عرض- نسرين الصباحي     

تُواجه أفريقيا جنوب الصحراء عواقب تغير المناخ والأزمة الاقتصادية الحادة بعد تفشي فيروس كوفيد- 19، وتحديات حالات الطوارئ المناخية والاجتماعية والاقتصادية، والتي يجب أن تُعالجها الحكومات المحلية كأولويات سياسية، ويمكن أن تُمهد إمكانات الطاقة المتجددة الضخمة الطريق لإعادة إعمار أفريقيا الخضراء، ولكنّ هل سيكون “النمو الأخضر” ممكنًا في مُواجهة مُعضلة الوصول إلى الطاقة في أفريقيا؟ ما هي احتمالات جعل المدن الأفريقية خضراء وذكية؟ ما هو الدور الذي يمكن أن تلعبه أفريقيا ضمن أطر حوكمة المناخ العالمية؟ وما هو دور الاتحاد الأوروبي في تعزيز التنمية الخضراء للقارة السمراء؟       

يتضح ذلك من خلال ملفٍ خاصٍ  يحتوي على سلسلة من المقالات صادر عن المعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية (ISPI)، Italian Institute for International Political Studies، بعنوان: Hopes and Realities: A Green Recovery for Africa، والذي قام بتحريره Giovanni Carbone، رئيس برنامج أفريقيا بالمعهد وأستاذ العلوم السياسية بجامعة ميلانو ، تركز أبحاثه على الدراسة المقارنة للسياسة والجغرافيا السياسية والتنمية الاقتصادية في أفريقيا جنوب الصحراء، مع إيلاء اهتمامٍ خاصٍ للمؤسسات السياسية، وCamillo Casola، زميل باحث مُشارك في برنامج أفريقيا.          

كيف يؤثر تغير المناخ على أفريقيا؟       

يَعتبر تغير المناخ مشكلة عالمية تتطلب مُعالجتها بشكل صحيح حلاً جماعيًا بتعاون والتزام جميع البلدان على جميع المستويات الحكومية المحلية والإقليمية والدولية. ومع ذلك، لا تتأثر جميع مناطق العالم بنفس القدر بهذه الظاهرة؛ فأفريقيا من أكثر المناطق عرضةً للآثار السلبية للاحتباس الحراري وتغير المناخ، ويرجع ذلك إلى التأثير المُركب لموقعها الجغرافي والمشكلات الاجتماعية والاقتصادية وهياكل الحوكمة المؤسسية والسياسية الهشّة في العديد من البلدان الأفريقية، ولذا، فإن تغير المناخ يثقل كاهل سياق هشّ بالفعل، وتفاقم الضغوط المتعددة في أفريقيا؛ انعدام الأمن الغذائي، وفقدان التنوع البيولوجي، وعدم الاستقرار السياسي، والصراعات.   

مُفارقة أفريقيا… انبعاثات منخفضة، ضعف شديد     

تُعدُّ مُساهمة أفريقيا في ظاهرة التغير المناخي محدودة من حيث الانبعاثات التاريخية والحالية، تُمثل حوالي 3.9 في المائة فقط من الانبعاثات العالمي، ولا توجد دولة أفريقية من بين أكبر الدول المسببة للانبعاثات العالمية باستثناء دولة جنوب أفريقيا، أكبر مصدر للانبعاثات الأفريقية، بتجاوز 1 في المائة من إجمالي الانبعاثات في العالم.

يُمثل عدم التوافق بين حالة إفريقيا باعتبارها المساهم البسيط في أزمة تغير المناخ، ومع ذلك واحدة من أكثر المناطق عرضةً لآثارها الضارة إحدى مُفارقات سياسات المناخ العالمية. ومع ذلك، فإن العديد من بلدان أفريقيا جنوب الصحراء لديها قدرات تكيفية منخفضة نسبيًا من حيث المعرفة والتكنولوجيا والتمويل. بالإضافة إلى ذلك، لا تعطي العديد من الحكومات الأفريقية الأولوية لتغير المناخ في أجندتها السياسية الداخلية، وتعتبرها مشكلة يجب حلها في مكان آخر ومن قِبل الدول المتقدمة.  

