أسدلت محكمة النقض الستار على القضية الأخطر خلال العقد الأخير من تاريخ مصر والتي تورط بها عدد من قيادات وكوادر جماعة الإخوان الإرهابية، وكشفت وقائع القضيتين رقم 56460 /2013 جنايات أول مدينة نصر والمقيدة برقم 2926 لسنة 2013 كلي شرق القاهرة، والقضية رقم 56458/ 2013 قسم أول مدينة نصر، وفقًا لقرار المحكمة بضم الدعوتين للارتباط البسيط بينهما، والمعروفة إعلاميًا بـ”اقتحام الحدود الشرقية”، عن حجم خيانة وتآمر الجماعة الإرهابية وقياداتها على الوطن لتحقيق أطماعها الخبيثة التي تطمح في الوصول إليها منذ عام 1928. 

(2005 – 2010) .. رحلة التآمر على الوطن

تشير التحقيقات إلى أن عام 2005 شهد نشاطًا للمنظمات الأجنبية التي عملت على إثارة الرأي العام المصري واستخدام بعض الشباب للاحتجاج والتظاهر، وقامت هذه المنظمات باستقطاب عدد من الشباب و تدريبهم في بولندا ودول أخرى على أساليب مواجهة الشرطة وطرق الحشد والاحتجاجات، وهو الأمر الذي رصده جهاز المخابرات العامة منذ اللحظات الأولى، وقامت جماعة الإخوان بعقد العديد من اللقاءات بالخارج مع قيادات التنظيم الدولي للإخوان وحركة حماس بهدف تنسيق العمل المشترك نحو تغيير النظام الحاكم في مصر، وحضر من جانب جماعة الإخوان كل من (محمد سعد توفيق مصطفى الكتاتني، سعد عصمت محمد الحسيني، حازم فاروق محمد عبد الخالق منصور، محمد محمد إبراهيم البلتاجي، وإبراهيم إبراهيم أبو عوف يوسف، محمد مرسي عيسى العياط). 

ورصد جهازا المخابرات العامة والأمن الوطني عدة لقاءات بين قيادات جماعة الإخوان وحركة حماس داخل مصر وخارجها، نذكر منها لقاء كل من محمد مرسي و سعد لاشين مع محمود الزهار القيادي بحركة حماس بمدينة الزقازيق عام 2006، وكذلك سفر كل من سعد عصمت الحسيني وأيمن علي سيد أحمد ومحمد البلتاجي إلى تركيا عام 2009 ، وسفر حازم محمد فاروق ومحمد سعد الكتاتني وإبراهيم أبو عوف وآخرين خلال عام 2009 و 2010 إلى لبنان للقاء مسؤول حركة حماس هناك ويدعى “أبو هشام”وبحضور قيادات من حزب الله اللبناني، وهدفت كل هذه التحركات إلى عقد اللقاءات التنظيمية مع قيادات حماس لتنسيق التحركات معها لاستخدام الفوضى وإشاعتها لإسقاط نظام الحكم في مصر.

وتؤكد التحريات الأمنية وحيثيات القضية أنه تم الاتفاق خلال تلك الاجتماعات على تنفيذ مخطط اقتحام الحدود الشرقية والسجون وتهريب عناصر وقيادات الإخوان وحركة حماس وحزب الله اللبناني في السجون وإحداث مخطط الفوضي، وذلك بالتعاون مع تنظيم جيش الإسلام الفلسطيني وحركة التوحيد والجهاد والجماعات التكفيرية بسيناء، بالإضافة إلى الاتفاق على تدريب عدد من كوادر الجماعة على تنفيذ العمليات التخريبية واستخدام الأسلحة تحت قيادة عضو حركة حماس “أكرم العربودي”، وبالفعل تسلل عدد من عناصر الإخوان إلى قطاع غزة عبر الأنفاق لتلقي تدريبات عسكرية على فنون القتال وحروب العصابات واستخدام الأسلحة النارية، وكان من بينهم “خليل أسامة العقيد” المتهم في الدعوى المنضمة رقم 56458 والذي أفاد بذهابه إلى قطاع غزة عدة مرات عبر الأنفاق وتلقى تدريبات على استخدام الأسلحة النارية مختلفة الأعيرة وسلاح أر بي جي وطرق اقتحام المنشآت الحيوية في مخيم “الشاطئ” بقطاع غزة، بالإضافة إلى إمداد العناصر التكفيرية في سيناء عبر جبل الحلال بالأسلحة والذخائر والقذائف اللازمة لإحداث الفوضى بشمال سيناء.

