تواجه الحكومة الجديدة في إسرائيل برئاسة “نفتالي بينيت”، تحديات عدة، يأتي على رأسها التحديات الأمنية التي تواجهها إسرائيل والتي عززتها الحرب الأخيرة على غزة أو عملية “حارس الأسوار” كما تطلق عليها إسرائيل. الأمر الذي ليس بجديد على إسرائيل، فمنذ بداية تأسيس الدولة العبرية، احتلت القضايا الأمنية صدارة اهتمامات الحكومات المتعاقبة، وفي سبيل ذلك وظفت الدولة كافة إمكاناتها بهدف تلبية متطلبات الأمن ومستلزمات الدفاع في سبيل الحفاظ على أمن دولة إسرائيل وضمان بقائها.

ومع التحولات التي شهدتها إسرائيل على المستوى المحلي ، فضلاً عن المتغيرات الإقليمية المتسارعة، وما انبثق عنها من تغيّر للتحديات المختلفة التي تهدد أمن إسرائيل، وفي مقدمتها تطور قدرات الجماعات الفاعلة التي تستهدف إسرائيل، على رأسها حركتي حماس وحزب الله، فضلاً عن الخطر الإيراني المتزايد، بالإضافة إلى التحديات المجتمعية الداخلية؛ كل ذلك فرض على إسرائيل ضرورة إعادة النظر في بعض جوانب النظرية العسكرية الإسرائيلية.

ولعل التحول الأكبر الذي أربك إسرائيل هو الحرب الأخيرة على غزة، والتي أبرزت حجم المخاطر الأمنية التي تواجهها إسرائيل والإخفاقات التي اتسمت بها التكتيكات العسكرية خلال الحرب، وهو ما يفرض على الحكومة إيلاء أهمية قصوى لتطوير الاستراتيجية الأمنية والعسكرية بحيث تكون قادرة على مواجهة تطور القدرات الصاروخية لحماس التي أجرت بعض التغييرات المهمة على تكتيكاتها في السنوات الأخيرة، واستطاعت خلال الحرب الأخيرة تحقيق تفوق على المستوى الاستراتيجي في مواجهة إسرائيل، وهو ما يشكل خطراً أساسياً يستوجب على الحكومة الجديدة معالجته بشكل عاجل.

وبالنظر إلى تكوين الحكومة الإسرائيلية الجديدة، يتضح حجم الاهتمام بالجانب الأمني، فالائتلاف المكوّن من أحزاب متباينة الرؤى، يضم بين أعضائه أحد عشر نائباً تولوا في الماضي مناصب كبرى في الجيش الإسرائيلي. من جانب آخر، برز توجه الحكومة الجديدة في الكلمة التي ألقاها “نفتالي بينيت”، رئيس الحكومة الجديد، أمام الكنيست أثناء جلسة التصويت على تشكيل الحكومة، إذ أكد على اعتزام الحكومة الجديدة رفع قدرة إسرائيل الدفاعية والهجومية بسبب التهديدات الأمنية التي تواجهها الدولة، فضلاً عن العمل على محاولة الخروج من الأزمات التي تشهدها إسرائيل، بالإضافة إلى دعم الاستيطان في كافة المناطق. أما عن سياسة الحكومة تجاه حماس، فأكد بينيت خلال كلمته أنه سيتم مواجهة حماس بقوة في حال هددت الدولة العبرية. وفي كلمة وزير الدفاع “بيني جانتس” أيضاً، أشار إلى أنه سيعمل على تطوير قدرات جيش الدفاع الإسرائيلي، خاصة في ظل المخاطر التي تحيط بالدولة.

مرتكزات العقيدة العسكرية لإسرائيل

تستند العقيدة العسكرية لإسرائيل على ثوابت جوهرية، تتغير وسائل تطبيقها وفقاً للمتغيرات التي تطرأ على الدولة. ومع تغيُّر طبيعة التهديدات والظروف في كل مرحلة، فُرض على إسرائيل إدخال تعديلات على استراتيجيتها بحيث تتوافق مع المتطلبات الأمنية. وبشكل عام، حددت استراتيجية الجيش الإسرائيلي الأهداف الوطنية لدولة إسرائيل بأربعة أهداف هي، المحافظة على وجود دولة إسرائيل والدفاع عن سلامتها الإقليمية وأمن مواطنيها وسكانها، بالإضافة إلى المحافظة على قيم الدولة وطابعها كدولة يهودية ديموقراطية وضمان حصانة الدولة العبرية الاجتماعية والاقتصادية، فضلاً عن تعزيز مكانة إسرائيل الدولية والإقليمية، وإقامة علاقات مع الدول العربية المحيطة. 

