أعلن الرئيس الأمريكي السابق “دونالد ترامب” نيته الترشح للانتخابات الأمريكية لعام 2024. وبعد أن حظرت مواقع التواصل الاجتماعي منها فيسبوك وتويتر حسابات ترامب الخاصة، أعلن الأخير أنه فتح حسابًا خاصًا على موقع “جيتر”، وهو أحد المنصات التي تحارب على حد وصفها احتكار الثقافة وحرية التعبير. 

في هذا السياق، نشرت مجلة فورين أفيرز الأمريكية مقالًا تحليليًا، بتاريخ 2 يوليو، جاء بعنوان “عالم بدون ديمقراطية أمريكية؟”. ويشير المقال إلى الممارسات السياسية السلبية التي أخذها ترامب ضد منهج الديمقراطية في الولايات المتحدة، ويتضمن المقال أيضًا عواقب تضاؤل قوة الديمقراطية الأمريكية على الداخل الأمريكي وعلى المجتمع الدولي برمته.

يعد “لاري دايموند“، مؤلف المقال، عالم اجتماع سياسي وباحث معاصر رائد في مجال دراسات الديمقراطية، وزميلًا أول في معهد هوفر ومعهد فريمان سبوجلي للدراسات الدولية بجامعة ستانفورد. وهو مؤلف كتاب “إنقاذ الديمقراطية من الغضب الروسي والطموح الصيني والرضا الأمريكي”.

يشير الكاتب في مستهل مقاله إلى تحذير صامويل هنتنجتون بارتداد الديمقراطية في بعض دول العالم الثالث. “في كل عام على مدار الخمسة عشر عامًا الماضية، وفقًا لمؤسسة فريدوم هاوس، شهد عدد كبير من الدول انخفاضًا في الحقوق السياسية والحريات المدنية أكثر مما شهدته من مكاسب. وفي 2015 حتى 2019، تحول الاتجاه العكسي إلى مستوى أكثر حدة بعد أن ارتدت عن الديمقراطية 12 دولة في حين تحولت 7 دول فقط ديمقراطيًا.

ويُرجع الكاتب أحد عوامل الارتداد عن الديمقراطية إلى “الشعبوية”، إذ يقول: “يقوم القادة الشعبويون غير الليبراليين بتقويض الديمقراطية في بلدان مثل البرازيل والهند والمكسيك وبولندا، وقد أدى الاستبداد الزاحف بالفعل إلى إخراج المجر والفلبين وتركيا وفنزويلا من فئة الديمقراطيات تمامًا.”، “وكذلك جورجيا، وميانمار، والسلفادور، وبيرو”.

أسس النظام الديمقراطي

ينتقل الكاتب ليوضح أسس النظام الديمقراطي الذي يقوم على ثالوث مقدس، يأتي أولها “سيادة الشعب – حكم الشعب”. تتطلب الديمقراطية أن يكون الناس قادرين على اختيار واستبدال نخبتهم في انتخابات منتظمة وحرة ونزيهة، وأن يتمكن جميع المواطنين المسموح لهم بالتصويت بدون ترهيب وعرقلة، وأن يتمتع المرشحون والأحزاب بالحرية في المنافسة والدعاية. وكذا، يجب أن تدار الانتخابات بحيادية، بحيث يتم فرز الأصوات الصحيحة بدقة، وأن يتم منح السلطة للفائز في الانتخابات.

أما الأساس الثاني هو “الحرية”، يوفر النظام الديمقراطي حماية قوية لحرية التعبير، والصحافة، وتكوين الجمعيات، وإقامة التجمعات. يجب أن يضمن النظام الديمقراطي صون هذه الحقوق على قدم المساواة لجميع الفئات الاجتماعية، وتعزيز ثقافة التسامح المتبادل واحترام حقوق المعارضين السياسيين.

أما الأساس الثالث هو “سيادة القانون”، أي ضمان تطبيق الإجراءات الديمقراطية بشكل غير متحيز من قبل سلطة قضائية مستقلة وهيئات تنظيمية أخرى تتحقق من إساءة استخدام السلطة. في معظم الديمقراطيات المتقدمة، باستثناء الولايات المتحدة، تشمل أدوات المساءلة هذه الهيئات الوطنية لإدارة الانتخابات ومراقبة الفساد. 