تمويل التخفيف من حدة تغير المناخ والتكيف معه في أفريقيا   

 يَعتبر التمويل أحد التحديات الرئيسية للعمل المناخي الفعّال في أفريقيا بسبب دوره في تعبئة رأس المال للانتقال إلى اقتصاد خالٍ من الكربون من خلال الاستثمارات في الحد من الانبعاثات والتكيف مع تغير المناخ. بموجب النظام القانوني الدولي الذي أنشأته اتفاقية باريس، يجب على البلدان المتقدمة تقديم المساعدة المالية إلى البلدان النامية لدعم إجراءات التخفيف والتكيف الخاصة بها، ويتم تشجيع الأطراف الأخرى على المساهمة الطوعية، حيث تعهدت البلدان المتقدمة بحشد 100 مليار دولار سنويًا لمساعدة جهود التخفيف والتكيف التي تبذلها البلدان النامية، وسيتم مُراجعة هذا المبلغ في المفاوضات المُستقبلية مع الوضع في الاعتبار احتياجات وأولويات البلدان النامية.     

وفى هذا السياق، يُقدر تقرير حديث صادر عن بنك التنمية الأفريقي (AfDB) أنه لتحقيق الأهداف المنصوص عليها في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ واتفاقية باريس، ستصل الاحتياجات المالية للبلدان الأفريقية لإجراءات التخفيف إلى 715 مليار دولار على مدى العقد المقبل (2020-2030). وفي الوقت نفسه، تُقدر تكاليف التكيف لجميع البلدان الأفريقية بما يتراوح بين 259 و407 مليار دولار لنفس الفترة. ومع ذلك، تُقدر فجوة الاستثمار في هذين المجالين بأنها كبيرة جدًا.    

الانتعاش الأخضر لأفريقيا… تعزيز كهرباء مُستدامة   

في حالة اتباع أفريقيا نفس نموذج التنمية الاقتصادية مثل بقية دول العالم، وركزت على نمو الصناعات والمدن والبنى التحتية كثيفة الكربون، فسيكون ذلك بمثابة ختم لمستقبل مناخ الكوكب، حيث تعد الانبعاثات في أفريقيا اليوم من بين أدنى انبعاثات للفرد في العالم 0.8 طن / للفرد. إذا أنتجت إفريقيا خلال 30 عامًا نفس مستويات نصيب الفرد من ثاني أكسيد الكربون مثل الهند والصين اليوم (على التوالي 2 طن / للفرد و7.2 طن / للفرد)، يمكن أن تنبعث وحدها ما بين 4 جيجا طن و17 جيجا طن من ثاني أكسيد الكربون في عام 2050. لذلك من الضروري أن يتم تنفيذ تنمية أفريقيا جنوب الصحراء بطريقة مُستدامة.

  • ستواجه أفريقيا جنوب الصحراء عواقب الاحتباس الحراري:   

على الرغم من مُساهمتها التاريخية المنخفضة للغاية في ظاهرة الاحتباس الحراري، فإن القارة الأفريقية ستواجه عواقبها القاسية. وفقًا لإحصاءات وكالة الطاقة الدولية (IEA)، في عام 2018، أصدرت القارة بأكملها 3.6 ٪ فقط من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون العالمية (CO2). ومع ذلك، من المتوقع أن يكون الارتفاع في درجات الحرارة أعلى في أفريقيا أعلى مرة ونصف من المتوسط ​​العالمي.            

يُهدد ارتفاع مستوى سطح البحر المناطق الساحلية في أفريقيا، والتغيرات في أنماط هطول الأمطار المرتبطة بالاحترار العالمي لها آثار ضارة على التربة، حيث تُساهم موجات الجفاف المُمتدة التي تليها الأمطار الغزيرة، في تآكل الأراضي، ويفرض النمو السكاني ضغوطًا على الوصول إلى الموارد الطبيعية. فضلاً عن تداعيات الرعي الجائر وإزالة الغابات، وتُساهم هذه الظواهر في جعل السكان أكثر عرضةً لمخاطر تغير المناخ.            