لذلك، فإن تحقيق تلك الأهداف يكمن في ضرورة تأمين تفوق إسرائيل النوعي وتنمية عناصر قدراتها العسكرية، على المستويين التقليدي والنووي. وعلى الرغم من ذلك، فلا يوجد نموذج محدد لنظرية الأمن الإسرائيلي التي تتجاوب مع متطلبات الواقع الإسرائيلي، وإنما هناك تراكم تدريجي لمبادئ وأسس الاستراتيجية الأمنية المبنية على التجربة العسكرية. حيث أنه لا يوجد نص مكتوب ومتكامل لنظرية الأمن الإسرائيلي، فبعضها تم تداوله شفهياً، والبعض الآخر تمت كتابته على شكل قوانين سنها الكنيست، أو قرارات صادرة عن حكومات إسرائيل المتعاقبة، وكذلك على شكل تعليمات من قيادات عسكرية بارزة في الجيش وأوامر هيئة الأركان العليا. لهذا، فإن الأسس الاستراتيجية الموجودة في تلك المصادر، هي التي تُكوّن نظرية الأمن لإسرائيل.

على هذا الأساس وُضعت مرتكزات العقيدة الأمنية، التي وضعها “ديفيد بن جوريون” في خمسينيات القرن الماضي، والتي تتمثل أهم مكوناتها في العمل على تعزيز قوة ردع التهديدات عند الحاجة، وتأجيل المواجهات، وتدمير قوات العدو. فضلاً عن الاعتماد على الهجوم الاستباقي وشن الحرب الوقائية حال التأكد من حدوث خطر وشيك. لذلك، فإن الضمان الوحيد الذي يضمن بقاء إسرائيل، من وجهة النظر الإسرائيلية، ينبع من ضمان بقاء قوتها الذاتية وتفوقها النوعي، لذلك اهتمت إسرائيل بتعزيز قدراتها العسكرية وعملت على تقليل اعتمادها على الخارج في مجال التسليح، واستطاعت أن تحتل المرتبة الثامنة في مصاف الدول المصدرة للسلاح على مستوى العالم.

وبمرور الوقت، تغيّرت المعطيات الجيوسياسية لإسرائيل تغيراً جذرياً؛ سواء على المستوى الإقليمي أو الداخلي، وما صاحب ذلك من اختلاف طبيعة التهديدات. وهو ما دفع بإدخال تعديلات على الاستراتيجية عام 2015، حيث قام آنذاك رئيس أركان الجيش الاسرائيلي “جادي إيزنكوت” بالكشف عن وثيقة تحت عنوان “استراتيجية الجيش الإسرائيلي” تحمل المفاهيم الاستراتيجية للجيش في المرحلة اللاحقة، إلا أنها لم تُدخل إلا بعض التعديلات على النظرية الأساسية. 

وفور اندلاع العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة، تعالت الأصوات المطالبة بضرورة إعادة صياغة الاستراتيجية العسكرية في إسرائيل، نظراً لما ظهر من قصور، سواء في المرحلة السابقة للعدوان، أو خلال العملية العسكرية نفسها. وانطلاقاً من ذلك، فمن المرجح أن تبذل الحكومة الجديدة قصارى جهدها لضمان الحفاظ على أمن إسرائيل والاستعداد لأي مواجهة عسكرية خلال الفترة المقبلة. 

عملية حارس الجدران وقصور الاستراتيجية العسكرية لإسرائيل

صاحب اندلاع المواجهة الأخيرة بين حماس وإسرائيل اتهامات وجهت لمجتمع الاستخبارات الإسرائيلية، وفي مقدمته الموساد بقيادة يوسي كوهين، بالفشل في عدة أوجه؛ أولها التركيز على حماس باعتبارها جارا معزولا وضعيفا في مقابل التضخيم من خطر التمدد الإيراني على الجبهة الشمالية، وإتاحة الفرصة لها لتطوير قدراتها الصاروخية؛ فضلاً عن الفشل في التنبؤ بانفجار الأوضاع في الأراضي الفلسطينية جراء الممارسات الإسرائيلية في القدس، وتصاعد التوتر في الداخل الإسرائيلي بين فلسطينيي الداخل واليمين اليهودي الذي يلقى تأييدًا من الحكومة.    