2011.. تنفيذ المخطط

أكدت التحقيقات أنه في يوم الجمعة الموافق 28 يناير 2011 دفعت جماعة الإخوان بعناصرها في الميادين في مدن الداخل المصري، لتحويل المظاهرات إلى مواجهات حامية الوطيس مع رجال الشرطة ومهاجمة الأقسام والمنشآت الحيوية بهدف استنزاف قدرات قوات الشرطة ومن ثم انهيارها، وإسقاط مؤسسات الدولة كوسيلة للسيطرة على مقاليد الحكم من خلال العنف، وذلك وفقًا لما تم الاتفاق عليه بين قيادات الإخوان في مصر وقيادات التنظيم الدولي وعناصر المكتب السياسي في حركة حماس، وهو ما يؤكده ضابط الأمن الوطني الرائد محمد عبد الحميد الصباغ في شهادته أمام المحكمة، إذ أكد أن الكادر الإخواني حمدي حسن كان ضمن العناصر التي تم ضبطها احترازيًا يوم 28 يناير 2011 بموجب قانون الطوارئ قال له إن “عناصر الجماعة وقياداتها لن تبقى في السجن إلا ليوم واحد وسيغادرونه في اليوم التالي على الأكثر”.، وهو ما أكده أيضًا الضابط الشهيد محمد مبروك في أحد تقاريره المقدمة للمحكمة في القضية قبل استشهاده على يد إرهاب الإخوان. 

عرض لحظات هروب السجناء من وادي النطرون وأبو زعبل ضمن أحراز «اقتحام السجون»  - بوابة الشروق - نسخة الموبايل

بالتزامن مع حالة الفوضى التي نشرتها جماعة الإخوان في القاهرة ومدن الوادي والدلتا، تحركت المجموعات الإرهابية المسلحة على الحدود المصرية مع قطاع غزة، ودخل المسلحون في شكل مجموعات تستقل سيارات دفع رباعي يطلق عليها أهل سيناء “مارادونا” ومدججين بأسلحة نارية ثقيلة ومتوسطة كان من بينها آر بي جي ومدافع جرينوف وبنادق آلية وغيرها، وانقسمت العناصر المهاجمة التي قدر عددها بأكثر من 800 إرهابي إلى مجموعتين، المجموعة الأولى اتجهت إلى الطريق الأوسط بسيناء والانتقال إلى محافظة الإسماعيلية ثم القاهرة لتنفيذ عمليات اقتحام السجون، وخاصة سجن وادي النطرون وسجن المرج ومهاجمة المنشآت والسجون الأمنية الحصينة، بهدف تهريب عناصر قيادات الإخوان وعلى رأسهم “محمد مرسي ومحمد بديع” وغيرهم، وعناصر من حركة حماس وعلى رأسهم القيادي “أيمن نوفل”، وعناصر حزب الله اللبناني وفي مقدمتهم القيادي “سامي شهاب”.

وقامت المجموعة الثانية بالهجوم على جميع الأكمنة الأمنية بداية من رفح وحتى العريش، وضرب كافة تجمعات الأمن المركزي في رفح وقسم شرطة الشيخ زويد، فضلاً عن مهاجمة معسكر الأحراش الذي تعرض لهجوم متواصل كونه آخر موقع أمني مصري يرفع العلم المصري في رفح والذي نجح في صد الهجوم ببسالة كبيرة، بالإضافة إلى تفجير مخطة ضخ الغاز وخط الغاز المتجه إلى الأردن بمنطقة السبيل، ومهاجمة مبنى الرقابة الإدارية ومبنى الأحوال المدنية بالريسة واستولوا على الأجهزة والمعدات الخاصة بإصدار بطاقات الرقم القومي.

كما هاجمت هذه المجموعة وحدة المرور والسجن المركزي والمحكمة ومديرية الأمن بالعريش وإبقاء عناصر الشرطة متحصنين بداخلها، وذلك بهدف إخلاء الطريق حتى العريش من القوات الأمنية، وبالرغم من ذلك ضبطت قوات الأمن كل من أمين محمد الهادي ومقيم برفح وبرفقته كل من حمدان حمدي حمدان فلسطيني وسامى سالم حماده أبو شناب فلسطيني وإبراهيم شامي محمد حسين ومقيم برفح وأحمد جمعة محمد سلام ومقيم برفح أثناء سيرهم بسيارة داخل المدينة وبحوزتهم بندقيتين آليتين عيار 7.62 39 X وخزينتين الأولى بها ستة طلقات والثانية ثماني طلقات من ذات العيار، وأسفرت العمليات التي قامت بها المجموعتان عن سقوط شهداء ومصابين من قوات الشرطة والمدنيين.

القضاء يحكم قبضته على المتآمرين

كشف عام 2013 أول فصول ما تعرضت له مصر من تهديدات مباشرة لها مخاطر جمة، وذلك عندما نظرت محكمة جنح مستأنف الإسماعيلية قضية الهروب من سجن وادي النطرون، والتي كشفت شيئًا فشيئًا عن خبايا الخيانة التي قدمها الإخوان على طبق من ذهب لأعداء مصر، وتولى حينها المستشار خالد المحجوب نظر القضية على الرغم من حجم التضييق والضغوط التي مارستها الجماعة لغلق ملف القضية، وأصدر أمرًا بالقبض على كل من (محمد محمد مرسي العياط – محمد سعد الكتاتني – صبحي صالح -عصام العريان – حمدي حسن – محمد إبراهيم – سعد الحسيني – محيي حامد – محمود أبو زيد – مصطفى الغنيمي – سيد نزيلي – أحمد عبد الرحمن – ماجد الزمر – حسن أبو شعيشع -على عز – رجب البنا – أيمن حجازي – السيد عياد – إبراهيم إبراهيم حجاج) بوصفهم هاربين من السجون. 