  • تسريع التنمية الاقتصادية والصناعية لمُواجهة النمو السكاني:                     

تَعتبر التنمية الاقتصادية لأفريقيا أمر ضروري لمجموعة من الأسباب؛ لإنقاذ السكان من الفقر في ظل تعامل القارة مع نمو ديموغرافي كبير، وفقًا لتوقعات الأمم المتحدة، سيتضاعف عدد سكان أفريقيا في أقل من 30 عامًا ليصل إلى 2.1 مليار بحلول عام 2050، مقارنة بـ 1.1 مليار. بالإضافة إلى قضايا الوصول إلى الرعاية الصحية والتعليم التي سيخلقها النمو السكاني، وستحتاج القارة إلى توفير فرص عمل للشباب. وفقًا لتوقعات صندوق النقد الدولي (IMF)، سيتعين خلق 20 مليون فرصة عمل جديدة في أفريقيا كل عام على مدى العقدين المقبلين فقط لاستيعاب الوافدين الجدد إلى سوق العمل.  

  • التحدي المالي المتمثل في تطوير إمكانات الطاقة المتجددة في القارة:     

من بين ما يقرب من مليار شخص في العالم لا يحصلون على الكهرباء، يوجد ما يقرب من 600 مليون في أفريقيا، أو 47.2٪ من السكان، ويُمثل تقادم وسوء إدارة العديد من شبكات الطاقة الحالية في أفريقيا حواجز رئيسية أمام التصنيع وخلق فرص العمل، وانقطاع التيار الكهربائي بسبب سوء حالة الشبكات أمر شائع. وهذا النقص في شبكات الطاقة له تأثير سلبي كبير على الاقتصادات، ويُمثل في المتوسط ​​تكلفة تتراوح من 1 إلى 5 ٪ من الناتج المحلي الإجمالي.      

هل الأسوأ لم يأت بعد؟ آفاق التحضر الأخضر في أفريقيا       

يدور تساؤل حول مُستقبل أفريقيا سواء الحضري أو الأخضر، حيث كان للنمو الحضري الأفريقي السريع تأثير كبير على البيئة، وزيادة الضغط على الموارد الطبيعية، فقدان التنوع البيولوجي واستنزاف المساحات الخضراء وتفاقم عواقب تغير المناخ. علاوةً على ذلك، تزايد أنماط استهلاك سكان الحضر من حيث استخدام الوقود الحيوي والنقل والمياه والنفايات الصلبة، يستخدم 62 ٪ من سكان الحضر وقود الكتلة الحيوية للطهي والتدفئة.   

من المتوقع أن يكون هناك 824 مليون من سكان المدن خلال عام 2030، و1.5 مليار خلال عام 2050، مُقابل 548 مليونًا في عام 2018، ويعني ذلك أن معظم المساحات الحضرية الأفريقية لم تظهر بعد، وسيتم بناء مدن جديدة، ومن المتوقع أن يتركز النمو الحضري في المناطق الساحلية مثل نهر النيل في مصر وساحل غرب إفريقيا والشواطئ الشمالية لبحيرة فيكتوريا.        

واتصالاً بالسابق، لكي تكون التنمية الحضرية الخضراء فعّالة، فإنها تتطلب عنصرين؛ الموارد المالية والتخطيط الحضري، فيما يتعلق بالجانب المالي، تفتقر معظم البلدان الأفريقية إلى عائدات من مصادرها الخاصة، والتحويلات من الحكومة غير كافية لتمويل استثمارات رأسمالية كبيرة، ويجب استثمار الحكومات المركزية أكثر في السياسات الحضرية، فضلاً عن تعزيز المساءلة والكفاءة من خلال تحسّين شروط التحويلات وجعلها أكثر شفافية وقابلية للتنبؤ.  علاوةً على ذلك، للتغلب على القيود المالية، سيكون من المفيد تعزيز التعاون مع المانحين الدوليين وتمكّين البلدان من العمل مباشرة مع بنوك التنمية مُتعددة الأطراف للتفاوض بشأن الدعم المالي للمشاريع المُستدامة.        

