واقعتان شهدتهما مصر في الفترة الأخيرة لعبت فيهم وسائل التواصل الاجتماعي دور البطولة، ففي واقعة حنين حسام كانت خاصية ” الستوري” على موقع إنستجرام دليلًا قاطعًا على أن المذكورة ارتكبت جريمة الاتجار بالبشر حسبما ما قررته المحكمة، وفي الواقعة الثانية التي تعرضت فيها ” بسمة بشاي” لواقعة تحرش في المطار توصف قانونًا بانتهاك حرمة الحياة الخاصة كان لوسائل التواصل الاجتماعي أيضًا القول الفصل حيث أنه بمجرد أن نشرت ” بشاي” مقطع مصور على وسائل التواصل الاجتماعي تروي فيه قصة تعرضها للتحرش تحركت السلطات المعنية وقامت باتخاذ كافة الإجراءات القانونية ضد موظف المطار. نعم.. وسائل التواصل الاجتماعي يمكنها أن تضع أشخاصًا خلف القضبان في انعكاس لحقيقة أن أحداً لن يستطيع الإفلات من العقوبة فيما يخص الجرائم الإلكترونية التي تندرج تحتها العديد من الأنواع.

أولًا) الاتجار بالبشر Human Trafficking :

يعرف الاتجار بالبشر بأنه “تجنيد شخص أو نقله أو تنقيله أو إيواؤه أو استقباله بواسطة التهديد بالقوة أو استعمالها أو غير ذلك من أشكال القسر أو الاختطاف أو الاحتيال أو الخداع لغرض الاستغلال”  وفي القانون المصري فإنه يعني استخدام القوة بما يتضمن الحبس والضرب والتقييد والاغتصاب، حيث تتضمن طرق التنفيذ، التهديد، الاحتيال والخداع، نقل المتاجر بهم من مكان إلى آخر، الإجبار على تقديم معلومات كاذبة لأجهزة الشرطة والهجرة والحدود، بالإضافة لاستخدام  شخص، ذكرًا كان أو أنثى، لإرضاء شهوات الغير بأي صورة كانت، بإتيان أي من أفعال الاغتصاب وهتك العرض، أو أي جريمة أخرى من جرائم العرض، أو إتيان أي فعل أو عمل فاضح أو مخل بالحياء عليه، أو استغلاله في إنتاج رسومات أو صور أو أفلام أو غير ذلك من المواد الإباحية، أو من أجل تأدية أعمال أو أداء عروض أو غير ذلك من الممارسات الإباحية”، كل هذه الأفعال تضع فاعلها تحت طائلة عقوبة الاتجار في البشر.

C:\Users\Nermeen.Saeed.ecss\Desktop\البحر الأحمر\unnamed (2).jpg

 وله أنواع متعددة تنقسم إلى: –   

  1. الاتجار بالبشر لأغراض العمالة القسرية Forced labour: 

يأتي معظم من ضحايا هذا النوع من بلدان العالم النامي حيث يتم استقدامهم والاتجار بهم بطريق الخداع أو الإكراه حيث ينتهي بهم المطاف في ظروف أقرب للعبودية للقيام بأعمال مرهقة في ظروف غير إنسانية كما أنه من الممكن أن يتم إجبارهم على القيام بأعمال غير مشروعة ويجني الموردون لهذا النوع من الأعمال أرباح خيالية.

  1. الاتجار بالنساء بقصد الاستغلال الجنسي :sexual exploitation 

وتنتشر هذه التجارة في كل بلدان العالم إما مصدر أو كنقطة عبور أو وجهة ومقصد في النهاية، حيث يتم إغرائهم بالسفر والحصول على فرص أفضل في الحياة. ومنها أيضًا تنبثق جريمة الاستغلال الجنسي والتي تتضمن استخدام شخص، ذكراً كان أو أنثى، لإرضاء شهوات الغير بأي صورة كانت، أو إتيان أي من أفعال الاغتصاب وهتك العرض، أو أي جريمة أخرى من جرائم العرض، أو إتيان أي فعل أو عمل فاضح أو مخل بالحياء عليه، أو استغلاله في إنتاج رسومات أو صور أو أفلام أو غير ذلك من المواد الإباحية، أو من أجل تأدية أعمال أو أداء عروض أو غير ذلك من الممارسات الإباحية.  كما تتضمن الجرائم التي تندرج تحت مفهوم الرق أو ” الاسترقاق” حتى تلك التي تتم بمعرفة السلطات وتطال النساء والأطفال وتتضمن العمالة القسرية والتجنيد القسري وكذلك توظيف الأطفال في الصراعات المسلحة.

