

 وبالفعل كانت أولى تصريحات رئيسي معبرة بشكل صريح عن الرغبة في التوسع حين قال إن “سياستنا الخارجية لم تبدأ مع الاتفاق النووي ولن تنتهي به”، كما ألمح تصريحُه الذي قال فيه إن “سياسة الضغط القصوى الأمريكية لم تستطع تحقيق أهدافها، وعليه فإن واشنطن ينبغي أن تعيد النظر فيها” إلى صدام مستقبلي مرجح بنسبة كبيرة مع الولايات المتحدة. 

ولكن الصدام في جميع الأحوال ربما يخفض من حدته توصلُ الأمريكيين والإيرانيين في وقت لاحق إلى اتفاق أشمل يتضمن الملف الصاروخي والإقليمي لإيران إلى جانب الملف النووي.