أما فيما يتعلق بالتخطيط الحضري لإنشاء مدن مرنة ومستدامة، يجب أن تستند الاستثمارات إلى سياسات تخطيط مكاني أولية وسليمة، ويجب تحديد خمسة مجالات رئيسية؛ تدابير التخضير، النقل المستدام، كفاءة الطاقة والهندسة البيئية، إدارة النفايات الصلبة، والنمو الحضري الذكي.

آمال أفريقيا الخضراء غير المُلباة                   

يجب على البلدان الأفريقية تطوير العلاقات الخارجية والتجارية للمُطالبة بحصة في زيادة الاستثمار في ابتكار التكنولوجيا والبنية التحتية الخالية من الكربون، وإلى أي مدى تَعتبر أفريقيا جهة فاعلة في ساحة المُبادرات السياسية العالمية بشأن تغير المناخ والتحوّل الأخضر؟    

  • بانتظار موقف أفريقي مُوحد من التغير المناخي:    

في مارس 2021، دعا الرئيس الكيني “أوهورو كينياتا”، أفريقيا إلى تقديم موقف مُشترك قبل مؤتمر الأمم المتحدة بشأن التغير المناخي COP26، ولكنّ، لم يتم اعتماد هذا الموقف المشترك، ومن المتوقع أن تقدمه المجموعة الأفريقية للمفاوضين (AGN) بشأن تغير المناخ. كما لم يُعقد اجتماع لجنة رؤساء الدول والحكومات الأفريقية المعنية بتغير المناخ (CAHOSCC)، الذي كان من المفترض أن يعقد في مايو 2021، حيث يعمل الاتحاد الأفريقي على استراتيجية مناخ أفريقية جديدة منذ عام 2014، ويخضع مشروع الاستراتيجية حاليًا لعملية تشاورية من قِبل الدول الأعضاء في الاتحاد الأفريقي في ظل تباطؤ العمليات المؤسسية الداخلية.      

ورغم ذاك، من المرجحّ تركيز الدول الأفريقية على التكيف والوصول إلى طاقة نظيفة بما يتماشى مع المطالب الأفريقية السابقة في سياق اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (UNFCCC)، وجدول أعمال الاتحاد الأفريقي لعام 2063، والمساهمات الأفريقية المحددة وطنيًا، وخطة عمل الاتحاد الأفريقي الجديدة للتعافي الأخضر (2020-2026).  كما يُعدُّ سد فجوة تمويل التكيف في أفريقيا قضية مُلحّة للغاية، وخاصة التمويل المناخي الجديد والإضافي، وضرورة حشد 100 مليار دولار سنويًا للعمل المناخي في البلدان النامية، ولا يُمثل تمويل التكيف للبلدان النامية سوى 21 % من إجمالي تمويل المناخ.       

  • يُمثل تمويل التعافي الأخضر تحديًا:            

أحدثت جائحة كوفيد -19 هزة في أفريقيا التي تُعاني القارة من انخفاض بنسبة 2.6 % في النمو الاقتصادي، وخسارة في نمو الناتج المحلي الإجمالي بمقدار 120 مليار دولار، وتزايد المديونية، مما أدى إلى زيادة الشعور بالضيق الاجتماعي والاقتصادي. علاوةً على ذلك، تقع سبعة من أصل عشرة بلدان في العالم الأكثر عرضةً لتغير المناخ في أفريقيا، وفى هذا السياق، سيؤدي تغير المناخ إلى ما يعادل 2 إلى 4 % من الخسائر السنوية في الناتج المحلي الإجمالي في أفريقيا بحلول عام 2040، وتخسر أفريقيا حاليًا ما بين 7 إلى 15 مليار دولار سنويًا بسبب تغير المناخ، وبدون الاستثمار في استراتيجيات التكيف، من المرجحّ أن يرتفع هذا الرقم إلى 50 مليار دولار، أو 3 % من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى القارة سنويًا بحلول عام 2040.   