  1. الاتجار بالبشر بغرض استئصال أعضائهم 

تعد من أبشع أنواع الاتجار لأنها تستغل حاجتين، الفقر من جهة والمرض من جهة أخرى فهناك الكثير من الدول التي تطول بها قوائم الانتظار للحصول على دور في عمليات زرع الأعضاء وعلى الناحية الأخرى فهناك مجتمعات تعاني من الفقر المدقع وتحتاج إلى بيع أعضائها للحصول على حق العيش وفي النهاية فإن إجراء العمليات لهم في ظروف غير مواتية قد يعرض الكثير من الحالات للوفاة. وتعد من أكثر أنواع الاتجار بالبشر التي تدر دخلاً على المسهلين لها.

C:\Users\Nermeen.Saeed.ecss\Desktop\البحر الأحمر\p1-first-1-copy.jpg
  1.  السخرة: 

وتتضمن إجبار أشخاص على أداء أعمال مرهقة دون توفير المقابل المادي المناسب لهم مع وضع ساعات عمل تعسفية تفوق ساعات العمل المعتادة للشخص الطبيعي والتكليف بأعمال مرهقة.

عقوبة الاتجار بالبشر في القانون المصري

أولًا) يعاقب من ارتكب جريمة الاتجار بالبشر بالسجن المشدد وبغرامة 

لا تقل عن خمسين ألف جنيه ولا تجاوز مائتي ألف جنيه أو بغرامة مساوية لقيمة ما عاد عليه من نفع أيهما أكبر. وبالسجن المؤبد والغرامة التي لا تقل عن مائة ألف جنيه ولا تجاوز خمسمائة ألف جنيه في أي من الحالات الآتية:

  • إذا كان الجاني قد أسس أو نظم أو أدار جماعة إجرامية منظمة لأغراض الاتجار بالبشر أو تولى قيادة فيها أو كان أحد أعضائها أو منضمًا إليها، أو كانت الجريمة ذات طابع عبر وطني.
  • إذا ارتكب الفعل بطريق التهديد بالقتل أو بالأذى الجسيم أو التعذيب البدني أو النفسي أو ارتكب الفعل شخص يحمل سلاحًا.
  •  إذا كان الجاني زوجًا للمجني عليه أو من أحد أصوله أو فروعه أو ممن له الولاية أو الوصاية عليه أو كان مسئولًا عن ملاحظته أو تربيته أو ممن له سلطة عليه.
  • إذا كان الجاني موظفًا عامًا أو مكلفًا بخدمة عامة وارتكب جريمته باستغلال الوظيفة أو الخدمة العامة.
  • إذا نتج عن الجريمة وفاة المجني عليه، أو إصابته بعاهة مستديمة، أو بمرض لا يرجى الشفاء منه.
  • إذا كان المجني عليه طفلًا أو من عديمي الأهلية أو من ذوي الإعاقة.
  • إذا ارتكبت الجريمة بواسطة جماعة إجرامية منظمة.

ثانيًا) كل من استعمل القوة أو التهديد أو عرض عطية أو مزية من أي نوع أو وعد بشيء من ذلك لحمل شخص آخر على الإدلاء بشهادة زور أو كتمان أمر من الأمور أو الإدلاء بأقوال أو معلومات غير صحيحة في أية مرحلة من مراحل جمع الاستدلالات أو التحقيق أو المحاكمة في إجراءات تتعلق بارتكاب أية جريمة من الجرائم المنصوص عليها في هذا القانون، بعقوبة السجن. وقد فصل القانون المصري إجمالًا سبع حالات تعاقب بالسجن والغرامة بأحكام مختلفة في حال ارتكاب جريمة الاتجار بالبشر بأنواعها كما أن القانون المصري أفرد مساحة أشار فيها إلى أن موافقة الضحية الاتجار بالبشر على ممارسة الفعل أو الاستغلال في بعض الأحيان قد لا تعفي المروج للنشاط من جريمته وقام القانون بذكر الحالات تفصيلًا منها أن تكون الضحية دون السن القانوني.