كان ترامب أول رئيس أمريكي يُظهر ازدراءً لثالوث الديمقراطية الليبرالية المقدس. وهاجم وسائل الإعلام ووصفها بأنها “أخبار كاذبة”، ودعا أنصاره إلى ارتكاب أعمال عنف ضد المعارضين المحتجين. وعند هزيمته، أصر على أن نتائج الانتخابات كانت مزورة ويجب إبطالها. وطوال فترة رئاسته، شن حربًا على القضاء، ومكتب التحقيقات الفيدرالي، ونائبه العام، ومكتب الأخلاقيات الحكومية، والخدمة المدنية، ومجموعة من الجهات الفاعلة الأخرى التي رفضت الانصياع لإرادته السياسية أو سعت إلى فرض سيادة القانون.

رأى العديد من علماء الديمقراطية تهديدًا غير مسبوق للديمقراطية الأمريكية عندما تولى ترامب منصبه في عام 2017 وخشوا من الاعتداءات الخطيرة على الأساسين الثاني والثالث في ثالوث الديمقراطية على وجه الخصوص. 

حسب الكاتب، فإن هذا التقييم كان سليمًا نسبيًا، فلم يشهد تاريخ الولايات المتحدة حادثة واحدة لإساءة استخدام سلطة المؤسسات الإدارية وسيادة القانون وتخريبها لتحقيق غايات سياسية صريحة منذ حادثة الرئيس السابق ريتشارد نيكسون. ولكن هذه المحاولات لم تحقق سوى تأثير محدود؛ إذ ظل الجزء الأكبر من الصحافة والسلطة القضائية مستقلين، وازدهرت حرية التعبير خارج الحزب الجمهوري وإدارة ترامب. ومن عام 2017 حتى عام 2020، سادت الحرية وسيادة القانون بشكل أو بآخر.

حجم الظاهرة في الولايات المتحدة

في إشارة إلى ممارسات ترامب في الولايات المتحدة، يقول الكاتب: “إن المفارقة أن بعض هذه الدول تصرفت مثلما تصرف ترامب، حيث بدأ في بتبني مزاعم بتزوير الانتخابات، والهجوم على الإعلام”. مؤكدا أن انصراف الممارسات الشعبوية المناهضة للديمقراطية في الولايات المتحدة ذاتها هو إيذان ببداية حقبة جديدة، خطيرة.

يبين الكاتب أن الولايات المتحدة تواجه اليوم حركة متنامية مناهضة للديمقراطية، ليس فقط من صفوف المتطرفين المهمشين، ولكن أيضًا من مجموعة كبيرة من أصحاب المناصب العليا التنفيذية في الإدارة الأمريكية -وهي حركة تتحدى أسس الديمقراطية الانتخابية ذاتها- على حد وصفه.

وفي حالة نجاح هذا الجهد، يمكن أن تصبح الولايات المتحدة أول ديمقراطية صناعية متقدمة تفشل في الثبات على مبادئ الديمقراطية -أي أنها لن تلبي الحد الأدنى من الشروط لإجراء انتخابات حرة ونزيهة كما يحددها علماء السياسة وغيرهم من علماء الديمقراطية-.

ويحذر الكاتب أن فشل الديمقراطية الأمريكية سيكون كارثيًا ليس فقط على الولايات المتحدة؛ وإنما سيكون له أيضًا عواقب عالمية عميقة في وقت أصبحت فيه الحرية والديمقراطية تحت الحصار بالفعل. كما أشار هنتنغتون، ساعد انتشار الحركات والأفكار الديمقراطية من بلد إلى آخر على إحداث تغيير ديمقراطي إيجابي. يمكن أن تنتشر الأعراف والممارسات المناهضة للديمقراطية بطريقة مماثلة لا سيما عندما تنبع من دول قوية. فقد تسارع الركود الديمقراطي إلى حد كبير في عهد ترامب؛ وهذا هو السبب في أنه لا توجد تنمية من شأنها أن تلحق ضررًا خطيرًا بالقضية الديمقراطية العالمية أكثر من التراجع الديمقراطي لأهم بطل لها.