  • تحتاج دبلوماسية المناخ الأفريقية إلى التعزيز بشكلٍ عاجلٍ:   

تُواجه الدول الأفريقية أعباء الديون المتزايدة الناجمة عن كوفيد-19، والموارد المحدودة للاستثمار في الطاقة النظيفة والبنية التحتية منخفضة الكربون والتكيف مع تغير المناخ، وكيف يمكن تقوية دبلوماسية المناخ الأفريقية قبل مؤتمر COP26 وفي ظروف ما بعد كوفيد -19:    

أولاً، هناك حاجة لأنظمة حوكمة قوية وترتيبات مؤسسية لتطوير السياسات القارية والوطنية، والموقف الأفريقي المُوحد بشأن تغير المناخ واستراتيجية المناخ الأفريقية هما خطوتان في الاتجاه الصحيح. في الوقت نفسه، يُلزم اتباع نهج شامل للحوكمة، حيث لم يعد تغير المناخ قضية بيئية بحتة، ويتطلب تحقيق التحوّل إلى الطاقة الخضراء ومزيد من المرونة في مُواجهة تغير المناخ كإصلاحات في الهيكل المالي العالمي والسياسات التجارية والقواعد التي تحكم التكنولوجيا وحقوق الملكية الفكرية، ويُمكن لمنطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية (AfCFTA) أن تخلق زخمًا جديدًا للبلدان الأفريقية وتوجيه ريادة الأعمال إلى مخطط قاري للنمو الأخضر.

ثانيًا، تُواجه أفريقيا مشكلة هيكلية في التمثيل في المنتديات العالمية، باستثناء دولة جنوب إفريقيا، فلم يتم تمثيل أي دولة أفريقية في مفاوضات مجموعة السبع والعشرين. ومع ذلك، في السنوات الأخيرة، كان هناك تقارب بين أفريقيا وأوروبا بشأن قضايا تغير المناخ.  

ثالثًا، أصبحت أفريقيا منطقة للمنافسة الاستثمارية في التكنولوجيا الخضراء، حيث تجري مُحادثات مُغلقة بين الصين والدول الأفريقية، ومؤخرًا، أبدت اليابان اهتمامًا أيضًا، وهناك زيادة في التعاون الثنائي بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي والدول الأفريقية، وذلك يمكن أن يضع البلدان الأفريقية في موقف تفاوضي مُثير للاهتمام.  

مُعضلة الحصول على الطاقة في أفريقيا     

بينما يُسارع العالم لتجنب كارثة مناخية، يتزايد الزخم نحو تحوّل الطاقة الخضراء، حيث تستثمر البلدان التي اعتمدت على الوقود الأحفوري لأكثر من قرن في نوع جديد من التقنيات النظيفة وإعادة البناء بشكل أكثر خضرةً، وهل تستطيع الدول الأفريقية الاستفادة من هذه الفرصة؟ وكانت هناك حجة مفادها أن الأفارقة – الذين يفتقر الكثير منهم إلى الكهرباء – لا ينبغي أن يدفعوا ثمن الأضرار التي لحقت بالكوكب بسبب العالم الصناعي، وهل لا يزال هذا التفكير مفيدًا مع ظهور التقنيات الجديدة؟ هل يمكن أن يساعد الاستثمار في التعافي الأخضر أفريقيا على البقاء في موقعها الصحيح خلال إعادة تنظيم الطاقة والقوة الجيوسياسية؟ هل يمكن أن تُساعد الطاقة الخضراء أفريقيا على تخطي كل من الطرق التقليدية لتوفير الوصول إلى الطاقة والقفز إلى طليعة الاقتصادات المتقدمة تكنولوجيًا في القرن الحادي والعشرين؟

على الرغم من أن نشاط التصنيع في البلدان الأفريقية في الوقت الحالي منخفض نسبيًا، إلا أن الحكومات حريصة على زيادة حصة التصنيع لتحفيز التنمية الاقتصادية، حيث تركزت الحوافز لجذب استثمارات القطاع الخاص في التصنيع في مجالات مثل التصنيع الزراعي والأسمنت والملابس الجاهزة والمعادن، ولا تستهدف حوافز التصنيع المحلي مجال الإلكترونيات والطاقة الشمسية.