كما ينص الدستور المصري في مادته رقم “60” أن لجسد الإنسان حرمة ولا يجوز الاعتداء عليه أو تشويهه أو التمثيل به إلى آخره من الشروط التي وضعها القانون ” وتحت هذه المادة تندرج الجريمة التي ارتكبها موظف المطار ضد الناشطة ” بسمة بشاي” حيث قام بتصويرها صور ذات طبيعة جنسية دون معرفتها كما أن نفس الفعل يندرج تحت جريمة التحرش الإلكتروني والتي تعني استخدام الإنترنت والوسائل الإلكترونية الأخرى لمضايقة ضحية بعينها أو ترهيبها. كما يتضمن التحرش الإلكتروني تتبع موقع شخص عبر تقنية GPs  بهدف مراقبتهم كما أنه يتضمن اختراق البريد الإلكتروني أو برامج المحادثات التي تستخدمها الضحية للتواصل مع جهات الاتصال الخاصة به بهدف تشويه سمعته وكلها أفعال يعاقب عليها بالسجن حال ثبوتها ومع تطور التقنيات فإنه من السهل تحديد ما إذا كان البريد الإلكتروني أو أحد تطبيقات المحادثات مخترق. ولا يعد من قبيل المفاجأة أن معظم ضحايا التحرش الإلكتروني من النساء بينما تتراوح نسبة الرجال بين 20 إلى 40%.

C:\Users\Nermeen.Saeed.ecss\Pictures\1516938_0.jpg

ويتضمن التحرش الإلكتروني انتحال الشخصية وإساءة استخدام البيانات حيث يقوم شخص بإنشاء هوية مزيفة عبر الإنترنت أما عقوبة التحرش الإلكتروني في مصر فهي أنه يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر وبغرامة لا تقل عن 3 آلاف جنيه، ولا تزيد على 5 آلاف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من تعرض للغير في مكان عام أو خاص أو مطروق بإتيان أمور أو إيحاءات أو تلميحات جنسية أو إباحية، سواء بالإشارة أو بالقول أو بالفعل، بأي وسيلة، بما في ذلك وسائل الاتصالات السلكية أو اللاسلكية”.

انتهاك حرمة الحياة الخاصة 

استيقظت مصر منذ أيام على واقعة قيام موظف في المطار بتصوير سيدة بكاميرا الموبايل الخاص به دون علمها وهي صور ذات طبيعة جنسية حسبما أشارت إليه الضحية في مقطع مصور قامت بنشره عبر وسائل التواصل الاجتماعي وقد قضت محكمة مصرية بمعاقبة الموظف بمطار القاهرة بالحبس ثلاث سنوات لإدانته بـ”انتهاك حرمة الحياة الخاصة لامرأة وتصويرها صورا ذات طبيعة جنسية”. كما أصدرت المحكمة قرارا بتغريم الموظف 20 ألف جنيه مصري (أي نحو 1277 دولارا)، وصادرت الهاتف المستخدم في التصوير.

وكانت النيابة العامة قد أحالت الموظف إلى المحاكمة الجنائية قبل يوم واحد من الحكم عليه، وأوضحت أنه “التقط صورا خلسة لمواطن عفة امرأة ولغيرها بذات الطريقة”، في واقعة أثارت جدلا واسعا في مصر خلال اليومين الماضيين.

C:\Users\Nermeen.Saeed.ecss\Desktop\البحر الأحمر\_118961217_97e83151-76fb-494f-9ee9-96160415012b.jpg

 وكانت هناك حملة قد انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي تضمنت بوح الضحايا بما تعرضن له من تحرش في أماكن مختلفة في حالة من المكاشفة وهو ما نتج عنه أن قامت السلطات المصرية بتغليظ عقوبة التحرش كما أنها قامت بسن تشريع يمنع جهات التحقيق من الإفصاح عن معلومات تخص الضحية أو عن هويتها.

