تتزايد كميات النفايات في مصر مع تزايد النمو السكاني والأنشطة الاقتصادية. وعلى الرغم من أن هذه النفايات بداخلها كنز مدفون يدر ويفتح الطريق أمام العديد من المشروعات كـ (انتاج الأسمدة، انتاج الطاقة، مشروعات إعادة التدوير… وغيرها)، إلا أن عملية التخلص من النفايات تدار بشكل عشوائي في كثير من الأحيان، وينتهي المطاف بمعظم النفايات في مقالب عشوائية من قبل المواطن، ثم حرقها أو جمعها في مدافن بعضها صحي والغالبية الأخرى غير صحية، وتفوت الفرصة على عملية إدارة النفايات واستغلالها الاستغلال الأمثل.

لكن لنكن منصفين فمشكلة القمامة شهدت تطورًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة فقبل 9 سنوات من الآن، خاصة بعد انتهاء تعاقدات الشركات الأجنبية التي كانت تدير المنظومة، كانت أكوام القمامة تناطح السحاب وتنتشر بكل ربوع البلاد، فالمخلفات تسد الشوارع المدن، وتعطل السيولة المرورية، والأمراض تهاجم الأطفال، دون تفرقة بين الأحياء الريفية أو الحضرية أو بشوارع العاصمة أو حتى بالميادين العامة. فكل الأراضي الفضاء وجوار أسوار الهيئات الحكومية والصحية والتعليمية، والمدارس كانت مرتع لإلقاء القمامة من قِبل السكان، خاصة بعد انتهاء تعاقد الشركات الأجنبية التي كانت تتولى إدارة المخلفات بمصر لسنوات، وعدم وجود بديل، دفع السكان إلى التخلص من القمامة بأنفسهم بأقرب مكان فضاء، أو بالشارع فقط يبعد عن محيط تواجدهم، بهدف التخلص من المنظر والرائحة المزعجين، وساهم في ذلك حينها عدم وجود صناديق قمامة كافية وذات توزيع عادل، وغياب دور المحليات، لجوء عدد كبير من عمال النظافة لاحتراف التسول نظرًا لتدني رواتبهم.

فقديما كانت تعتمد مصر عمال النظافة التقليديين (الزبالين) وهم الذي يقومون بجمع القمامة من الوحدات السكنية وبعض المنشآت التجارية نظير مبلغ مالي زهيد وينقلونها الى مجتمعاتهم (قرى الزبالين) لفرزها. وكان يتم تقسيم المخلفات العضوية كطعام للخنازير، والباقي يتم بيعه الى مصانع السماد، أما المخلفات الصلبة فكان يتم بيعها للمصانع أو إعادة تدويرها في مصانع صغيرة.

ثم في بداية الالفية الجديدة عهدت الحكومة بمسئولية جمع القمامة والتخلص منها لعدد من الشركات الأجنبية والتي ينص الاتفاق معها على جمع القمامة والاهتمام بنظافة الشوارع والقيام بالدفن الصحي للقمامة في المقالب على مدار الأسبوع، فيما لم تنص على ضرورة إعادة التدوير مما يعكس خللا في منظومة إدارة القمامة. لكن فشلت هذه المنظومة أيضًا لأن غالبية الشركات الخاصة لم تقم بإدماج جامعي القمامة في المنظومة الجديدة، مما أدى الى قيام عدد كبير منهم بمحاربة المشروع بشكل غير مباشر.

لكن على الرغم من هذا التطور مازالت أزمة الاستفادة من هذا الكنز تحتاج إلى إدارة جيدة خاصة مع تزايد عدد السكان وتزايد المخلفات المنتجة، وبالتالي تحويل عبء تكاثر وتناثر القمامة إلى مورد دخل قومي، على غرار عدد من الدول الكبرى كالصين وسويسرا التي تستورد المخلفات وتعيد تدويرها وتحويلها إلى طاقة، وسماد، ومنتجات صناعية جديدة …. وغيرها وفقًا لنوع المخلفات وجودتها، فنسبة إجمالي المخلفات التي يمكن استخدامها في إعادة التدوير لا تتجاوز 20% فقط، بسبب عدم وجود أنظمة كافية لترتيب جمع المخلفات ونقلها، كما أن 0.5% فقط من هذه النسبة تكون عالية القيمة. فلم يعد ينظر إلى النفايات بالنظرة التقليدية كمادة عديمة الجدوى.

