في خطوة هي الأولى من نوعها، أدرجت الولايات المتحدة الأمريكية تركيا مؤخرًا على قائمة البلدان المتورطة في تجنيد الأطفال على مدي العام الماضي، لتصبح بذلك أول دولة عضو في حلف شمال الأطلسي يتم إدراجها على هذه القائمة.

 وفى غضون ذلك، أكد تقرير الخارجية الأمريكية بشأن الإتجار بالبشر لعام 2021، “وهو تقرير سنوي يصدر عن وزارة الخارجية الأمريكية يهدف إلى القضاء على ظاهرة الاتجار بالبشر”، أن تركيا قدمت دعمًا ملموسًا لفصيل “السلطان مراد” في سوريا، وهو من الفصائل المسلحة التي تدعمها تركيا، ومن بين الجماعات التي اتهمتها واشنطن بتجنيد الأطفال. ولم يقتصر الأمر على سوريا فقط، فوفقا لمسؤول في الخارجية الأمريكية قد امتد الأمر إلى استخدام أنقرة الأطفال في معاركها في ليبيا.

من هي فرقة “السلطان مراد” التي صُنفت أنقرة بسببها في قائمة الدول المتورطة بتجنيد الأطفال؟

 هي إحدى أبرز الفصائل السورية المسلحة التي لعبت دورًا بارزًا للوجود التركي في سوريا. تأسست في عام 2013 على يد الاستخبارات التركية، وتحصل على التمويل والتدريب العسكري والدعم الجوي من تركيا، وتعد الفصيل الأكثر تشددًا من بين الفصائل التي توفر لهم أنقرة الدعم العسكري واللوجستي، وتتهمها منظمات حقوقية بارتكاب جرائم حرب بحق السوريين في أماكن وجودها بالبلاد.

جمعت الفرقة تحت مظلتها عددًا من الميليشيات المتشددة وهي لواء السلطان محمد الفاتح، ولواء الشهيد زكي تركمان، ولواء أركان العقيدة، بهدف تجميع التركمانيين السوريين في هيكل واحد، وتحويلهم إلى أداة تركية في الحرب السورية، ثم توظيفهم ونقلهم لاحقًا إلى ليبيا. وتمتلك الفرقة علاقات وثيقة بتنظيم جبهة النصرة الإرهابي في ريف حلب وإدلب، بتنسيق من المخابرات التركية أيضًا، ولديها علاقات قوية مع تنظيم داعش حيث تضم في صفوفها العشرات من العناصر الموالية للتنظيم الإرهابي.

عملت الفرقة على تجنيد الأطفال وإرسالهم كمرتزقة للقتال الى جانب ميليشيات حكومة الوفاق في ليبيا، فوفقًا لتقرير أعده المرصد السوري لحقوق الإنسان في مايو 2020، “يوجد نحو 150 طفلًا تتراوح أعمارهم بين الـ 16 والـ 18 عاما غالبيتهم من فرقة “السلطان مراد”، تم تجنيدهم للقتال في ليبيا عبر عملية إغراء مادي في استغلال كامل للوضع المعيشي الصعب وحالات الفقر التي يعيشها هؤلاء الأطفال وذويهم”.

تركيا وتجنيد الأطفال

تصنيف الولايات المتحدة لأنقرة على قوائم الدول المتورطة في تجنيد الأطفال، يسلط الضوء على الممارسات التركية في هذا الشأن، فوفقًا للعديد من المنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان، تستغل الحكومة التركية الأوضاع المؤلمة للأطفال نتيجة الحروب، وتقوم بتجنيدهم للقتال في كل من سوريا وليبيا، وذلك عن طريق تجنيد أطفال دون ال 18 عامًا للمشاركة في الأعمال العدائية المسلحة، الأمر الذي وصفة مراقبون بأنه جريمة ضد الإنسانية وجريمة حرب تستجوب فرض عقوبات دولية على نظام أردوغان ومحاكمته.

ووفقًا لتقرير أصدرته مؤسسة ماعت للسلام والتنمية وحقوق الإنسان في فبراير 2021، بعنوان” تورط تركيا في تجنيد الأطفال في المناطق التي تحتلها ف شمال سوريا”، تستخدم الفصائل المسلحة الموالية لتركيا أنماطًا معقدة لتجنيد الأطفال قسريًا والزج بهم في الأعمال الحربية في مختلف المناطق التي تسيطر عليها، مستغلة وجود مجموعة من العوامل الاجتماعية التي تسهل تجنيد هؤلاء الأطفال، منها: نقص الأموال، وارتفاع نسبة عدم الوعي على خلفية نقص التعليم، ومن ثم سهولة استقطابهم أيدولوجيًا.

وأشار التقرير إلى كيفية استخدام هذه الميليشيات للأطفال في عمليات القتال، إذ يتم استخدامهم على جبهات القتال كمقاتلين بشكل مباشر، أو في خدمات أمنية كالتفتيش على نقاط الحدود أو الدعم اللوجستي المرتبط بالعمليات العسكرية، إلى جانب العمل على خدمة المقاتلين الأكبر سنًا، فضلًا عن القيام بأعمال التجسس.

ووفقًا للمؤسسة تورطت الفصائل المسلحة الموالية لتركيا في شمال شرق سوريا في تجنيد حوالي 1316 طفلًا خلال الفترة من 2014 إلى 2019. وقامت السلطات التركية أيضًا بإرسال نحو 380 طفلًا بعد تجنيدهم من قبل الفصائل الموالية لها في الشمال السوري للقتال في مناطق النزاع المختلفة المتورطة فيها خاصة ليبيا، الأمر الذي أدي إلى وفاة نحو 25 طفلًا منهم، وذلك طبقًا للتقارير الأممية ومتابعة مؤسسة ماعت.  

