لم يكن مشهد آلاف الجنود الإثيوبيين أثناء سيرهم في شوارع عاصمة إقليم تيجراي “ميكيلي” معبرًا فقط عن هزيمة عسكرية قاسية تلقاها الجيش الإثيوبي، في مشهد ربما يكون مشابهًا في بعض تفاصيله للمعارك التي حدثت في شوارع العاصمة الألمانية برلين خلال الأيام الأخيرة من عمر الرايخ الثالث، بل كان هذا المشهد أيضًا نتيجة منطقية لسلسلة من الهزات القيادية والتكتيكية التي أصابت ذهنية وعقيدة قوات الدفاع الوطني الإثيوبية، منذ تولي رئيس الوزراء الحالي آبي احمد سدة رئاسة الحكومة الإثيوبية.

التحول الصعب من ميليشيا إلى جيش نظامي

لعل المعضلة الأساسية التي واجهت الجيش الإثيوبي في مرحلة ما بعد استقلال إريتريا، هي التحول من قوة شبه عسكرية تعتمد على هيكل داخلي مقارب للهيكل المكون للميليشيات المسلحة، إلى جيش عسكري كامل التكوين الداخلي. فقد كانت طريقة إدارة المؤسسة الجديدة وتكوين عقيدتها في مرحلة ما بعد استقلال إريتريا متأثرة بشكل أساسي بحقيقة أن هذا الكيان العسكري كان ثمرة تحالف جامع لكل الميليشيات والتجمعات شبه العسكرية التي كانت تقاتل ضد إريتريا، خاصة جبهة تحرير شعب تيجراي، التي استمر قادتها السابقون في الهيمنة على المناصب القيادية العليا في الجيش الإثيوبي، منذ أوائل التسعينيات من القرن الماضي وحتى منتصف عام 2019. وقد شهدت هذه الفترة عمليات تطهير واسعة النطاق داخل صفوف ضباط الجيش الإثيوبي، بهدف تقليل نسبة الضباط المنتمين لقوميتي الأورومو والأمهرة قدر الإمكان، وقد أسفرت هذه السياسة عن تصدر قومية التيجراي لنحو 70% من أعداد الضباط العاملين في الجيش الإثيوبي عام 2006.

في منتصف عام 2019، وتحديدًا شهر يونيو، حدثت هزة كبيرة ومؤثرة في الموقع القيادي الأكبر في المؤسسة العسكرية الإثيوبية، وهو موقع رئاسة الأركان. تمثلت هذه الهزة في اغتيال الفريق أول سيري ميكونن، رئيس أركان قوات الدفاع الوطني الإثيوبي -والذي كان خلال الحرب مع إريتريا أحد ضباط جبهة تحرير شعب تيجراي- خلال محاولته منع تحرك انقلابي في ولاية أمهرة، مازالت تفاصيله غامضة حتى الآن. وقد كان هذا التحرك هو المحاولة الانقلابية الثانية في عهد رئيس الوزراء الحالي آبي أحمد، بعد المحاولة الأولى التي تمت في أكتوبر 2018، وحينها ادعت الحكومة الإثيوبية أن عددًا من الجنود المسلحين حاولوا اقتحام مقر إقامة رئيس الوزراء الإثيوبي لاغتياله.

بغض النظر عن تفاصيل هذه المحاولات، إلا أنه يمكن عدّها مؤشرًا على استمرار الفكر “الميليشياوي” في المسارات القيادية بالجيش الإثيوبي، وقد أدت المحاولة الانقلابية الثانية إلى تغيير جذري في طريقة اختيار رئيس الأركان؛ فتم للمرة الأولى تعيين رئيس للأركان من قومية الأمهرة، وهو اللواء آدم محمد، الذي كان يشغل منصب رئيس جهاز الأمن والمخابرات الوطني خلال هذه المحاولة، ومن ثم كان هذا التعيين بمثابة مؤشر على التوجه المستقبلي لرئيس الوزراء الإثيوبي، نحو مزيد من الاعتماد على قومية الأمهرة، واتباع نهج معادٍ لقومية التيجراي، وهو ما تم تأكيده بشكل أكبر بعد أشهر.

تعرضت المراكز القيادية الأساسية في السلك العسكري والأمني الإثيوبي إلى هزة إضافية مع بدء العمليات العسكرية في إقليم “تيجراي” في نوفمبر 2020، حين أقال رئيس الوزراء الإثيوبي رئيس أركان الجيش اللواء آدم محمد، ونائب المدير العام لجهاز الأمن والمخابرات الوطني، ديميلاش جبريميشائيل، والمفوض العام للشرطة الاتحادية إندشو تاسيو، وهي قرارات لم يكن لها سبب واضح، إلا أن التقديرات حينها أشارت إلى معارضة القادة الثلاث للهجوم على إقليم تيجراي. تعيين الفريق بيرهانو جولا كرئيس لأركان الجيش الإثيوبي. منذ ذلك التاريخ وحتى الآن، نقل الفكر العسكري الإثيوبي إلى مستوى مختلف، لكنه مازال بعيدًا عما تستهدفه أديس أبابا.