أطنان من الكنوز المفقودة

تتنوع المخلفات الصلبة بمصر_ وفقًا لأخر بيانات منشورة بالجهاز المركزي للتعبئة العامة والاحصاء 2017- بين مخلفات زراعية، وهي النسبة الأكبر بين مجموع المخلفات الصلبة بنسبة 35%، يليها مخلفات الترع والمصارف بنسبة 28%، وتأتي في المرتبة الثالثة المخلفات البلدية (وهي المواد الصلبة أو شبه الصلبة التي تتخلف عن الأنشطة الإنسانية اليومية العادية ويتم التخلص منها عند مصدر تولدها كنفايات ليست ذات قيمة تستحق الاحتفاظ بها، وإن كان من الممكن أن يكون لها قيمة في موقع آخر أو ظروف أخرى بما يوفر الأوضاع المواتية لعمليات إعادة الاستخدام أو التدوير) أو بكلمات أخرى هي المخلفات المنزلية اليومية، وتمثل 23.2% من حجم المخلفات الصلبة الناتجة، يليها كلا من المخلفات الصناعية والهدم والبناء، والحمأة، بنسبة إجمالية تقدر بـ 13.8%.

وفقًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والاحصاء عن عام 2019 فيتولد في مصر حوالي 36.6 ألف طن قمامة يوميًا، وتعتبر محافظة الدقهلية يليها القاهرة المحافظات الأكثر تخلصًا من النفايات.

يقوم مجلس المدينة أو الحي بالتخلص من النسبة الأكبر منها والتي تصل إلى حوالي 70%، يليها التخلص من خلال الجمع السكني بنسبة 18%، وفي المرتبة الأخيرة من خلال شركات جمع القمامة بنسبة 12%.

كيفية إدارة النفايات الصلبة

تختلف أساليب التخلص وإدارة النفايات وتقسيماتها إلى عدة طرق لكنها جميعًا تتمحور حول تصنيف أساسي ويتوقف تنفيذها وفقًا لمدى توافر ثقافة الاستفادة من المخلفات بالدولة ومدى توافر التكنولوجيا اللازمة لذلك، وتتدرج الأساليب وفقًا للأفضلية كالتالي:

  • التخلص: وهي أدنى الدرجات تفضيلا، بأن يتم التخلص من النفايات عن طريق الطمر، أو الحرق المفتوح (الترميد) لتقليل حجم النفايات، أو الدفن في مقالب مفتوحة أو مغلقة، وقد يتم داخل هذه المدافن بعض عمليات إدارة المخلفات كالفرز والمعالجة بعض المخلفات القِّيمة.
  • الحرق: هي طريقة مثيرة للجدل للتخلص من النفايات، وذلك بسبب قضايا مثل انبعاث الملوثات الغازية، واتساع ثقب الأوزون، والاحتباس الحراري، وغالبًا ما تستخدم هذه الطريقة بالمناطق الصناعية لتحويل النفايات إلى طاقة من خلال الحرق، وتسهم هذه الطريقة في تقليل حجم النفايات الصلبة بنسبة 80 إلى 95%. وتستخدم هذه الطريقة بغالبية الدول حتى المتقدمة منها، فقد كانت عملية تحويل النفايات إلى الطاقة WtE هدف لعدد من الدول الكبرى حتى وقت ليس ببعيد.
  • إعادة التدوير: بأن يتم جمع وإعادة استخدام النفايات بعد معالجتها بطرق خاصة، ومن أكثر المواد التي يعاد استخدامها عبوات المواد الغذائية الألومنيوم، وكافة المواد المعدنية والاسلاك أو المواد البلاستيكية، والورقية. وتتم عملية الفرز وفقًا لثقافة كل دولة ففي بعض تتم عملية الفرز والفصل من المنبع، وبعضها يتم في المدافن أو في محطات وسيطة قبل توجيهها لمصانع التدوير كلاً وفقًا لنوعه.
  • إعادة الاستخدام والتقليل: وهي إحدى الطرق الهامة لإدارة النفايات بإعادة استخدام المنتج بشكل أخر لتجنب وتقليل رميها من الأساس، وقد يحتاج هذا الأمر إلى اللجوء لعملية التنظيف أو الإصلاح، كإعادة استخدام زجاجات المياه القابلة لإعادة الاستخدام مرة أخرى، او إصلاح الأجهزة المنزلية التي تعرضت للتلف بدلا من رميها.
  • تجنب: من خلال تشجيع المنتجين والمستهلكين على تجنب تصنيع واستخدام المنتجات التي يمكن التخلص منها (مثل استخدام الاكياس القطن بدلاً من أكياس التسوق البلاستيكية).

