قال الدكتور خالد عكاشة المدير العام للمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية في لقاء تلفزيوني مع برنامج “الحياة اليوم” الذي يبث عبر فضائية “الحياة”، أنه لا شك في أن إثيوبيا لديها درجة من الإصرار والتصلب الشديد بدأته منذ جولات التفاوض تحت مظلات عديدة، الأولى كانت مظلة ثلاثية منفردة مصرية سودانية إثيوبية، ثم  كانت تحت مظلة الاتحاد الأفريقي، ثم التوجه المصري السوداني إلى مجلس الأمن العام الماضي لكشف التعقيد والتصلب والمرواغة الإثيوبي الذي يقوم على اعتماد تكتيك الدخول للمفاوضات وتعمد إفشالها وتضييع الوقت واستهلاكه لسد كافة الطرق أمام التوصل لحل سياسي بعيدًا عن الحلول الفنية، وأن مصر والسودان يتعاملون برشد كبير للغاية لأننا أمام أكبر منشأة موجودة على روافد نهر النيل وتولي الملف حجمه ووقته الحقيقيين وانخراط الوزارات والمؤسسات المختلفة في كلتا الدولتين، وأن الفريق التفاوضي المصري فريق كبير جزء منه فني على أعلى مستوى والجهد الدبلوماسي يعمل بحرفية ونفس طويل. 

وأضاف أن الجانب الإثيوبي يحاول تفريغ كل هذه الجهود من مضمونها، وكانت المحطة الأخيرة قيام مجلس الأمن بإعادة الكرة للاتحاد الأفريقي رغم التحفظات على الاتحاد الأفريقي وأدائه في جولات التفاوض، وكانت مصر منفتحة وأنتجت أفكار جديدة بحضور ممثلين من المجتمع الدولي والولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، أن ومصر والسودان أظهرتا المرونة والجدية والأفكار الجديدة، ولكن للأسف فشلت الجولات الأخيرة، وفي المحطة الحالية التي بدأت بعرض وجهات النظر المصرية وتعقيدات القضية وجولات التفاوض والإشكاليات الموجودة ومهددات الأمن والسلم الحقيقية بأدلتها، تقوم إثيوبيا كالعادة وتسمم بقرارها الصادر البيئة الدبلوماسية التفاوضية حتى تستبق جلسة يوم الخميس بخلق وضع جديد، رغم تأكيد الخبراء المتابعين لهذا الملف بشكل لصيق على أن هذا إعلان مزيف ومسألة البدء في الملء الثاني نوع من أنواع التشويش المتعمد، وهذا الموقف يؤكد ضعف الموقف الإثيوبي وعدم وجود مساحة للتحرك أمامه خاصة في ضوء الجهود الدبلوماسية التي قامت بها وزارتي الخارجية المصرية والسودانية، واستطاعتا خلال الـ 6 أشهر الماضية تحقيق نقلة متقدمة في التعاطي الدولي مع مجمل هذه القضية. 

وأشار إلى أن النظام الإثيوبي يكاد يكون على شفا المحاكمة والملاحقة الدولية بسبب ما يحدث في إقليم تيجراي، لارتكاب النظام الإثيوبي قدر عالي جدًا من الانتهاكات، وعلى الرغم من ضرب حصار إعلامي ومعلوماتي لما يحدث في الإقليم ومنع دخول المنظمات والوسائل الإعلامية لتصوير ما يحدث من مذابح وانتهاكات تجري منذ نوفمبر الماضي، بدأت جبهة تحرير تيجراي الحاكمة لإقليم وفق القوانين الفيدرالية التي تحكم دولة إثيوبيا، في عرض صور بعد أن حاول النظام الإثيوبي أن يخرج أمام العالم ليعلن وقف إطلاق النار، وأنه مستعد للتفاوض والخروج من إقليم تيجراي طواعية، وهذا يعد تزييف للحقائق التي يمارسها النظام الإثيوبي على المجتمع الدولي، وجاءت الصور التي عرضتها التيجراي بمثابة صفعة مدوية وقامت بإحضار جميع الأسرى ونظمت مسيرة ضخمة في شوارع العاصمة ميكلي وأرسلت الصور ومقاطع الفيديو لوسائل الإعلام العالمية وكان هذا بمثابة الفضيحة للنظام الإثيوبي وأن الحقيقة أن الأمر هزيمة عسكرية متكاملة وليس انسحاب طوعي كما كان يدعي.