كيف ردت تركيا على اتهامات واشنطن؟

تنصلت أنقرة كعادتها من اتهامات واشنطن لها، وردت وزارة الخارجية التركية على إدراج الولايات المتحدة لتركيا على قائمة الاتجار بالبشر لعام 2021 ووصفت التقرير بـ “افتراضات لا أصل لها من الصحة”. واتهمت الخارجية التركية واشنطن أنها تعتمد على منظمات غير حكومية عديمة المصداقية في إعداد تقاريرها، وحذرت من تأثير ذلك على مستقبل العلاقات التركية الأمريكية، ورفضت كل اتهامات الولايات المتحدة لها بتجنيد الأطفال رفضًا تامًا، مشيرة إلى أن تركيا طرف رئيس في اللوائح الدولية المتعلقة بحماية حقوق الأطفال، بما في ذلك التي اعتمدتها الأمم المتحدة.

وهاجمت الخارجية التركية الولايات المتحدة الأمريكية، مؤكدة أن الحكومة الأمريكية لديها ازدواجية معايير جلية، مدعية أن واشنطن هي من تساعد علنًا وتقدم الأسلحة لجماعات كردية مسلحة مثل حزب العمال الكردستاني ووحدات حماية الشعب التي تجند الأطفال قسرًا، وقالت إن ذلك دليل على نفاق واشنطن، وأن اتهامها لتركيا لا أساس له من الصحة.

دلالات التوقيت وانعكاساته

الممارسات التركية فيما يتعلق بظاهرة تجنيد الأطفال وإرسالهم كمرتزقة في الحروب، ليست بجديدة، والولايات المتحدة تدرك هذا الامر جيدًا، وبالتالي قيام واشنطن في هذا التوقيت تحديدًا بوضع أنقرة على قوائم الدول المتورطة في تجنيد الأطفال يحمل عدة دلالات سياسية قد يكون لها انعكاساتها على العلاقات بين البلدين في الفترة المقبلة، نذكر منها:

 الضغط على أنقرة لإخراج قواتها من ليبيا: تصنيف الولايات المتحدة لتركيا في الوقت الحالي كراعٍ متورط في تجنيد الأطفال يأتي في إطار الضغوط التي تمارسها واشنطن على أنقرة لسحب قواتها من ليبيا، في ظل مواصلة الحكومة التركية خرق القرارات الدولية، وتمسكها بالوجود غير الشرعي على الأراضي الليبية. 

فبينما تتصاعد الأصوات الدولية المطالبة بإخراج المرتزقة من ليبيا لإنهاء الأزمة الدائرة في البلاد منذ سنوات، كشف المرصد السوري لحقوق الإنسان، أن أكثر من 500 مرتزق سوري جرى نقلهم من وإلى ليبيا خلال يونيو، عبر تركيا. وأشار المرصد إلى أن أنقرة تواصل نقل المرتزقة السوريين من وإلى ليبيا، في إطار عمليات التبديل المستمرة، حيث لا يزال نحو 7 آلاف مرتزق من الجنسية السورية من الموالين لأنقرة موجودين في ليبيا حتى هذه اللحظة. 

العرض التركي بالحضور في أفغانستان: اقترحت تركيا في وقت سابق من الشهر الماضي إبقاء قواتها لمتابعة تشغيل وتأمين مطار حامد كرزاي في العاصمة الأفغانيّة كابل، بعد اكتمال عملية انسحاب القوات الأجنبية من أفغانستان، والمقرر انتهاؤها في سبتمبر المقبل.  شريطة أن يلتزم الحلفاء في الناتو بتأمين الدعم السياسي والمالي واللوجستي اللازم لها.  

وهنا يمكن الربط بين تصنيف تركيا على قائمة الدول المتورطة بتجنيد الأطفال، والمباحثات الدائرة بين واشنطن وأنقرة فيما يتعلق بالوضع في أفغانستان، صحيح أن الولايات المتحدة رحبت بالمقترح التركي، وتدور المناقشات حاليًا بين الطرفين للتنسيق في هذا الأمر، إلا أن واشنطن ترغب في الوقت ذاته أن ترسل برسالة   تدحض من خلالها اعتقاد أنقرة بأن عرضها بالبقاء في أفغانستان لتأمين المصالح الأمريكية قد يدفع إدارة بايدن إلى أن تغض الطرف عن الميل التركي تجاه السلاح الروسي، وسياسة أنقرة المزعزعة للاستقرار في المنطقة، فضلًا عن انتهاكاتها المتكررة في ملف حقوق الإنسان.
وفى ضوء ما سبق يمكن القول إن إدراج الولايات المتحدة لتركيا على قائمة الدول المتورطة في تجنيد الأطفال يأتي كترجمة لمساعي واشنطن الضغط على أنقرة،في ظل العلاقات المتوترة بين البلدين في الآونة الأخيرة على خلفية الاعتراف الأمريكي بالإبادة الجماعية للأرمن، وشراء أنقرة منظومة الدفاع الروسية إس -400، وسياساتها المزعزعة للاستقرار في شرق المتوسط وليبيا. الأمر الذي ينذر بتوتر جديد قد تشهده العلاقات بين البلدين في الفترة المقبلة.