كافة مراحل إدارة النفايات تتم بمصر بشكل أو بأخر سواء بطريقة عشوائية غير مخططة، وفردية أو من خلال تخطيط محكم، على نطاق جمعي.

وبلغت النسبة الاجمالية للمخلفات التي تم إعادة تدويرها ببعض المحافظات 57.5% خلال عام 2017، بينما أظهرت النتائج التفصيلية على مستوى المحافظات أن نسبة ما تم إعادة تدويره كانت كالاتي: 97.9% بمحافظة الغربية، 97.5% بمحافظة البحيرة، 92.3%بمحافظة كفر الشيخ، 72.2% بمحافظة القليوبية، 0.5% بمحافظة الدقهلية.

وتشير النتائج السابقة إلى أن هناك 42.5% من المخلفات الصلبة يتم إهدارها، وعلى الرغم من أن الدقهلية هي المحافظة الأعلى في التخلص من المخلفات إلا أنه لا يتم تدوير سوى 0.5% من إجمالي المخلفات وهو ما يشير إلى حجم الفرص المهدرة من عدم تدوير هذا الكم الهائل من المخلفات ببعض المحافظات.

المخلفات سلاح ذو حدين

وفي حقيقة الأمر مشكلة تراكم المخلفات تتجاوز أزمة الروائح المزعجة والمنظر السيء، بل تتسع إلى الاثار البيئية الناتجة عنها، والتي يمكن سرد بعضها في تسرب عصارة المخلفات بطبقات التربة المختلفة والتي قد تؤثر على صحة المنتجات الزراعية الناتجة بهذه التربة، أو مرض الحيوانات الاليفة التي تتغذى على تلك المخلفات، هذا فضلا عن زيادة انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون الناتج عن عملية حرق النفايات كوسيلة عشوائية للتخلص من النفايات المتراكمة، أو من خلال انبعاثات غاز الميثان والأمونيا وثاني أكسيد الكبريت المنبعثة من النفايات مباشــرة، الأمر الذي يسهــم بتعمق ظاهرة الاحتباس الحراري.

هذا فضلا عن مساهمتها في انتشار عدد من الأمراض الخطيرة مثل السرطان والفشل الكبدي والكلوي وأمراض الجهاز التنفسي وفقر الدم، هذا إلى جانب التغير السلوكي للأطفال نتيجة اعتياد رؤية القبح والتلوث في كل مكان.

وعلى الرغم من جل هذه المشاكل البيئية والصحية، إلا أنه يمكن أن تتحول أطنان النفايات إلى كنوز يمكن الاستفادة منها، فأصبحت النفايات حالياً ثالث مصدر من مصادر الطاقة المتجددة نمواً عبر العالم بعد طاقتي الشمس والرياح، فاستخدام النفايات كمصدر للطاقة هو أمر قديم فسبق وأن استخدم اجدادنا نفايات الحيوانات والمخلفات الزراعية في التدفئة والطهي، كما تعد الهند من أوائل الدول التي انتجت غازات حيوية تستخدم في الطهي والتدفئة من مخلفات الأبقار من خلال العزل اللاهوائي والتخمير، لكن كانت تتم هذه العملية بطرق بدائية غير آمنة مسببة عدد من حوادث الانفجار والاختناق.

وغالبًا ما تعتمد الدول الكبرى والصناعية طريقة حرق القمامة كمصدر للحرارة وتوليد الطاقة، خاصة مع عدم توافر المساحات الكافية للردم، أمَّا الرماد الناتج فيُستخدم في التشييد والبناء.

مشكلة معقدة

لكن لنكن منصفين فعملية تدوير المخلفات الصلبة عمومًا والقمامة المنزلية على وجه الخصوص ليست بالسهولة التي تجعلنا نلقي باللوم الكامل على الحكومة في عدم حل المشكلة حتى الآن.