ونوه إلى أن المجتمع الدولي كان حاضرًا في الضغط على النظام الإثيوبي بالخروج على الفور من إقليم تيجراي، خاصة وأن الانتخابات التي عقدت مؤخرًا والتي لم تعلن نتائجها حتى الآن وهناك تشكيك في شرعيتها لم يستطع النظام الإثيوبي أن يجريها في40% من مساحة إثيوبيا، لذا فإن الانتخابات هشة للغاية، ويكاد يكون إقليم الصومال أعلن انفصاله من جانب واحد.  

وأكد “عكاشة” أن هناك أزمة عميقة ربما تتجاوز الحديث عن سد النهضة، النظام الإثيوبي يحاول ممارسة التصعيد في ملف سد النهضة كأحد أشكال الهروب للأمام ولديه مأزق داخلي أعمق كثيرًا مما كان يتصور، والبروباجندا الإعلامية الإثيوبية ومحاولة تصدير قضية سد النهضة باعتبارها الحديث الإثيوبي الوحيد، هي إخفاء للحقائق التي تحدث في الداخل وصراع طاحن بين القوميات وبعضها البعض، خاصة وأن كل قومية منفصلة إقليم منفصل وهو من الأمور المخفية عن وسائل الإعلام التي تتحدث عن إثيوبيا وكأنها دولة متماسكة متجانسة متوافقة على المستوى الشعبي وهذا أمر غير صحيح. 

وأوضح أن السد ليس هدف قومي بالصورة التي كان يظنها العالم لفترة، وأن هناك البعض في إثيوبيا يطلق عليه “سد أمهرة” وأنه سيولد الكهرباء للأمهرة لأنهم حلفاء آبي أحمد وأنهم من وراء سد النهضة، وأضاف أن إقليم تيجراي قام بهدم سد تيكيزي وأفسد وحطم الكثير من المنشآت الموجودة نكاية في أديس أبابا، لذا عند متابعة الملف الإثيوبي من الداخل نتذكر تصريح الرئيس السيسي عندما تحدث عن تهديد حقيقي للأمن والسلم في المنطقة ولم يتحدث عن أمر السد وحده، لأن الرئيس كان مستشعرًا أن منطقة القرن الأفريقي تتعرض لإشكاليات عميقة للغاية، فضلًا عن التدخل الأريتري من خلال الجيش الأريتري الذي كان يمارس انتهاكات لصالح نظام آبي أحمد وهو من المكونات العسكرية التي انسحبت بعد الضغط الدولي لوقف المذابح والانتهاكات، وهذا ملمح سريع وبسيط للداخل الإثيوبي المضطرب الذي كان يحاول تصدير قضية السد للإعلام الإقليمي والدولي، ويخفي وراء الستار عن أننا أمام دولة بها جرائم كبيرة في حقوق الانسان وجرائم مسلحة وما يشبه حرب أهلية حقيقية منذ نوفمبر وحتى الآن، وفيها هزائم وتفكك وتشظي لمجوعة من العرقيات التي يراهن آبي أحمد على البعض منها ضد البعض الآخر. 

ولفت أن المؤسسات المصرية تتحرك وسط خطة استراتيجية لإدارة هذه الأزمة الممتدة المعقدة التي تتضمن جانب سياسي وفني وقانوني وأمني وكثير من الجوانب التي تحتاج إلى العمل على مسارات متوازية، وقضية السد كانت قضية ثانوية بالنسبة للمجتمع الدولي خلال العام الماضي وهو الأمر الذي تغير جذريًا خلال الفترة الأخيرة نتيجة الجهود الدبلوماسية المصرية السودانية، وشهدت الأيام القليلة الماضية ماراثون من المباحثات مع الأطراف المعنية لتغيير مواقفهم ووجهات نظرهم لمناصرة الحق وإحاطتهم بإشكاليات القضية.

وأكد أن الاستراتيجية المصرية السودانية اختلفت في التعامل على المستوى الدولي بعد الأضرار التي لحقت بالسودان عقب الملء الأول الجزئي والإضرار بقرابة مليون سوداني، وهناك أطراف دولية متعددة أبدت تفهمها لموقف مصر ورغبتها في التوصل لاتفاقية قانونية ملزمة لكافة الأطراف بشأن ملء وتشغيل السد وتبادل البيانات بشفافية وهو ما تتهرب منه إثيوبيا، مؤكدًا أن الأمر ليس مشروع مائي أو كهربائي وإنما هو شكل من أشكال تعامل الدول المارقة التي تقوم بإيذاء الآخرين في الخفاء، وشدد على أن مصر والسودان وضعتا المجتمع الدولي أمام مسؤولياته وسيكشفون تفاصيل المفاوضات، وأن مصر دولة كبيرة للغاية وقضيتها عادلة ولن تسمح بأي شكل من أشكال التفريط في الحقوق المصرية أو التسبب في الإضرار بالشعب المصري أو المنظومة المائية. 