كما أن حرمة الحياة الخاصة حسب المادة 45 من الدستور المصري تنص على أن لحياة المواطنين الخاصة حرمة يحميها القانون وللمراسلات البريدية والبرقية والمحادثات التليفونية وغيرها من وسائل الاتصال حرمتها وسريتها مكفولة، ولا يجوز الاطلاع عليها أو رقابتها إلا بأمر قضائي مسبب ولمدة محدودة وفقا لأحكام القانون.

 ويتناغم الدستور المصري مع قانون العقوبات الذي ينص في المادة (309 مكرر) من قانون العقوبات على أنه:” يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة كل من اعتدى على حرمة الحياة الخاصة للمواطن وذلك بأن ارتكب أحد الأفعال الآتية في غير الأحوال المصرح بها قانونًا أو بغير رضاء المجني عليه:

  • استرق السمع أو سجل أو نقل عن طريق جهاز من الأجهزة أيًا كان نوعه محادثات جرت في مكان خاص أو عن طريق التليفون.
  • التقط أو نقل بجهاز من الأجهزة أيًا كان نوعه صورة شخص في مكان خاص.
  • فإذا صدرت الأفعال المشار إليها في الفقرتين السابقتين أثناء اجتماع على مسمع أو مرأى من الحاضرين في ذلك الاجتماع، فإن رضاء هؤلاء يكون مفترضًا.
  • ويعاقب بالحبس الموظف العام الذي يرتكب أحد الأفعال المبينة بهذه المادة اعتمادًا على سلطة وظيفته.
  • ويحكم في جميع الأحوال بمصادرة الأجهزة وغيرها مما يكون قد استخدم في الجريمة، كما تحكم بمحو التسجيلات المتحصلة عنها أو إعدامها

ومن هنا جاء قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات أو ” جرائم الإنترنت” الصادر برقم 175 لسنة 2018، وذلك بعقوبات رادعة تتضمن الحبس والغرامة لكل من يأتي فعل من هذه الأفعال، وفي هذا الإطار نصت المادة 25 من القانون على أنه:” يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر، وغرامة لا تقل عن خمسين ألف جنيه ولا تجاوز مائة ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من ارتكب فعلًا من الأفعال الآتية”:

1- الاعتداء على أي من المبادئ أو القيم الأسرية في المجتمع المصري.

2- انتهاك حرمة الحياة الخاصة أو أرسل بكثافة العديد من الرسائل الإلكترونية لشخص معين دون موافقته.

3- منح بيانات شخصية إلى نظام أو موقع إلكتروني لترويج السلع أو الخدمات دون موافقته.

4- نشر عن طريق الشبكة المعلوماتية أو بإحدى وسائل تقنية المعلومات معلومات أو أخبارًا أو صورًا وما في حكمها، تنتهك خصوصية أي شخص دون رضاه، سواء كانت المعلومات المنشورة صحيحة أو غير صحيحة.

بينما نصت المادة 26 من نفس القانون على أنه “يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنتين ولا تجاوز خمس سنوات وبغرامة لا تقل عن مائة ألف جنيه لا تجاوز ثلاثمائة ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من تعمد استعمال برنامج معلوماتي أو تقنية معلوماتية في معالجة معطيات شخصية للغير لربطها بمحتوى منافٍ للآداب العامة، أو لإظهارها بطريقة من شأنها المساس باعتباره أو شرفه”.

وإذا شئنا تلخيص ما تقدم فإن ما حدث في الفترة الأخيرة يعني أن جهل الشخص بأن الفعل الذي يقوم به مجرم حسب القانون المصري لا يحميه من العقوبة ولا يؤهله للإفلات منها، وإضافة إلى ذلك نستطيع أن نفهم بسهولة القوة التي تمتلكها وسائل التواصل الاجتماعي وكيف أنها يمكن أن تستخدم كأداة للجريمة ودليل للإدانة في نفس الوقت خصوصًا وأن القانون المصري كان واضحًا ومفصلًا في كل ما يتعلق بجرائم الإنترنت وعقوباتها.

Scroll Up