ففي حقيقة الأمر المشكلة معقدة ويتشابك فيها عدة خيوط تحتاج علاج جذري، ومن أبرز هذه المشاكل:

  • التراكم: فتتراكم القمامة (تراكمات تاريخية) بكافة أنحاء الشوارع والضواحي والمدن الكبرى، وذلك بالأراضي الفضاء أو المقالب العشوائية. وما ينتج عنها من روائح مزعجة، ومنظر سيء وتلوث بيئي. هذا إلى جانب المتولد يوميًا. فخلال العام ونصف العام الأخير فقط، تم رفع 44 مليون طن مخلفات، تتمثل في 30 مليون طن تولُد يومي بالإضافة إلى إزالة 14 مليون طن مخلفات تاريخية. وتكون غالبية التراكمات التاريخية تالفة لا تصلح للتدوير
  • التشريعات المنظمة للقمامة والنظافة والمخلفات غامضة، ولا تحدد المسؤوليات بدقة ووضوح، وهناك تداخل فى الاختصاصات. فتتشابك المسئوليات والاختصاصات بين المحليات والبيئة والصحة، فلابد من وجود جهة موحدة منوط بها إدارة الأزمة.
  • التخلص الأمن: ضعف منظومة التخلص الآمن من المخلفات الخطرة.
  • الأمور المالية: التصدي لمشكلة القمامة أمر يتطلب الكثير من الأموال، ويحتاج إلى آلات وأدوات بأسعار مرتفعة جدًا لتطبيق منظومة آلية لجمع وتدوير المخلفات الصلبة.
  • أعداد المدافن: أعداد المدافن أقل كثيرًا من حجم المتولد من المخلفات الصلبة، خاصة مع عدم استهلاك أغلبها في عملية التدوير.
  • اعدام الخنازير: أدى اعدام آلاف الخنازير في 2009 – على إثر انتشار مرض أنفلونزا الخنازير- إلى تفاقم الأزمة والاخلال بالنظام البيئي، نظرًا لاعتمادها على المخلفات كغذاء مما يسهم في التخلص من جزء كبير من المخلفات العضوية وإعادة تدويرها بشكل طبيعي.
  • وجود فائض بإنتاج الطاقة: مصر الآن لديها فائض في إنتاج الطاقة المتجددة، مما يهدد بوقف الاستثمار مؤقتا في مصادر الطاقة البديلة، ومنها مجال تحويل المخلفات إلى طاقة WtE. فلماذا يقرر المصنع شراء الطاقة المنتجة من المخلفات بسعر مرتفع 1.4 جنيه لكل كيلووات ساعة، بينما الكهرباء متاحة بالفعل بسعر أرخص؟! كما تقع الطاقة المنتجة من النفايات في مرتبة متأخرة حتى عن الطاقة المتجددة بسبب توفر الشمس والرياح، بالإضافة إلى التراجع المستمر في تكاليف مصادر الطاقة المتجددة مقارنة بتوليدها من المخلفات.
  • مخلفات الهدم والبناء: تمثل مخلفات الهدم والبناء حوالي 5% فقط من إجمالي المخلفات المتولدة سنويًا، إلا إنها تمثل أزمة ملحة وعاجلة في بعض الأحيان وذلك لعدم وجود ألية رسمية للتخلص وإعادة تدوير مخلفات البناء وغالبًا ما يتم اللجوء لغير المتخصصين في التخلص منها والتي ينتهي المطاف بها في الطرق العامة مسببة شلل مروري.
  • الأدوات: عدم كفاية الأدوات اللازمة لجمع المخلفات وبخاصة عربات الكبس يضطر جامعي القمامة إلى تفريغ محتويات الصندوق بالشارع وإعادة جمعها يدويًا أو من خلال أوناش … الأمر الذي قد يؤدي إلى تلف الصناديق وتعرضها للكسر أو تغير أبعادها المصممة خصيصًا لتتناسب مع عربات الجمع. وقد يرجع انخفاض أعداد عربات الجمع إلى ارتفاع أسعار استيرادها.
  • ثقافة المواطن: ثقافة المواطنين في كيفية التخلص من القمامة وعدم إلقائها في الشوارع، وهو أمر يحتاج إلى توعية في المقام الأول وهذا ما يعني استغراق وقت طويل لكي يتم إنجاز ذلك. هذا إلى جانب توعية المواطن بأهمية المخلفات وإنها قد تكون ثروة قومية للدولة، خاصة مع تزايد عدد السكان وبالتالي تزايد المخلفات المتولدة.
  • الفصل: حل كافة المشاكل السابقة لا يغني عن عملية الفصل من المنبع، وتغيير ثقافة المواطنين للتعود على عملية الفصل بشكل أساسي لأكبر كم ممكن من المخلفات الصلبة والمنزلية على وجه الخصوص.
  • النباشين، ورعاة الغنم: حيث يلجؤوا إلى تفتيش أكياس القمامة في الصناديق أو التجمعات العشوائية، أو تفريغ محتويات أكياس القمامة خاصة فضلات الأكل لتقديمها للغنم كبديل للأعلاف. مما يؤدي تسرب المواد العضوية الضرورية لإنتاج السماد، ونهب المواد ذات القيمة العالية بالتدوير كالمواد المعدنية والبلاستيكية. وهم أحد أسباب فشل عملية الفصل حال إجراءها.
  • الزبالين: انخفاض عدد القائمين بعملية الجمع، وبدائية الأدوات المستخدمة بعملية التنظيف، وحاجة عدد كبير من القائمين على المنظومة للتدريب على الآلات المستحدثة التي يتم إدخالها المنظومة مؤخرًا، هذا إلى جانب تدني أجور العاملين في منظومة النظافة، مما يحفزهم لاحتراف التسول بغض النظر عن إتمام العمل اليومي خاصة وأن غالبية العاملين من كبار السن أو ذوي الهمم، كما يسهم انخفاض الراتب في عزوف فئة الشباب عن العمل بجمع القمامة لعدم قدرته تلبية احتياجاته في تكوين أسرة.

