شهدت المواجهة الأمريكية الإيرانية أحد فصولها الجديدة (28 يونيو) بإقدام الطيران الحربي الأمريكي على شن عدة ضربات جوية دقيقة طالت قوات الحشد الشعبي العراقية المتمركزة عند معبر القائم الحدودي بين سوريا والعراق، مستهدفة بذلك القوات الموجودة داخل العمقين السوري والعراقي من المعبر على السواء. وقد رُصد قبل تنفيذ هذه الضربات قيام طائرات أمريكية بجولات استطلاع ومسح لمناطق وجود “كتائب حزب الله” و”كتائب سيد الشهداء” عند معبر القائم.

واستهدفت هذه الضربات مقرًا لكتائب حزب الله ومواقع لكتائب سيد الشهداء العراقيتين وموقع تابع لميلشيا “حيدريون” الإيرانية التي تتخذ من مدينة البوكمال في الشمال الشرقي السوري مسرحًا لها. وأسفرت عن مقتل أربعة عناصر من قوات الحشد الشعبي، وتحديدًا من اللواء الرابع عشر من كتائب سيد الشهداء، أحدهم آمر سرية باللواء الرابع عشر للكتائب. وأوضح المتحدث باسم وزارة الدفاع الأمريكية “البنتاجون” جون كيربي أن واشنطن وجهت “ضربات دفاعية دقيقة بتوجيه مباشر من الرئيس الأمريكي جو بايدن”. وأفادت صحيفة نيويورك تايمز أنه تم استخدام قنابل متعددة ذات زنة 1 طن و250 كجم في الاستهداف، منها قنبلة من طراز Mark84 وهي قنبلة متعددة الأغراض حرة الإسقاط غير موجهة ذات زنة 1 طن. ونُفذت الضربات بواسطة طائرات من طراز F15E.

الدوافع والأسباب

تعد هذه الضربة العسكرية هي الضربة الثانية التي توجهها الولايات المتحدة للفصائل العراقية الموالية لإيران في ظل الإدارة الأمريكية الحالية للرئيس جو بايدن، إذ سبقتها ضربة عسكرية (25 فبراير) استهدفت موقعًا للفصائل العراقية داخل الحدود السورية، ردًا على استهداف الفصائل لقاعدة بلد الجوية ومطار أربيل ومجمع السفارات بالمنطقة الخضراء في ذات الشهر. وذكرت قوات الحشد الشعبي أن الضربة الأخيرة تمت داخل عمق الأراضي العراقية بمسافة 13كم، وخلّفت خسائر تتمثل في عدد من النواظير الحرارية والطائرات المسيّرة الحربية وكاميرات حرارية نهارية ومخزنين للأسلحة الخفيفة والمتوسطة والثقيلة وعدد من الآليات العسكرية.

ومثلما استدعت الضربة الأولى تصعيدًا من قبل الميلشيات العراقية الموالية لإيران التي توعدت الولايات المتحدة بالرد والانتقام، واستهدفت قاعدة عين الأسد الجوية العراقية بنحو عشرة صواريخ (3 مارس)؛ توعدت الميلشيات أيضًا الولايات المتحدة بالانتقام والرد على الضربة الأخيرة، وأعلنت “النفير العام ضد قواعد الاحتلال الأمريكي في العراق”، وتوعدت بالذهاب مع الولايات المتحدة “إلى الحرب المفتوحة وأولها استهداف طائراتهم المعادية في سماء العراق” حسبما أعلنت كتائب سيد الشهداء. وبالفعل استهدفت ميلشيات إيرانية في سوريا قاعدة قُرب حقل العمر النفطي بريف دير الزور الشرقي بعدد من القذائف الصاروخية. وهو ما يشير إلى مرحلة جديدة من مراحل مواجهة واشنطن-طهران، وتحديدًا الميلشيات التابعة لها، وذلك بناء على عدة دوافع.

  • التطور العسكري النوعي

مثّل التطور العسكري النوعي للميلشيات الموالية لإيران في العراق أحد أهم المهددات للقوات الأمريكية الموجودة في العراق، وخاصة التطور اللافت في قدرات هذه الميلشيات من الطائرات المسيّرة. وقد ظهر هذا التطور خلال الاستعراض العسكري الذي قامت به الميلشيات المنضوية تحت لواء قوات الحشد الشعبي (26 يونيو) في محافظة ديالى بمناسبة الذكرى السابعة لتأسيسها، والذي ظهرت فيه أنواع متقدمة من المدفعيات وراجمات الصواريخ مثل مدافع “الهوتزر دي -20” والدبابات مثل الدبابة “تي-72 إم1” الروسية.