كما تعالت الأصوات الناقدة في الأوساط الإسرائيلية للاستراتيجية العسكرية التي اعتمدتها إسرائيل خلال الحرب على غزة، حيث اعترف العديد من المسئولين والخبراء الإسرائيليين، أنه على الرغم من تحقيق إسرائيل تقدماً على المستوى التكتيكي، إلا أنها شهدت تراجعاً على المستوى الاستراتيجي، وكان الانطباع الرئيسي هو أن هذا الصراع يختلف تمامًا عن الجولات السابقة من حيث أنماط التفكير لدى كل من حماس وإسرائيل، مما يعكس تباينًا مفاهيميًا واسعًا بين الطرفين.

 إذ نجحت حركة حماس خلال الحرب في جر جبهات إضافية إلى المعركة، مثل الجبهة الداخلية التي شهدت اشتباكات بين المكون العربي واليهودي وإحداث شروخ هائلة بها من الصعب احتوائها، وما أسفر عنه من تزايد مخاوف اندلاع حرب أهلية في إسرائيل، وهو ما يعد إنجازاً غير مسبوق لحماس. كما ظهرت قدرة حماس على تطوير الصواريخ متوسطة المدى والتي نجحت في ضرب مواقع في تل أبيب وعسقلان، بعد نجاحها في اختراق القبة الحديدية وإيقاع خسائر بشرية ومادية في أوساط الإسرائيليين، وشل حركة الحياة في المناطق المستهدفة. فضلاً عن ذلك، استطاعت حماس أيضًا تطوير قدراتها التكنولوجية مثل استخدام الطائرات المسيرة، وتعزيز نظام القيادة والتحكم، فضلاً عن بناء ترسانة تشمل القوات الخاصة البحرية، والغواصات المسيرة. 

في الوقت الذي أظهرت فيه إسرائيل استنادها إلى منطق الكم التكتيكي أثناء الحرب، كان تفكير حماس إستراتيجيًا نوعياً، وظهر ذلك بوضوح في الخطاب الإسرائيلي الداخلي، الذي ركز على الإنجازات الكمية للحملة العسكرية مثل عدد الأهداف التي تم قصفها، وعدد القتلى من قادة حركة حماس، وكمية الصواريخ التي تم إطلاقها أو تدميرها، بالإضافة إلى عدد الأنفاق التي تم تدميرها وعدد المباني متعددة الطوابق التي تم تدميرها. ويرجع ذلك في الأساس إلى استخدام إسرائيل نفس المنطق العسكري العملياتي الذي استخدمته في المواجهات السابقة. والأخطر من ذلك، قصور التقديرات الاستخباراتية للجيش الإسرائيلي ونقص المعلومات بالتزامن مع الانخراط في المعركة دون تحديث بنك الأهداف.

وبتحليل المشهد، فإن إسرائيل خلال الحرب الأخيرة لم تنجح في تطوير فكرها الاستراتيجي واستخدمت نفس الأدوات في مواجهة حركة حماس التي تحسَّن أدائها بصورة دراماتيكية، بالمقارنة بقدراتها وقت عملية “الجرف الصامد” عام 2014. كما أن الحرب كشفت أيضاً عن أن نظام إسرائيل الصاروخي الدفاعي “منظومة القبة الحديدية ” يفتقر إلى استراتيجية طويلة المدى، حيث برز عجزه عن التصدي لأغلب الصواريخ التي أطلقت على إسرائيل أثناء العملية الأخيرة. إذ أنه وفقاً للبيانات الرسمية للجيش الإسرائيلي، دمر النظام أقل من نصف الصواريخ وقذائف الهاون التي أطلقتها حركتي حماس والجهاد الإسلامي؛ مما يستدعي إعادة النظر في الاستراتيجية العسكرية لإسرائيل و يضع الحكومة الجديدة في مواجهة تحديات أمنية كبرى.