قانون المخلفات الجديد

يكفل الدستور المصري في مادته (46) الحق في بيئة صحية سليمة، حيث تنص على “لكل شخص الحق فى بيئة صحية سليمة، وحمايتها واجب وطنى. وتلتزم الدولة باتخاذ التدابير اللازمة للحفاظ عليها، وعدم الإضرار بها، والاستخدام الرشيد للموارد الطبيعية بما يكفل تحقيق التنمية المستدامة، وضمان حقوق الأجيال القادمة فيها.”.

أما عن القانون لمنظم لعملية جمع المخلفات فشهد تعديلات عدة خلال الفترة الأخيرة، وأهم ما ينظمه قانون المخلفات عمومًا هو تحديد الجهة المسئولة عن جمع المخلفات، والرسوم المقررة نظير ذلك.

وكانت البداية في 8 يوليو 2003، بتأييد قرار محافظ الإسكندرية بتحصيل “مقابل خدمات النظافة الإضافية والمتطورة بالمحافظة” شهريا على فاتورة الكهرباء، إلا إنه كان مخالفًا للرسوم المفروضة بناء على قانون النظافة العامة الصادر عام 1967. وفي هذا الصدد تم تعديل المادة 8 من قانون النظافة العامة 1967بالمادة رقم 10 لسنة 2005، وتم تقسيم الشرائح بناء على موقعها الجغرافي، فقاطنو عواصم المحافظات يقومون بسداد رسم قيمته 8 جنيهات، اما القاطنون خارج عواصم المحافظات فيقومون بسداد 4 جنيهات فقط، ويرتفع الرسم بالنسبة للمنشآت غير السكنية ليتراوح بين 10 الى 30 جنيها.

واستمرت الدعاوى القضائية ضد هذا القرار. إلى أن أصدرت محكمة القضاء الإداري بالقاهرة في عام 2007 حكما بإلغاء تحصيل رسوم النظافة وجمع القمامة المضاف الى فواتير الكهرباء وألزمت المحافظة بوقف التحصيل ورد المبالغ التي سبق تحصيلها لأصحابها، ولكن لم يتم تنفيذ الحكم. واستمرت التعديلات على قانون 1967 والنقض عليها، كما استمرت المشاكل الناتجة عنه، وأصبح هناك حاجة ملحة للتغيير.