وعلى الرغم من أن مصادر محسوبة على الميلشيات أكدت استعداد قوات الحشد الشعبي لعرض عدد من الطرازات المتطورة للطائرات المسيّرة خلال الاستعراض العسكري مثل الطائرات “صماد 3” التي تمتلكها ميلشيا الحوثي في اليمن، وكذلك الطائرة “Skywalker x8″، إلا أن بيانًا للحشد الشعبي نفى وجود طائرات مسيّرة في الاستعراض، وأرجع بعض المصادر ذلك إلى أنه جاء بطلب من الحكومة العراقية.

 وتشكل هذه الطائرات المسيّرة الخطر الأكبر على القوات والمنشآت الأمريكية في العراق لقدرتها على اختراق نظام الدفاع الجوي الأمريكي C-RAM المُستخدم في الدفاع عن المنشآت الأمريكية في العراق. وتشير تقديرات إلى أن هناك عشر هجمات بطائرات بدون طيار قامت بها الميلشيات ضد أهداف داخل العراق خلال العام الجاري، فضلًا عن هجمة واحدة انطلقت من العراق واستهدفت العاصمة السعودية الرياض. وأبرز هذه الهجمات استهداف مطار أربيل (14 أبريل) واستهداف قاعدة عين الأسد (8 مايو – 6 يونيو – 20 يونيو) واستهداف موقع لقوات التحالف في مطار بغداد (15 يونيو)، واستهداف موقع قرب القنصلية الأمريكية في أربيل (26 يونيو).

وهو ما يعد تحولًا نوعيًا في طريقة استهداف الميلشيات للقوات الأمريكية وقوات التحالف الدولي في العراق، فبعدما كانت الصواريخ وخاصة من طراز كاتيوشا هي الأداة المفضلة للميلشيات، باتت الطائرات المسيرة الآن هي الطريقة المثلى، لا سيّما وأنها أكثر قابلية للتحكم عن بعد، وأكثر قدرة على اختراق الدفاع الجوي لتحليقها على ارتفاعات منخفضة، حتى وإن كانت قدرتها التدميرية أقل من الصواريخ حتى الآن. وهو ما وصفه قائد القيادة المركزية الأمريكية كينيث ماكينزي (9 فبراير) بأنه الخطر الأكبر على القوات الأمريكية في العراق.

  • مباحثات فيينا النووية

أكد الرئيس الأمريكي جو بايدن منذ توليه مهام منصب عزمه التفاوض مع إيران للعودة إلى خطة العمل الشاملة المشتركة التي وقعتها إيران مع دول 5+1 بشأن برنامجها النووي عام 2015. ومع انعقاد مباحثات بين إيران ودول 4+1 ومشاركة غير مباشرة للولايات المتحدة في العاصمة النمساوية فيينا، اتضح أن نقاط الخلاف بين الجانبين كبيرة للغاية، وهو ما أدى إلى عقد ست جولات من المباحثات ومن المنتظر عقد جلسة سابعة، دون التوصل إلى اتفاق حتى الآن.

ولطالما استخدمت إيران الهجمات التي تشنها الميلشيات التابعة لها على القوات الأمريكية وقوات التحالف في العراق، وكذلك الهجمات التي يشنها وكلاؤها في كل من العراق واليمن وسوريا ضد حلفاء واشنطن، كورقة ضغط مهمة تمنحها موقع قوة على طاولة التفاوض مع الدول الغربية. ومع انتخاب الرئيس الإيراني الجديد إبراهيم رئيسي المعروف بتوجهاته المتشددة يصبح من المتوقع أن تزيد الميلشيات الموالية لإيران من أنشطتها لتحقيق ضغط أكبر على الدول الغربية في المحادثات. ولذلك تزايدت الضغوط على الرئيس الأمريكي من قبل الكونجرس بضرورة الرد على تهديدات الطائرات المسيّرة في العراق، بغض النظر عن الرغبة الأمريكية في إبرام اتفاق.

رسائل ونتائج

سعت واشنطن من خلال هذه الضربة إلى تحقيق عدة أهداف وإرسال عدد من الرسائل إلى طهران تخص مستقبل علاقاتهما وطبيعة تعامل الإدارة الأمريكية الحالية مع التهديدات الناجمة عن الميلشيات الموالية لإيران في العراق وسوريا.

  • الرغبة في فرض الردع

تشير الضربتان التي وجهتهما إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن للميلشيات الموالية لإيران في النطاق الجغرافي ذاته المتمثل في المنطقة المحيطة بمعبر القائم الحدودي الذي يعد المسرح الأكثر حضورًا لإيران في كل من سوريا والعراق إلى أن هناك عزمًا أمريكيًا على ردع الميلشيات الموالية لإيران ومهاجمة المواقع التي تستخدمها في تخزين وتصنيع التقنيات العسكرية المتطورة. ولذلك دمّرت الضربة الأخيرة قاعدة لإطلاق الطائرات المسيرة ومواقع تستخدم بشكل أساسي في توفير الخدمات المادية والتقنية للمسيّرات. وهي رسالة أيضًا بأن رغبة إدارة بايدن في العودة إلى الاتفاق النووي مع إيران لن تعني أنها ستتقبل ما تحاول طهران فرضه عليها على مائدة التفاوض من خلال الوسائل العسكرية المتمثلة في الهجمات التي تشنها الميلشيات للمصالح الأمريكية. 