تقييم التداعيات

يوضح الكاتب أن معظم العلماء الباحثين في الشأن السياسي الأمريكي أساؤوا تقدير طبيعة الخطر. وذلك من ثلاث نواحٍ: أولًا، افترض الكثيرون أن ترامب نفسه يشكل أكبر تهديد للديمقراطية الأمريكية وأن هزيمته ستؤدي إلى الغليان داخل المجتمع السياسي. ثانيًا، قلل الكثيرون من احتمالية العنف من جانب أنصار ترامب المتطرفين. وثالثًا، استهان معظمهم بمدى قيام ترامب بإعادة تشكيل الحزب الجمهوري كمؤسسة ليس فقط موالية له بشكل مطلق، بل أيضًا معادية للديمقراطية.

لحسن الحظ، قبل انتخابات 2020، توقع علماء الديمقراطية والمنظمات المدنية التهديدات التي قد تتعرض لها نزاهة الانتخابات من قبل أنصار ترامب المتطرفين بشكل دقيق، فضلًا عن التحديات اللوجستية المذهلة التي تسببت فيها أزمة كورونا. ونتيجة لذلك، أطلقوا واحدة من أكثر حملات الدعاية الانتخابية نشاطًا في تاريخ الولايات المتحدة لتسجيل عدد غير مسبوق من الناخبين، لمنحهم وصولاً آمنًا ومبكرًا إلى صناديق الاقتراع، لضمان حصول الإدارات الانتخابية المحلية على الموارد اللازمة لتنظيم عملية التصويت، والاستعداد لمواجهة أي جهود محتملة لقلب النتائج في الانتخابات الرئاسية. لم تكن الانتخابات سيناريو كابوسًا كما كان يخشى البعض. في الواقع، أثبتت أنها واحدة من أفضل الانتخابات التي تمت إدارتها في تاريخ الولايات المتحدة.

واستدرك الكاتب في مقاله، أنه رغم ذلك: فإن ما تبع ذلك كان -على حد تعبير بيرسيلي وستيوارت- “مأساة” بسبب المزاعم الصادرة عن البيت الأبيض بتزوير الأصوات وهو الإدراك الذي انتقل إلى عشرات الملايين من الأمريكيين بأن الانتخابات كانت “مزورة”. 

امتد هذا “الارتياب” والتشكيك إلى ما بعد تمرد 6 يناير في واشنطن، على الرغم من أن تنصيب الرئيس جو بايدن قد قلل من تصعيد التهديدات الوشيكة بالنسبة للحريات المدنية وسيادة القانون، فإن العنصر الأساسي للديمقراطية الانتخابية -انتخابات حرة ونزيهة- يتعرض حتى الآن لهجوم حزبي لا هوادة فيه.

تعمل المجالس التشريعية في الولايات الجمهورية على تسريع الجهود لجعل الأمر أكثر صعوبة بالنسبة للأمريكيين الأفارقة واللاتينيين وغيرهم من الدوائر الانتخابية ذات الميول الديمقراطية للتصويت من خلال تمرير قوانين تجعل من الصعب التصويت عن طريق البريد والتصويت مبكرًا، مما يجعل من السهل إسقاط الناخبين من قوائم التصويت. هذه التغييرات ليست مبررة بواسطة أدلة موثقة على المخالفات في تسجيل الناخبين أو تسجيل أصواتهم، وإنما من خلال روايات كاذبة متعمدة بشأن تزوير الانتخابات.

الآن، يتمثل التهديد الأكبر للديمقراطية الأمريكية في المبادرات التشريعية التي تسعى لتقويض استقلالية الإدارة الانتخابية، بما في ذلك عد الأصوات وتسجيلها. وليس من المستبعد أن تنزلق الولايات المتحدة نحو الاستبداد والسلطوية.