وفي 13 أكتوبر 2020، صدر قانون المخلفات الجديد رقم 202 لسنة 2020، والذي يتميز بأن هناك جهاز موحد مسئول عملية إدارة المخلفات وهو جهاز تنظيم إدارة المخلفات وذلك بموجب المادة الثانية من القانون، وقد سمح القانون الجديد بإمكانية مشاركة القطاع الخاص بالعملية، على أن يتم تحديد وتحديث البيانات عن كميات المخلفات البلدية وأصنافها وإعداد قاعدة بيانات دقيقة لها.

أما عن رسوم جمع المخلفات البلدية فقد حددها القانون بالمادة (34) والتي تنص على أن تقوم وحدات الإدارة المتكاملة للمخلفات لبلدية بالمحافظات بتحصيل رسم شهري نظير ما تقدمه من خدمات، على أن تعفى منها دور العبادة، ويجوز زيادتها كل سنتين بواقع (10%) شريطة ألا يجاوز مجموع هذه الزيادة ضعف الحد الأقصى المقرر لكل فئة.

على الرغم من المزايا التي يقدمها قانون المخلفات الجديد، إلا أن هناك عدد من النقاط التي يجب أن تراعيها اللائحة التنفيذية، كوضع ألية لتحديد رسوم جمع المخلفات أكثر تحديدًا وارتباطا بعدد مرات الجمع والفصل من المنبع، وألية الجمع السكني المقترحة.

كما لم يحدد القانون بالمادة 42 خطوات التعامل مع مخلفات الهدم والبناء وألية الرقابة على عملية جمع وتدوير المخلفات، كما تغافل القانون عن إمكانية قيام مولد المخلفات بأعمال هدم وبناء دون الحصول على ترخيص، أو القيام ببعض الإصلاحات ترتب عنها بعض المخلفات وخاصة بالمناطق الشعبية. كما ألزم القانون مولد المخلفات الصناعية بضرورة الفصل للمخلفات الصناعية عن باقي المخلفات.

على الجانب الأخر حدد القانون الغرامات المفروضة على المخالفين وأبرزها يعاقب بغرامة لا تقل عن 10000 جنيه ولا تزيد عن 100000 لكلا من:

  • ألقى أو تخلص من المخلفات غير الخطرة في غير المواقع أو الأماكن المخصصة لذلك.
  • فرز أو عالج المخلفات البلدية في غير الأماكن المخصصة لذلك.
  • سلم المخلفات غير الخطرة إلى شخص أو منشأة غير مرخص لهما بذلك.

ما تم عمله

وفي خطوة نحو حل أزمة المخلفات بمصر، تم تفعيل منظومة المخلفات البلدية الصلبة لتحسين الأوضاع البيئية والصحية للمواطنين، وتستهدف المرحلة الأولى منها تنفيذ نحو 90 مشروعًا، بينما تستهدف المرحلة الثانية تنفيذ 61 مشروعًا، يقوم بتنفيذها كل من “الهيئة العربية للتصنيع”، و”وزارة الدولة للإنتاج الحربي”.

وفي هذا الإطار، تم تنفيذ عدد من الإجراءات منها تنفيذ 7 محطات وسيطة متنقلة، وتنفيذ المحطات الوسيطة الجديدة وعددها (11)، كما يتم تنفيذ 24 مدفن صحي من خلال ميزانية 2019/2020. ويوجد على مستوى محافظات الجمهورية عدد 44 مصنع تدوير للمخلفات تتضمن 74 خطا ومن المخطط انشاء عدد 14 خط جديد و رفع كفاءة 56 خط خلال اربع سنوات من خلال ميزانية العام المالى 2019/2020.

منها انشاء مصنع جيوسايكل لإدارة المخلفات بالعين السخنة بطاقة إنتاجية 400 ألف طن سنويا وباستثمارات تصل إلى 200 مليون جنيه ليصبح أكبر مصنع في منطقة الشرق الأوسط. فيستقبل المصنع المخلفات الزراعية والصناعية والبلدية «غير الخطرة»، وتحويلها إلى وقود بديل عالي الجودة كبديل للسولار والمازوت والغاز، يتم توجيهه لمصنع للأسمنت بالعين السخنة ليدخل في عملية التصنيع.