وقد أشار تقرير سابق تحت عنوان: “مصدر تهديد: كيف سيتعامل بايدن مع العراق” إلى أن “هدف ردع الميلشيات الموالية لإيران في العراق يعد أبرز أهداف الإدارة الأمريكية الجديدة خلال الفترة المقبلة، ولتحقيق ذلك ستعمد واشنطن إلى المزاوجة في سياساتها بين ما هو سياسي وما هو عسكري. فسياسيًا سيكون ضبط سلوك الميلشيات في العراق أحد أهم الأوراق التي ستستخدمها واشنطن في مباحثاتها المستقبلية مع إيران، وبالإضافة إلى ذلك فسيكون مهمًا لواشنطن أن ترسي هذه المعادلة للردع عسكريًا عبر استهداف وجود هذه الميلشيات سواء في العراق أو في سوريا؛ إذ إن الصمت الأمريكي على ضربات الميلشيات سيُفسر ضمنيًا لدى إيران ووكلائها بأن هناك خشية من واشنطن بأن يؤثر ردها على الاتفاق مع إيران، وأنها أكثر حرصًا من طهران على إبرام الاتفاق”.

  • التفاوض ما بعد الاتفاق

تبعث الضربات الأمريكية برسائل إلى إيران بأنها لن تقبل بإملاء طهران لشروطها على طاولة المباحثات الخاصة ببرنامجها النووي، ولن تقبل كذلك بأن تعتقد إيران بأن نشاط الميلشيات الموالية لها في المنطقة سيمثل ضغطًا تفاوضيًا. وربما تشير الضربات أيضًا والرسائل التي تبعث بها الإدارة الأمريكية -ومنها ما قاله جو بايدن عند الضربة الأولى في فبراير الماضي إن على إيران أن تنظر إلى قراره بالإذن بالضربات الجوية الأمريكية في سوريا على أنه تحذير من أنها يمكن أن تتوقع عواقب لدعمها لميليشيات تهدد المصالح أو الأفراد الأمريكيين- إلى أنه حال تكللت المباحثات باتفاق يخص البرنامج النووي الإيراني فإن واشنطن لن تغض الطرف عن القضيتين اللتين أبت طهران تضمينهما في الاتفاق وهما برنامجها الصاروخي ونشاطها في الإقليم.

ومن ثم فإن الاتفاق حول البرنامج النووي لطهران سيستلزم عقد سلسلة من المباحثات بين إيران والولايات المتحدة حول هاتين القضيتين اللتين تمثلان تهديدًا مباشرًا لواشنطن وحلفائها في المنطقة. وإلا فإن احتمالات استمرار المواجهة العسكرية ستبقى واردة، خاصة بالنظر إلى الرسالة التي أرسلتها واشنطن إلى مجلس الأمن (29 يونيو) بأن “الضربات جاءت لمنع المسلحين وطهران من تنفيذ أو دعم المزيد من الهجمات على القوات والمنشآت الأمريكية”، وأن “هذ الرد العسكري جاء بعدما تبيّن أن الخيارات غير العسكرية غير ملائمة في التصدي للتهديد”.

غير أن عددًا من النتائج يمكن الوصول إليه من خلال قراءة الرد الإيراني على الضربة الأمريكية، أولًا أن هذه الضربة الأمريكية قد لا تكون الأخيرة، وقد تكون الضربات اللاحقة أكثر تدميرًا. وثانيًا أن الأكراد سيتعمق حضورهم في معادلة الاشتباك بين واشنطن وطهران، وذلك بعد استهداف الميلشيات الإيرانية لموقع تشغله قوات سوريا الديمقراطية قرب حقل العمر النفطي بدير الزور، وكذلك بالنظر إلى ما ذكره عدد من المصادر التابعة للحشد الشعبي بأن الطائرات التي نفذت الضربات التي استهدفت مواقع الميلشيات خرجت من مطار أربيل بإقليم كردستان، وعادت إليه بعد إتمام العملية، وهو ما سارع إقليم كردستان إلى نفيه. وثالثًا أن العراق سيقبل على فترة جديدة من عدم الاستقرار في ظل هذا الاشتباك، ورغبة الميلشيات الموالية لإيران في زيادة نفوذها وقوتها في مرحلة ما قبل الانتخابات النيابية.