الطاقات المتجددة والتنمية في أفريقيا… الحدود والتحديات     

تتمتع أفريقيا بمصادر طاقة مُتجددة وفيرة؛ إذ، تمتلك القارة أغنى موارد الطاقة الشمسية في العالم بسبب ارتفاع نسبة الإشعاع فيها، وإمكانات الرياح خاصةً في شمال وشرق أفريقيا، والطاقة الكهرومائية، التي تُشكّل حاليًا اثنين من مصادرها الرئيسية المتجددة نظرًا لأحواض الأنهار الرئيسية.     

يُمكن لمصادر الطاقة المتجددة أن تُساعد أفريقيا على توفير خدمات حديثة لشعبها في كلٍ من المناطق الحضرية والريفية، مع إطلاق العنان للتنمية الاجتماعية والاقتصادية بطريقة مُستدامة في ظل إمكانيات أفريقيا للتخطيط لبناء شبكات جديدة والتعامل مع حصص عالية من توليد الطاقة المتجددة مُقارنةً بالدول المتقدم. علاوةً على ذلك، تُساهم في تزويد المناطق الريفية والنائية في أفريقيا بالكهرباء، حيث يعيش حوالي 60% من سكان أفريقيا، وإمكانية تطوير حلول لإمدادات الطاقة لسكان الريف والأنشطة الاقتصادية على حدٍ سواء.   

ومع ذلك، لا تزال إمكانات الطاقة المتجددة في أفريقيا غير مُستغلة بسبب التحديات والحواجز المتعددة، حيث قامت الدول الأفريقية بتركيب 5 جيجاوات فقط من الطاقة الشمسية الكهروضوئية، وهو ما يُمثل أقل من 1 ٪ من إجمالي الألواح الشمسية الكهروضوئية في العالم، على الرغم من الإمكانات الشمسية الواسعة للقارة. كما شهدت مصادر الطاقة المتجددة تطورات بطيئة مماثلة، وعدم كفاية البنية التحتية والشبكات، والأوضاع المالية غير المستقرة، ومحدودية الوصول إلى التمويل الخاص والأجنبي ليست سوى بعض الحواجز الرئيسية التي تعوق الاستغلال الكامل للطاقة المتجددة في أفريقيا.     

على هذا الاتجاه، فإن تمويل مشاريع الطاقة المتجددة أولوية أساسية وتحدٍ كبير، حيث تحتاج أفريقيا إلى خلق بيئة أكثر ملاءمة لجذب الاستثمارات الخاصة والأجنبية لتسخير إمكانات الطاقة المتجددة بشكل كامل وتوفير خدمات الطاقة الحديثة لشعوبها في ظل مجموعة من المخاطر السياسية والمتعلقة بالحوكمة مثل الفساد والاضطرابات الاجتماعية، والمخاطر التجارية مثل قدرة المستهلكين على دفع فواتيرهم وقدرة المستثمرين من القطاع الخاص والأجانب.

السياسات والتوقعات المناخية للدول الأفريقية في مؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي لعام 2021 (COP26)  

تُعيد البلدان الأفريقية النظر في نُهج تحوّلي بعيدًا عن مسارات العمل المعتمدة على الوقود الأحفوري نحو الإجراءات الإيجابية للتغير المناخي من خلال الاستثمار في الوظائف والأعمال المُستدامة، وإنهاء عمليات الإنقاذ للصناعات الملوثة ودعم الوقود الأحفوري، ودمج مخاطر تغير المناخ في جميع القرارات المالية والسياسية.

  • مُواءمة سياسات المناخ في أفريقيا مع النمو الأخضر:    

يجب أن تتوافق خطط التعافي الأخضر مع المساهمات المحددة وطنيًا للبلدان (NDCs) وتطوير وتعزيز استراتيجيات جديدة طويلة الأجل بموجب اتفاقية باري، وتحتاج هذه المساهمات باستمرار إلى المراجعة، وأن تعكس التحسينات في التكنولوجيا والعلوم والبيانات، وإظهار القيادة من خلال زيادة التزامات التخفيف والتكيف، وتحسّين الملكية من خلال إشراك مجموعة أوسع من أصحاب المصلحة حول التزامات المناخ.