ومنذ بداية جائحة كورونا قامت باتخاذ كافة الإجراءات الإحترازية بالتعاون مع المحافظات والمتابعة المستمرة للتخلص الآمن من مخلفات الصلبة البلدية بمناطق العزل والتعامل مع المخلفات البلدية بعد ظهور جائحة كورونا، بالإضافة إلى التنسيق مع وزارة الصحة والمجلس الأعلى للمستشفيات الجامعية لاصدار تعليمات للقائمين على المنظومة بالمستشفيات لضمان التعامل الآمن مع المخلفات.

وبالتعاون مع شركة فودافون مصر تم تنفيذ التطبيق الإلكتروني إي تدويرE  Tadweer لتدوير المخلفات الإلكترونية من خلال مشروع ادارة المخلفات الطبية والالكترونية التابع لوزارة البيئة، والذى يتم تنفيذه من خلال البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة بمصر، والذي يهدف إلى تعريف المواطنين بكيفية التخلص من مخلفاتهم الالكترونية بطريقة آمنة ووسائل التحفيز المناسبة لهم لتشجيعهم على الاستفادة من تطبيق إي تدوير في التخلص من مخلفاتهم الإلكترونية مقابل نقاط تحفيزية او قسائم شراء لبعض المنتجات، وكذلك نشر فيديوهات بيئية قصيرة عن التخلص الآمن من المخلفات الطبية بالمنازل في ظل الحالة الطارئة التى تمر بها البلاد فى مواجهة انتشار فيروس كورونا المستجد.

كما تم إطلاق عدد هائل من المبادرات والحملات التوعوية، بعضها لاقى نجاح على أرض الواقع والبعض الأخر لم يجني ثماره بعد، ومنها: إطلاق مؤتمر الكلايمثون كايرو العالمى Climathon بالقاهرة لتعريف الشباب بمنظومة إدارة المخلفات وتأثيرها على التغيرات المناخية. ومبادرة التشجير وزراعة الأسطح، ومبادرة البرنامج التدريبى تروس بهدف تنمية اعمال الشركات الصغيرة والمتوسطة العاملة فى قطاع المخلفات لتشجيع المشروعات الميدانية للشباب. وأيضًا مبادرة النظافة لنهر النيل.

وكان من المبادرات التي لاقت نجاحًا وتفاعل شعبي، مبادرة “انتي البداية” لتجميع زيت الطعام المستعمل وإعادة تدويره بهدف الحفاظ على شبكة الصرف الصحي من التلوث، ويعد أحد أسباب نجاح المبادرة العوائد التشجيعية لربات البيوت كاستبدال الزيت المستعمل بأخر جديد، أو بيعه مقابل خمسة جنيهات لبعض الباعة الجائلين في المناطق الشعبية.

حلول مقترحة

الخلاصة، وبعد عرض الأوضاع بمصر، نجد أن عملية إدارة المخلفات الصلبة بمصر عملية غير مجدية وغير فعالة بمصر، لعدة عوامل والتي سبق ذكرها، ولحل هذا الوضع المتأزم يجب إقرار إنه تقع مسئولية حل الأزمة على كلا من المواطن، وأجهزة الدولة مجتمعة، فعن مسئولية الفرد، فيجب عليه الالتزام بإلقاء القمامة في أماكنها المخصصة لذلك، على أن تجري شرطة المرافق دوريات تفتيش مستمرة خاصة بأوقات الصباح الباكر، بأماكن تجمع القمامة وتوقيع غرامات فورية مناسبة على المخالفين، لكن هذا يتطلب في المقام الأول توفير صناديق لجمع القمامة بعدد كافي.

أما عن مسئولية الحكومة أو من ينوب عنها من شركات قطاع خاص، فيجب عليها:

  • بالنسبة لوزارتي البيئة والتنمية المحلية: يجب توفير صناديق جمع القمامة على مسافات متقاربة مع مراعاة الكثافة السكانية للمنطقة، والمناطق المؤدية للشوارع الرئيسية والميادين والمواقف العامة. على أن يتم توفير عربات نقل القمامة الألية للحفاظ على سلامة الصناديق وعمرها الافتراضي. وحال عدم توافر الاعداد الكافية، يمكن دراسة إجراء بروتوكول تعاون مشترك مع مصنع سيماف ووزارة الإنتاج الحربي لزيادة نسبة المكون المحلي بمنظومة إدارة المخلفات، أو توطين صناعة عربات جمع المخلفات الآلية وغيرها من الآلات، لتغطية الاحتياجات المحلية وتصدير الفائض.