حكومة التغيير.. استعداد عسكري في مواجهة التحديات

بالنظر إلى المشهد الراهن في إسرائيل، وفي ظل تولي حكومة جديدة يُتوقع أن تكون هشة غير قادرة على مواجهة التحديات متعددة المستويات التي تواجهها الدولة، يمكن القول أن الحكومة لجأت إلى اتخاذ العديد من الخطوات، قبل تشكيلها رسمياً، تمهيداً لتطوير الاستراتيجية العسكرية والأمنية بهدف تعزيز القدرات العسكرية لإسرائيل، وضمان سيطرتها على الأوضاع حال انفجارها في المستقبل القريب. فبعد الحرب الرابعة على غزة، عكفت المؤسسات داخل إسرائيل على استخلاص الدروس المستفادة من تلك الحرب ورسم خططاً جديدة تستهدف بالأساس تلافي الأخطاء التي أدت إلى انفجار الأوضاع مؤخراً وما ترتب عليها من آثار وخيمة زادت من حدة التهديدات الأمنية على إسرائيل، في وقت تحاول فيه إسرائيل الخروج من الأزمات التي شهدتها خلال الأعوام الأخيرة على المستوى السياسي، وما حدث مؤخراً من تصدع اجتماعي في الداخل يهدد كيان الدولة العبرية ككل.

ولا شك أن الحكومة الجديدة تواجه العديد من التحديات المعقدة والتي عليها مواجهتها، وإلا ستدخل إسرائيل في أزمة سياسية وأمنية عميقة قد يصعب الخروج منها، حال أخفقت الحكومة في السيطرة على الأوضاع، وتتمثل أبرز تلك التحديات الأمنية في الآتي:

  • إعادة النظر في سياسة إسرائيل تجاه قطاع غزة، والسيطرة على الوضع الأمني، بالإضافة إلى ملف إعادة إعمار غزة.
  • بلورة مخطط لاستعادة الأسرى والمفقودين لدى حركة حماس.
  • احتواء فلسطينيو الداخل وتوفير الهدوء في المدن المختلطة للحيلولة دون اندلاع حرب أهلية في حالة الانخراط في أي مواجهة مع الفصائل الفلسطينية، مما يستوجب رفع ميزانية جهاز الشرطة الإسرائيلي ليتمكن من تكثيف التواجد الأمني في تلك المدن.
  • إقرار خطة الجيش الإسرائيلي “تنوفا” متعددة السنوات، والتي تواجه معوقات في إقرار الميزانية المطلوبة لها، والتي تتطلب تعاون وزارتي المالية والدفاع. 
  • معالجة الخطوط العريضة لاتفاق المشتريات الخاص بجيش الدفاع، والتي تم توجيه معظمها لتسليح القوات الجوية.
  • إصدار قرارات التعيين الخاصة بالمسؤولين والقضاة بوزارة العدل والتي تم تعطيلها بسبب الأزمة السياسية التي شهدتها الدولة خلال الأعوام الأخيرة، وأكثرها إلحاحاً منصب النائب العام.
  • إقرار ميزانية الدولة، التي تعطلت لمدة عامين بسبب الأزمة السياسية، الأمر الذي أسفر عن تعطُل خطط تطوير جيش الدفاع.
  • تمرير قانون التجنيد الإلزامي، وهو القانون الذي يُلزم المواطنين بمختلف طوائفهم وانتماءاتهم بالانضمام للجيش، سواء كان المواطن يهودياً علمانياً، أو متديّناً، أو عربياً ضمن إطار عسكري أو مدني.
  • رسم سياسة واضحة تجاه إيران تحول دون تطويرها لبرنامجها النووي.
  • تعزيز العلاقة مع الولايات المتحدة وضمان دعمها غير المشروط لإسرائيل، على المستوى العسكري والأمني بشكل خاص.
  • الاستمرار في توقيع اتفاقات تطبيع مع الدول العربية.
  • تنظيم مسيرة الأعلام التي من المقرر أن يقوم بها مستوطنون يمينيون بالقدس، والتي تنذر بتفجر الأوضاع حال إجرائها.

خطة “تنوفا”.. في انتظار الحكومة الجديدة

تضع إسرائيل خطة عمل جيش الدفاع الإسرائيلي كل خمس سنوات، ترسم من خلالها أهداف السياسة العسكرية وآليات تطبيقها، ومجالات استخدام القوة، التي تتناسب مع طبيعة التحديات التي تواجهها الدولة. وتلحظ كل خطة جديدة المتغيرات التي حدثت في المرحلة السابقة، والناجمة عن نتائج الحروب والتغيرات الجيوسياسيةً. وكان رئيس الأركان الحالي الجنرال “أفيف كوخافي” عرض خطته التي أسماها “تنوفا” التي تعني “زخم”، ترسم خريطة عمل للسنوات 2020-2024 وتأخذ بعين الاعتبار قدرات الطرف المعادي وضرورة الاستعداد لإمكانية اندلاع مواجهة في عدة جبهات في ان واحد.