صدر مؤخرًا قانون في ولاية جورجيا، يقيل براد رافينسبيرجر (الذي رفض تجميع 11780 صوتًا الذين احتاجهم ترامب للفوز بالولاية) من منصب رئيس مجلس انتخابات الولاية، ويمنح المجلس التشريعي للولاية القدرة على تسمية الرئيس الجديد. 

قام النواب في ميشيغان بتسييس مجلس محامي الولاية، الذي يصادق على نتائج الانتخابات، من أجل استبدال النائب الجمهوري الذي صوت لبايدن. في ميشيغان ونيفادا، يسعى الموالون لترامب لتعزيز سيطرتهم بهدف الإشراف على الانتخابات وإداراتها مستقبلا، مما يسمح بعرقلة أصوات الديمقراطيين.

وعلى المستوى الفيدرالي، يمكن للجمهوريين استعادة السيطرة على مجلس النواب (بمساعدة قدرتهم الفردية على إعادة ترسيم 187 دائرة في الكونغرس بعد آخر تعداد سكاني) واستخدام أغلبيتهم للتلاعب بالنتائج الرئاسية لعام 2024 لصالحهم.

تقدير مبالغ؟

إن التحذير من فشل الديمقراطية الأمريكية ليس مبالغة أو مجرد شعار يهدف إلى التحفيز على العمل. قد يختلف علماء السياسة حول الحد الأدنى من شروط الديمقراطية، لكنهم يتفقون على هذا: لا يمكن اعتبار دولة ما دولة ديمقراطية إذا لم تضمن نطاقًا واسعًا من حدود الإدارة المحايدة والعادلة للانتخابات لضمان نزاهتها. إذا تم تحديد نتيجة الانتخابات الوطنية في الولايات المتحدة من خلال التلاعب بالأصوات، فلن تكون الدولة ديمقراطية، بغض النظر عن مدى حرية التعبير التي قد تستمر (لبعض الوقت).

حذر أكثر من 100 من علماء الديمقراطية البارزين مؤخرًا في بيان جماعي من أن اعتداءات الجمهوريين على نزاهة الانتخابات يمكن أن تؤدي إلى زوال الديمقراطية الأمريكية. وناشدوا الكونجرس لتمرير قانون حقوق التصويت واعتماد تدابير أخرى “لضمان نزاهة واستقلالية العملية الانتخابية”. ولكن مع وجود تشريعات وطنية واسعة لحظر التلاعب الحزبي وتقوية معايير التصويت الحر على المدى القريب، فإن الأمر متروك للمجتمع المدني للدفاع عن الديمقراطية الأمريكية.

أصبح هذا الدفاع أكثر إلحاحًا بسبب العاصفة المتصاعدة من التراجع الديمقراطي في جميع أنحاء العالم. إن الأهمية الهائلة للولايات المتحدة كمصدر للتأثير السياسي -في الخير أو الشر- تجعلها مثالًا يحتذى به، مما يؤثر ذلك على الأنظمة الاستبدادية المحاصرة على حد سواء خاصة في كل من الديمقراطيات المتراجعة مثل الفلبين وبولندا وفي الأنظمة الاستبدادية العميقة مثل تركيا وفنزويلا، شجّع شعار ترامب “الأخبار الكاذبة” القادة الأقوياء في هجماتهم على وسائل الإعلام في بلدانهم وفي الخارج. 

إذا انتهت الولايات المتحدة من تشويه ديمقراطيتها من خلال تسييس الإدارة الانتخابية وقمع أصوات الأقليات، فسوف ينتهز المستبدون ببهجة السابقة الأمريكية كمبرر لأساليبهم في عرقلة التغيير الديمقراطي. وفي الديمقراطيات المتدهورة، سيتبنى شاغلو المناصب أساليب مماثلة لانتهاك نزاهة الانتخابات من أجل التمسك بالسلطة.

باختصار، ما يحدث للديمقراطية في الولايات المتحدة من المرجح أن يحدد مصير الديمقراطية في جميع أنحاء العالم: ما إذا كانت هذه الموجة الثالثة من الانتكاسات الديمقراطية قد توقفت أو اكتسبت زخمًا جديدًا مروعًا.

Scroll Up