في أفريقيا، اختلفت البلدان في التزاماتها والمسارات لتحقيق خفض انبعاثات الكربون، ولكنّ العديد من البلدان في طور مُراجعة المساهمات المحددة وطنيًا، حيث أظهرت جنوب أفريقيا ريادتها من خلال المساهمات المحددة وطنيًا التي تمت مُراجعتها حتى عام 2030، بالإضافة إلى استراتيجية التنمية منخفضة الانبعاثات لعام 2050، وقدمت أيضًا استراتيجية تكيف وطنية ومسودة جديدة لقانون تغير المناخ وأنشأت أنظمة حوكمة للتعامل النمو الأخضر من خلال لجنة تغير المناخ الرئاسية المشتركة بين الوزارات.   

  • التوقعات الأفريقية في COP26:     

توجد مؤشرات إيجابية وزخم كبير مع اقتراب مؤتمر COP26 في نوفمبر 2021، حيث زادت التطورات العالمية الإيجابية من إمكانية اتخاذ إجراءات جذرية بشأن تغير المناخ؛ إدارة أمريكية جديدة، ودور قيادي أكثر نشاطًا من جانب الصين، والزخم عبر قطاع الأعمال والاستثمار، والفرص المُتعلقة بالتعافي الأخضر وإدخال تدابير تحفيز خضراء جديدة.   

بالنسبة لأفريقيا، تدور التساؤلات بشأن العدالة المناخية مع التركيز على الفئات الضعيفة، ومسألة تمويل المناخ- وهو تحدٍ رئيسي يعيق العمل المناخي في أفريقيا، في عام 2020، التزمت البلدان المتقدمة بتقديم 100 مليار دولار سنويًا لتمويل المناخ للبلدان المعرضة للخطر، ومن المرجحّ أن يحدد COP26 أهدافًا جديدة طويلة الأجل لتمويل المناخ بعد عام 2020، والحاجة إلى قدر كبير من التمويل المتعلق بالمناخ لدعم تنفيذ المساهمات المحددة وطنيًا ومسارات الانبعاثات الصفرية.       

بالإضافة إلى ذلك، الحاجة المُلحّة لحماية الطبيعة والنظم البيئية لزيادة فوائد التخفيف والتكيف، فضلاً عن حماية سُبل العيش، ويأمل من مؤتمر COP26 دمج الحلول القائمة على الطبيعة في استراتيجية التنفيذ في باريس، والتقدم المحرز في اتفاقية الأمم المتحدة بشأن التنوع البيولوجي، المقرر عقدها في أكتوبر 2021 في الصين، وهناك ضرورة لمواءمة أهداف المناخ والتنوع البيولوجي لهاتين العمليتين المتعددة الأطراف، وزيادة دمج تغير المناخ في إطار التنوع البيولوجي العالمي لما بعد عام 2020.        

كما يتصدر إدراج الشباب في قمة جدول أعمال COP26 الأفريقي، حيث يبلغ معدل الشباب في أفريقيا 60 ٪ تقريبًا دون سن 25. في سبتمبر 2021، سيلتقي 400 شاب من جميع أنحاء العالم في إيطاليا لحضور مناقشة عناصر عملية التفاوض بشأن المناخ، وهذا الاجتماع جزءًا من عملية أكبر بدأت في سبتمبر 2019 في قمة المناخ للشباب التابعة للأمم المتحدة بنيويورك، ويضم هذا التحالف من الشباب # Resilient40، وهي شبكة مناخية تتكون من حوالي 70 من القادة الشباب من 29 دولة أفريقية.       

كيف يمكن أن تؤثر الصفقة الخضراء للاتحاد الأوروبي على العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وأفريقيا؟   

تَتميز الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وأفريقيا بدرجة عالية من التكامل في مجال التحوّل الأخضر مثل التعاون في مجال الطاقة المُتجددة، حيث تحتاج أفريقيا إلى دعم الاتحاد الأوروبي من خلال المساعدة التقنية والمالية لإطلاق إمكاناتها في مجال الطاقة المتجددة ومُعالجة افتقارها في الوصول إلى الطاقة.  