كذلك العمل على إستيعاب مقاومي التغيير، كالنباشين، وجامعي القمامة الفرديين “الزبالين، العربجية” بالأماكن العشوائية، وإدخالهم بمنظومة المخلفات كموردي قمامة لمصانع إعادة التدوير، أو تدريبهم وتحويلهم لأصحاب مصانع تدوير، من خلال تقديم قروض ميسرة لهم، على أن يتم إجراء متابعات دورية لهذه المصانع للتأكد من الالتزام بالاشتراطات البيئية.

على أن يتم الاستفادة من خريجي مدرسة “إعادة تدوير المخلفات” المقامة بحي الزبالين بالمقطم وتفعيل دورها، وجعل طلابها سفراء لنشر الوعي بين مجتمع الزبالين، باعتبارهم أكثر المخالطين تجانسًا مع المجتمع. وتعميم الفكرة بكافة الأحياء حتى وإن تم ذلك على نطاق أضيق كمدارس الفصل الواحد وتتبع طريقة التعليم غير النمطي، خاصة أن نسبة لا بأس بها من القمامة لا يتم توجيهها إلى حي الزبالين ويتم فصلها وتدويرها بمصانع بدائية تضر البيئة أكثر من فائدتها في التدوير.

  • مجلس الوزراء: نجحت آلية منظومة الشكاوى الحكومية الموحدة في استيعاب الكثير من شكاوى المواطنين وحلها بشكل عاجل، حال تراكم المخلفات بأحد المناطق. لكن يقترح تفعيل آلية استباقية لمساعدة المواطنين على التخلص من مخلفات الهدم والبناء بأسعار مناسبة، والتي غالبًا ما يكون مصيرها إما التراكم أعلى أسطح المنازل وتهديد سلامة المبنى وأرواح قاطنيه، أو التخلص منها بطرق فردية وعشوائية على قارعة الطريق، ويكون وقتها جهاز مجلس المدينة والحي مجبرين على نقلها “مجانًا” للحفاظ على السيولة المرورية بالمنطقة.
  • الثقافة، والإعلام، والتربية والتعليم: يجب رفع الوعي البيئي لدى المواطنين، وخاصة بين الأطفال والشباب بمراحل العمر المختلفة من خلال إضافة مواد ومسابقات دراسية تهتم بالنظافة وتنمية الوعي البيئي للفرد والمجتمع.

وعلى الرغم من إطلاق وزارة البيئة عدة مبادرات للحفاظ على البيئة كمبادرة “كن مثل أدم”، أو بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني، لحث طلاب المرحلتين الابتدائية والاعدادية على فصل المخلفات من المنبع بالمدارس وذلك في الحاويات المخصصة لكل نوع من أنواع المخلفات والتوعية بمفهوم إعادة الاستخدام وإعادة التدوير؛ إلا أن هذه المبادرات لم تؤتي بنتائج ملموسة. على العكس من ذلك كانت نتائج مبادرة “أنتي البداية”، وذلك لرجوع عوائد مادية على المواطن، فقد يتطلب الأمر أحيانًا التضحية بحفنة من المال لزرع ثقافة بيئية سليمة، وجني ثمار مستدامة مستقبلًا.

كذلك تبني حملات إعلامية توضح خطورة انتشار القمامة كمشكلة أمن قومي لما يمكن أن يؤدى إليه تراكمها من انتشار الأوبئة والأمراض، وإمكانية تحويل الازمة إلى قيمة مضافة، وتحول إدارة المخلفات إلى صناعة تستوعب أعداد هائلة من البطالة وتدر عوائد مالية كبيرة،

كذلك ضرورة التوعية بأهمية الفصل من المنبع، بعمل زيارات منزلية لربات البيوت لإيضاح كيفية عملية الفصل وأهميتها، ومن الممكن توزيع أكياس مجانية بألوان متنوعة ومكتوب عليها نوع المخلفات كتشجيع للمواطنين على عملية الفصل، ويمكن أن يقوم بهذا الدور الرائدات الريفيات، والمطلوبين لأداء الخدمة العامة، فمن الصعب الاستفادة من المخلفات الصلبة دون الفصل من المنبع للاحتفاظ بالقيمة المضافة لكل عنصر على حدة، لأن في الغالب خلط المخلفات يتسبب في إفسادها جميعًا.