وأوضح مدير المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، أن الهدف من المناورات الإثيوبية والمراوغات التي قامت بها أمام الاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية وشركائها من الدول التي تقوم شركاتها بالبناء في السد، هو اختزال الموقف والحديث عن جزئيات وتجاهل الجسم الأصلي للقضية، وأن هناك إدراكًا لسخونة الرأي العام في مصر الذي يرغب في اتخاذ خطوات أكثر، ولكن الدبلوماسية المصرية تهدف لتصحيح ما تقوم به المناورات الإثيوبية وتفككه حتى لا تكون تلك المناورات هي الصورة الموجودة لدى المجتمع الدولي، لأنه في حال اتخاذ مصر أي خطوات عكس الصورة التي لدى المجتمع الدولي ستكون القاهرة في المنطقة الخاسرة، واكد أن مصر تستخدم العمل الدبلوماسي والشراكات الدولية لتصحيح الصورة، وأن الجهود الدبلوماسية المصرية السودانية التي وضعت وفق استراتيجية لتنسيق التحركات نجحتا خلال الـ6 أشهر الأخيرة في تغيير المشهد بشكل كبير وهو ما انعكس على موقف الاتحاد الأفريقي الذي تراجع قليلاً عن ذي قبل بالإضافة إلى موقف المجتمع الدولي، وأن هناك قدر من التفاؤل حول انقلاب كل فصول التعنت الإثيوبي من عام 2014 على أديس أبابا.

وأضاف أن الولايات المتحدة بدأت في التقاط الإشارات المصرية وأبدت تفهمًا للموقف المصري وفحص مبرراته وأسانيده ورفض التحركات الأحادية، ويمكن قياس ذلك بالمقارنة بجولة المفاوضات في واشنطن في فبراير عام 2020، عندما أفشلها الجانب الإثيوبي لم يخرج أي تصريح ضد أديس أبابا وكان التصريح الأمريكي حينها سلبيًا عندما أبدى تفهمه لرفض إثيوبيا استكمال المفاوضات بسبب الانتخابات التي أجريت منذ أيام قليلة ولم تستكمل حتى الآن، ولم تعلن واشنطن من أفشل المفاوضات بشكل واضح رغم أن المباحثات عقدت في العاصمة واشنطن وبجهود أمريكية وبحضور وزارة الخزانة والبنك الدولي الذي كان منخرطًا في المفاوضات، وتم حل قرابة 90% من المشكلات أو تم وضع الأطر لها، ووجدت مصر حينها أنها أمام نموذج مثالي لدولة مارقة وصمت دولي في حينه أضر بمصر، وتقوم مصر حاليًا باستثمار كافة مستويات علاقتها لخدمة الموقف المصري في قضية السد وتضييق المساحات أمام الجانب الإثيوبي وحلفائه وهو ما انعكس على استحواذ قضية السد أهتمام المجتمع الدولي، مؤكدًا أن قضية السد قضية ثقيلة ومتعددة ومعطياتها كثيرة. 

وطالب مدير المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية الرأي العام المصري والسوداني بقدر من الهدوء، مؤكدًا أن القائمين على الأمر يعملون على مدار 24 ساعة وفي مناطق وأماكن لا يتصورها الرأي العام ويستخدمون كافة الأدوات الممكنة والغير ممكنة، ويتحقق تقدمًا لأن القضية كبيرة للغاية والتحركات بها تكون محسوبة بدقة شديدة للغاية، وأضاف أن تصريح رئيس مجلس الأمن منذ أيام حول عدم وجود الخبرة الكافية للمجلس للدخول في قضية سد النهضة آثار غضب الرأي العام في كلا البلدين، وكان سببًا رئيسيًا للقاء وزير الخارجية سامح شكري معه لإقناعه بحقيقة الأمر وتمهيد إيجابي للأرض أمام جلسة يوم الخميس.

وشدد” عكاشة” في ختام حديثه على أن مصر ومؤسساتها لم تستلم طوال الوقت، ولديها مؤسسات وشراكات استراتيجية كبيرة للغاية، فضلاً عن مكانة مصر التي ينظر لها كأحد مرتكزات التوازن الإقليمي والدولي، وأن الدولة المصرية تجيد صون حقوقها والحفاظ عليها ولذلك تكون خطواتها محسوبة بدقة، وهو ما يكون في ذهنية صانع القرار والمؤسسات التي ترسم خطط تكيكية لكل مرحلة التي يكون لها حديث وخطة ومستهدفات وأن مصر تحقق تقدمًا جيدًا على الرغم من كبر حجم القضية وما تشكله من ضغط.