  • الصفقة الخضراء للاتحاد الأوروبي:     

تُعدُّ الصفقة الخضراء للاتحاد الأوروبي واحدةً من الأولويات الشاملة للمفوضية الأوروبية وهي مخطط لاستراتيجية الاتحاد الأوروبي الاقتصادية والتعافي بعد جائحة كوفيد- 19، وهدفها النهائي مُعالجة تغير المناخ وتحقيق الحياد المناخي، وسيعتمد نجاح الصفقة على قدرة بروكسل على دفع الشركاء لتبني رؤيتها ومعاييرها.    

 في هذا الصدد، يسعى الاتحاد الأوروبي إلى أن يصبح رائدًا في وضع جدول الأعمال في سياسة المناخ الدولية، وأكدت استنتاجات المجلس الأوروبي حول دبلوماسية المناخ والطاقة، تحقيق البعد الخارجي للصفقة في يناير 2021، من خلال تعزيز قطاع التحوّل في مجال الطاقة، وزيادة حشد التمويل الدولي للمناخ، وتثبيط الاستثمارات في قطاعات الوقود الأحفوري في البلدان منخفضة الدخل، ومُواءمة السياسة التجارية مع الالتزام بآليات تعديل حدود الكربون، وتعزيز التكيف مع تغير المناخ.  

  • تأثير الاتفاقية الخضراء على أفريقيا:      

في أبريل 2021، أكدّت رئيسة المفوضية الأوروبية “أورسولا فون در لاين”، أن “التحوّل الأخضر ليس مجرد ضرورة مُحاربة التغيرات المناخية، بل هو أكبر فرصة اقتصادية في عصرنا ويمكن أن يكون محرك تقدمنا في أوروبا وأفريقيا معًا”. وكما هو محدد في أجندة 2063 للاتحاد الأفريقي؛ “أفريقيا التي نريدها”، فإن التحوّل الأخضر يقع في صميم النقاش السياسي في أفريقيا، ويتصدر النمو الاقتصادي والوظائف أيضًا جدول أعمال معظم البلدان الأفريقية.  

ويَعتبر التحوّل نحو الطاقة المُتجددة تأثير مُركب؛ زيادة الوصول إلى الطاقة عبر القارة، وتُشكّل تحديات مثل انتشار البطالة بسبب فقدان الوظائف والأصول التي تعتمد حاليًا على الوقود الأحفوري والفحم، وسيكون الانتقال من العلاقات التجارية للوقود الأحفوري إلى العلاقات التجارية للطاقة الخضراء بين الاتحاد الأوروبي والبلدان الأفريقية أمرًا بالغ الأهمية للوصول إلى الالتزامات التي تم التعهد بها بموجب اتفاقية باريس.

يدور جانب آخر من تنفيذ الصفقة حول التجارة من خلال اعتماد آلية تعديل حدود الكربون لتقليل مخاطر تسرب الكربون، وفي عام 2020، كان الاتحاد الأوروبي أكبر شريك تجاري لأفريقيا، حيث تهيمن السلع الأولية؛ الطاقة والمواد الخام بشكل أساسي والسلع المصنعة بنسبة 28٪ من الصادرات والواردات، وسيؤثر اعتماد الآلية على سلسلة القيمة الكاملة لتلك البلدان التي تصدر سلعًا صناعية عالية الكثافة إلى الاتحاد الأوروبي، ويهدف الاتحاد الأوروبي إلى توفير المواد الخام اللازمة للتقنيات النظيفة والتطبيقات الرقمية والفضائية والدفاعية، وسيزداد الطلب على هذه المواد، مما يُخلق فرصًا تجارية جديدة.  

وأخيرًا، في حين مثَّل التعافي بعد جائحة كوفيد-19 فرصةً للعديد من حكومات البلدان المتقدمة للتطلع إلى الأمام وبناء مُستقبل منخفض الكربون ومُقاوم لتغير المناخ، فإن العديد من البلدان الأفريقية تُخاطر بالتخلف في هذا السباق الجيوسياسي- والاقتصادي نحو مُستقبل مُستدام. لذلك، يجب أن تُمنح البلدان الأفريقية الشروط اللازمة لوضع نفسها على نفس طريق التنمية مُنخفضة الكربون.   

Scroll Up