فقد كان الفريق جولا قائد قوة الأمم المتحدة المؤقتة “يونيسفا” العاملة في النطاق الحدودي بين السودان وجنوب السودان، ما بين عامي 2014 و2016، وهي القوة التي تم تشكيلها عام 2011، وترأسها منذ ذلك الحين ضباط إثيوبيون، في إطار توجه إثيوبي عام لزيادة انخراط الجيش الإثيوبي في مهام حفظ السلام، من أجل التغلب على مشكلة ضعف مستوى التدريب والتأهيل العسكري في المعاهد العسكرية الإثيوبية، وعدم كفاية أعداد الضباط الإثيوبيين الحاصلين على دورات عسكرية متقدمة في الخارج، وهذا كان واضحًا من خلال عمل قوات حفظ السلام الإثيوبية في ليبيريا وبوروندي وأفغانستان والعراق تحت قيادة ضباط من دول أخرى،  

بشكل تدريجي، تمكنت إثيوبيا من أن تتصدر جهود حفظ السلام في الصومال وجنوب السودان، لكن هذا التوجه أدى إلى جعل الأداء العسكري للجيش الإثيوبي بشكل عام مطابقًا للتكتيكات المستخدمة في عمليات حفظ السلام، ما أثر بشكل كبير على نتائج العمليات العسكرية الهجومية التي نفذها الجيش الإثيوبي؛ مثل الهجوم على الصومال في ديسمبر 2006، وعملية الهجوم على إقليم تيجراي في نوفمبر 2020.

معركة تيجراي … أكبر من مجرد هزيمة ميدانية

الأداء الإثيوبي على المستوى التكتيكي والميداني في معركة تيجراي كان كاشفًا لكافة المعضلات والمشاكل التي كانت تعاني منها المؤسسة العسكرية الإثيوبية، والبداية كانت مع التناقض الصارخ في الإعلانات العسكرية بشأن العمليات الميدانية في إقليم تيجراي، حيث أعلن رئيس الوزراء الإثيوبي في أواخر نوفمبر 2020، عن انتهاء العمليات العسكرية في كافة مناطق الإقليم، لكن ما واجهه الجيش الإثيوبي على أراضي الإقليم في الأشهر التالية لهذا الإعلان، كان حرب استنزاف متكاملة، جعلت الثقة في تصريحات رئيس الوزراء الإثيوبي في ما يخص الشأن العسكري مثار جدل وعدم ثقة. 

التصريحات الرسمية الإثيوبية حول “الانسحاب” من إقليم تيجراي الشهر الماضي مثلت جانبًا آخر من جوانب هذا التناقض الصارخ، فقد تناقضت هذه التصريحات مع المشاهد التي ظهر فيها آلاف الجنود والضباط الإثيوبيون الأسرى لدى جبهة تحرير شعب تيجراي، وعلى رأسهم ضباط رفيعي المستوى، كانوا ضمن القيادة الميدانية الرئيسية للهجوم على الإقليم، ومنهم العقيد حسين محمد والعقيد ديسالين سهل، وكان هذا ردًا بالغ القوة على محاولات أديس أبابا الإيحاء أن الجيش الإثيوبي نفذ انسحابًا “تكتيكيًا” من شرق ووسط إقليم تيجراي، للاستعداد لمواجهات محتملة في مناطق أخرى.

على المستوى المعنوي، كانت الأساليب التي اتبعتها القيادة السياسية والعسكرية الإثيوبية في إدارتها لمعركة تيجراي سببًا إضافيًا في ترسيخ الصورة “الميليشياوية” في ذهن أفراد الجيش الإثيوبي، الذين رأوا قيادتهم تلجأ إلى الجيش الإريتري من أجل تدعيم العمليات الميدانية في الإقليم، وتلجأ كذلك إلى الميليشيات شبه العسكرية التابعة لقومية الأمهرة، ما حوّل مراكز السيطرة داخل الإقليم إلى مناطق تابعة للجيش الإثيوبي، وأخرى في شمال الإقليم تابعة للجيش الإريتري، بالإضافة إلى نقاط تسيطر عليها الميليشيات الأمهرية في القسم الغربي من الإقليم.

يضاف إلى ذلك، لجوء وحدات الجيش الإثيوبي إلى أساليب ترهيبية دموية، بهدف إخضاع سكان إقليم تيجراي والوحدات المدافعة عنه، حيث تم إحصاء ورصد عمليات ممنهجة لاستهداف المدنيين في الإقليم، شملت بشكل رئيس الجانب الغربي منه، حيث أفادت الأمم المتحدة أن معسكرات اللاجئين التي تم إنشاؤها في النطاق الغربي للإقليم، تعرضت لهجمات من جانب وحدات الجيش الإثيوبي، مما أدى إلى اختفاء نحو اثني عشر ألف لاجئ من هذه المعسكرات، وحتى الآن لم يتضح مصيرهم النهائي. 