وعمل كوخافي على استكمال جهوزية الجيش الإسرائيلي، من خلال وضع الخطة التفصيلية لكيفية تحقيق النصر على المستوى الاستراتيجي العملياتي وتأهيل كلّ الوحدات القتالية باختلاف أشكالها للقيام بدورها في تلك الخطة والتدرّب عليها وتوفير كلّ ما يلزم لإنجاحها. ومن الجدير بالذكر أنّ خطّة الزّخم ركّزت بشكل أساسي على دوائر التهديد الأولى، وهي حزب الله في لبنان والمقاومة الفلسطينية في قطاع غزة. وتكمن فكرة الخطة الرئيسة في تحقيق إنجاز عسكريّ كبير في وقت قصير قدر الإمكان، وبثمن منخفض قدر المستطاع، بالاعتماد على إحداث صدمة كبرى في جانب المقاومة، من خلال عملية اشتراك متكاملة بين كلّ أفرع “الجيش” الإسرائيلي من اللحظة الأولى للمعركة، مع التأكيد على دور القوات البرية.

وفيما يخص ما تم إنجازه في الخطة، فقد تم إنشاء وحدة قتاليّة ميدانيّة يطلق عليها “وحدة متعدّدة المستويات”، وتعتبر وحدة للنخبة من أفراد “الجيش” الإسرائيلي، حيث تدمج في داخلها القدرة القتالية الفائقة مع القدرة الكبيرة على تحليل المعلومات الاستخبارية والتعامل مع الأجهزة التقنية، فضلاً عن ذلك، تم تطوير الوحدات التكنولوجية في شعبة الاستخبارات العسكرية في “الجيش” الإسرائيلي “أمان”، وخصوصاً وحدة “8200” للتنصّت والمراقبة الإلكترونية والتعقّب، بالإضافة إلى العمل على الدمج والتكامل الفوري والسريع بين سلاح المشاة وسلاح الجو والقوات الخاصَّة والاستخبارات العسكرية، إذ تمَّ تأسيس ما يُسمى “إدارة الأهداف”، ووظيفتها تحويل المعلومات الاستخبارية إلى أوامر تنفيذية إلى المجموعة المقاتلة على الأرض لتدمير الهدف.

إلا أن الخطة واجهت بعض المعوقات ، والتي يأتي على رأسها توفير الموازنة اللازمة لتنفيذها، ومن الجدير بالذكر أنَّ الخطة تم اعتمادها من قبل الجيش الإسرائيلي، في ظلّ حكومة تسيير الأعمال، الأمر الّذي نتج منه عدم تحديد الزيادة اللازمة على الموازنة العسكرية من أجل تنفيذها، بالإضافة إلى ذلك، فإنه الرغم من تطوير الخطة، إلا أن ثمارها لم تطَل كل أفرع الجيش الإسرائيلي، وخصوصاً سلاح المشاة، حيث تعتمد على تطوير وحدات نخبوية خاصة بسلاح المشاة، ولم تمتد لتشمل كلّ وحدات المشاة النظاميّة والاحتياطيّة. 

بناء على ذلك، فإن من أهم الملفات التي تنتظر الحكومة الجديدة، هو إتمام خطة الجيش متعددة السنوات، وإجراء التعديلات التي فرضتها المتغيرات المنبثقة عن المواجهة الأخيرة بين إسرائيل وحماس و ما ترتب عليها من تداعيات دفعت بضرورة إعادة النظر في الاستراتيجية العسكرية لإسرائيل و تكتيكات الجيش الإسرائيلي للحفاظ على أمن إسرائيل في ظل تزايد التهديدات الداخلية و الخارجية على حد سواء.

ملامح الاستراتيجية العسكرية المتوقعة

وفيما يلي أبرز النقاط التي من المتوقع أن تتناولها الاستراتيجية العسكرية في ظل التحديات الأمنية التي تواجهها الحكومة الجديدة في إسرائيل:

  • بلورة استراتيجية مفصلة طويلة المدى تركز على تعامل إسرائيل مع قطاع غزة، تأخذ في الاعتبار تطور القدرات الصاروخية لحركة حماس وتطويرها لاستراتيجيتها في مواجهة إسرائيل، وتعمل على إضعاف مكانة الحركة في الساحة الفلسطينية، كما تشمل إعادة الجنود المفقودين في القطاع.
  • تعزيز نظام جمع المعلومات الاستخبارية بالموساد، بالإضافة إلى تعزيز قدرات التنبؤ داخل الأجهزة الاستخباراتية.
  • شن ضربات استباقية تستهدف الحد من قدرات التنظيمات التي تهدد إسرائيل، وفي مقدمتها حماس وحزب الله.
  • وضع خطط لمواجهة ظاهرة تعدد جبهات القتال والتي ظهرت أثناء العملية العسكرية الأخيرة، مثل ما حدث بالضفة الغربية، وما حدث من إطلاق صواريخ من لبنان وسوريا. بالإضافة إلى منع تحويل القدس إلى بؤرة رمزية للصراع قادرة على إثارة البلبلة داخل الأوساط الفلسطينية.
  • تحديد سبل مواجهة ترويج حماس للرواية الفلسطينية على مواقع التواصل الاجتماعي، وتخصيص ميزانية للسيطرة على المحتوى الذي يشوه صورة إسرائيل.
  • ضمان دعم إدارة بايدن والتأكيد على تعهدها بالحفاظ على التفوق العسكري والأمني الإسرائيلي في المنطقة، مع ضمان عدم توصل الإدارة الأمريكية إلى اتفاق مع إيران من شأنه التأثير على إسرائيل أو السماح لها بتطوير قدراتها النووية.
  • تعزيز القدرات الدفاعية لإسرائيل، والحصول على الدعم الأمريكي لتجديد منظومة القبة الحديدية – وهو ما تعهد به بايدن خلال الحرب على غزة.
  • إعادة النظر في أولويات المؤسسات الأمنية، وتلافي الخطأ الكامن في تضخيم الخطر الإيراني، ما سمح لحماس بتطوير قدراتها وزاد من تهديدها على أمن إسرائيل.
  • استمرار عمليات التطبيع مع الدول العربية، ومحاولة كسب المزيد من الدول في صف إسرائيل للحد من التأثير الإقليمي في حال اندلاع أي مواجهة مع حماس.
  • تقديم الدعم للسلطة الفلسطينية وتقويتها بما يسهم في تقويض دور حركة حماس.
  • تجديد بنك الأهداف بشكل مستمر استعداداً لأي معركة محتملة مع الفصائل الفلسطينية.
  • دعم مصر للعب دور أكبر في قطاع غزة، وهو ما سيكون له مردود إيجابي على الأوضاع الأمنية، ودعم عملية إعادة الإعمار بما ينعكس على استقرار الأوضاع لفترة.
  • تأهيل قوات خاصة بالجيش لمختلف المهام، بحيث تكون معنية بحماية الجبهات المختلفة حال اندلاع صراع متعدد الجبهات.
  • زيادة الاستثمار في تقنيات الاستخبارات والحرب الإلكترونية والدفاع الجوي والتسليح الدقيق لسلاح الجو.
  • زيادة حجم القوة البشرية بالجيش الإسرائيلي في ضوء التحديات المتزايدة، فسابقاً كان الاتجاه إلى جيش صغير وذكي، لكن الأمر مختلف الآن مع تعاظم المخاطر على جبهتين أو ثلاث.

   خلاصة القول، تواجه إسرائيل تحديات بالغة التعقيد في ظل متغيرات متسارعة تطال المشهد الداخلي، تتزامن مع تولي حكومة جديدة، تفتقر إلى التوافق حول أغلب القضايا، تشكلت في وقت تشهد فيه الدولة العبرية أزمات على كافة المستويات، سواء المستوى السياسي أو الأمني أو الاجتماعي وحتى الاقتصادي، يستوجب عليها إعادة النظر في الاستراتيجية التي تتبناها، وأن تكون على أتم استعداد لاشتعال الحرب التي يصعب احتواؤها، بالإضافة إلى تدارك مدى تشابك الصراع مع الفلسطينيين، خاصة بعد أن انعكست الممارسات الإسرائيلية على الوضع الداخلي، وهو أخطر ما يمكن أن تواجهه الدولة؛ كذلك ليس من المستبعد أن تتحول المواجهة القادمة إلى مواجهة إقليمية تهدد أمن إسرائيل بشكل أوسع. لذا فحكومة التغيير تستدعي إحداث تغيير حقيقي من خلال وضع خطة شاملة طويلة الأمد لمواجهة كافة التهديدات التي تواجهها إسرائيل، وإلا سيتم تفكيكها و تخلف ورائها دولة محاطة بالتهديدات التي يصعب السيطرة عليها.