من أهم أمثلة هذا النهج، سلسلة المذابح التي وثقتها عدة وكالات أنباء عالمية، وتمت على بعد نحو 15 كيلومتر جنوب مدينة أكسوم، وفيها استجوبت وحدات من الجيش الإثيوبي مجموعة من أهالي الإقليم، ثم قاموا بإعدامهم رميًا بالرصاص، وهو ما وثقته عدة مقاطع مصورة تم نشرها في شهر مارس الماضي.

استخدمت الوحدات العسكرية الإثيوبية خلال معاركها في إقليم تيجراي، كافة الذخائر والقدرات القتالية المتوفرة لديها، بما في ذلك الوسائط المحظور استخدامها على المستوى الدولي، مثل القنابل العنقودية روسية الصنع “أر بي كي-250″، وهي قنابل تجعل من المستحيل على المزارعين والسكان المحليين التحرك بحرية في مناطقهم، نظرًا لتناثر هذه القنيبلات على مسافات واسعة.

كذلك استهدفت القوات الإثيوبية المدنيين بشكل مباشر، خاصة في المراحل الأخيرة من معركة إقليم تيجراي، ومن أبرز أمثلة ذلك الغارة الجوية التي استهدفت سوقًا شعبية في منطقة “توجوجوا” الواقعة شمال غرب عاصمة الإقليم “ميكيلي”. هذه الأساليب الانتقامية استمرت من جانب وحدات الجيش الإثيوبي، حتى أثناء انسحابها من إقليم تيجراي، حيث قامت بسلب مقرات المؤسسات الإغاثية الدولية، وقتلت نحو اثني عشر من موظفي هذه المؤسسات، ودمرت الجسرين الرئيسيين في الإقليم.

تشتت قوى الجيش الإثيوبي منذ بدء معارك تيجراي كان من النتائج السلبية لهذه السياسة من جانب أديس أبابا، حيث باتت وحدات هذا الجيش تقاتل في نحو ثماني جبهات، ما بين خط الحدود مع السودان، وإقليم أوروميا المتاخم للعاصمة، وعدة مناطق بإقليم أمهرة، بجانب أقاليم عفار وصومالي وبني شنقول، وهو ما خلق إجهادًا مستمرًا لهذه القوات، انعكس على نتائج المعارك في إقليم تيجراي.

وقد تفاقم هذا الوضع بشكل أكبر بعد فقدان القوات العاملة في الجيش الإثيوبي -التي يبلغ تعدادها نحو 162 ألف مقاتل- جزءًا مهمًا من قوامها بعد مقتل وأسر آلاف الجنود في إقليم تيجراي، علمًا بأن الجيش الإثيوبي لا يمتلك منظومة للخدمة العسكرية الاحتياطية. يضاف إلى ذلك فقدان الجيش الإثيوبي بشكل كامل للمنطقة العسكرية الشمالية، وهي واحدة من أربع مناطق عسكرية تتكون منها المنظومة العسكرية الإثيوبية.

على مستوى المعدات، فقد الجيش الإثيوبي خلال معارك تيجراي كميات كبيرة من الأسلحة والمنظومات القتالية، خاصة مدافع الميدان ومدافع الهاون، والرشاشات المضادة للطائرات، بجانب عدد من الدبابات وناقلات الجند المدرعة، التي تم تدميرها على مدار الأشهر الماضية، في غارات عناصر جبهة تحرير شعب تيجراي على الطرق الرئيسية في شمال وشرق الإقليم. شملت هذه الخسائر أيضًا طائرتين تم إسقاطهما خلال أشهر القتال في الإقليم، الأولى كانت مقاتلة من نوع “ميج-23″، والثانية كانت طائرة نقل مدنية من نوع “سي-130” كان يستخدمها سلاح الجو الإثيوبي في الأيام الأخيرة التي سبقت سقوط عاصمة الإقليم، في نقل الإمدادات إلى هناك.خلاصة القول إن المؤسسة العسكرية الإثيوبية تأثرت بشكل جذري من الهزيمة المدوية في إقليم تيجراي، وفي ظل التناحر العرقي المتزايد في عدة أقاليم أخرى، وتزايد حالة تراجع سيادة القانون في البلاد لصالح الميليشيات والقوى المحلية شبه العسكرية، ربما تقترب هذه المؤسسة من مرحلة قد تفقد فيها السيطرة على مزيد من المفاصل العسكرية التابعة للدولة، بالنظر إلى تجربة القيادة العسكرية الشمالية في تيجراي، وهي هنا تدفع ثمن السياسة الإقصائية اللاعبة على وتر التناقضات التاريخية بين القوميات الإثيوبية المختلفة، وهي السياسة التي اتبعها رئيس الوزراء الحالي منذ مجيئه للسلطة.