وفي ١٩ ديسمبر ٢٠١٣ أحال المستشار تامر الفرجانى المحامى العام لنيابة أمن الدولة العليا فى القضية رقم ٥٦٤٥٨ لسنة ٢٠١٣ جنايات قسم أول مدينة نصر، المقيدة برقم ٢٩٢٥ لسنة ٢٠١٣ كلى شرق القاهرة والمقيدة برقم ٣٧١ لسنة ٢٠١٣ حصر أمن الدولة العليا والمقيدة برقم ١٢٤ لسنة ٢٠١٣ جنايات أمن الدولة العليا إلى محكمة الجنايات.

وبدأت في يناير 2014 وقائع محاكمة محمد مرسي و130 متهمًا آخرين أمام محكمة جنايات القاهرة الدائرة 15 جنايات شمال برئاسة المستشار شعبان الشامي، ووجهت لهم تهم ارتكاب أفعال تؤدي إلى المساس باستقلال البلاد، وارتكاب جنايات القتل العمد، وارتكاب جرائم الشروع في قتل، وإشعال  النيران عمدًا في المباني، وسرقة منقولات مملوكة لمصلحة السجون، وتخريب مبان وممتلكات عامة، وتمكين محبوسين من الهرب، وحيازة أسلحة وذخائر دون إخطار، والتسلل إلى داخل البلاد بطريقة غير مشروعة، والاشتراك في إحداث حالة فوضى لإسقاط الدولة ومؤسساتها، وإخفاء متهمين وإعانتهم على الفرار، والهروب من السجون.

ديار النقب

وفي 16 يونيو 2015 أصدرت المحكمة حكمها بإعدام المرشد العام للجماعة محمد بديع والرئيس المعزول محمد مرسي وثلاثة قياديين آخرين في الجماعة حضوريًا، و93 آخرين غيابيًا من بينهم عناصر من حركة حماس وحزب الله اللبناني، كما قضت بمعاقبة 20 متهمًا بالسجن المؤبد. 

إعادة المحاكمة

في 15 نوفمبر 2016 ألغت محكمة النقض الحكم الصادر بإعدام محمد مرسي ومحمد بديع المرشد العام للجماعة ونائبه رشاد البيومي، ومحيي حامد عضو مكتب الإرشاد ومحمد سعد الكتاتني وعصام العريان، ومعاقبة 20 متهمًا آخرين بالسجن المؤبد، وقررت إعادة محاكمتهم أمام دائرة جديدة.

وحددت جلسة 26 فبراير 2017 لنظر أولى جلسات القضية أمام محكمة جنايات القاهرة المنعقدة بمجمع المحاكم بطرة الدائرة 11 إرهاب برئاسة المستشار محمد شيرين فهمي رئيس المحكمة، وفي 7 سبتمبر 2019 حكمت المحكمة على كل من محمد بديع ورشاد بيومي ومحيي حامد ومحمد الكتاتني وعصام العريان وسعد الحسيني ومصطفى طاهر الغنيمي ومحمود أبو زيد وحازم فاروق ومحمد البلتاجي وإبراهيم أبو عوف بالسجن المؤبد عما أسند إليهم، وانقضاء الدعوى للمتهم محمد مرسي لوفاته.

اقتحام الحدود الشرقية - اليوم السابع

كما حكمت على كل من أحمد أبو مشهور والسيد حسن شهاب وصبحي صالح وحمدي حسن وأحمد محمد دياب وأحمد علي العجيزي وعماد شمس الدين وعلي عز الدين بالسجن المشدد لمدة 15 سنة. 

كما برأت المحكمة كل من صفوت حجازي وأحمد عبد الوهاب ومحسن يوسف راضي وأيمن حجازي وعبد المنعم طغيان ومحمد أحمد إبراهيم ورجب متولي هبالة وأحمد إبراهيم ويسري نوفل، وقضت المحكمة في حكمها بمصادرة الهواتف المحمولة ووضعها تحت تصرف المخابرات العامة. 

حكم النقض يسدل ستار النهاية

بعد الحكم الصادر في سبتمبر 2019 طعن عدد من قيادات الإخوان في الأحكام الصادرة ضدهم، وقررت المحكمة في 11 أبريل 2021 حجز الطعن للحكم، وفي 11 يوليو الجاري قضت المحكمة بتأييد حكم المؤبد لمرشد الإخوان محمد بديع و10 آخرين، وبراءة 8 من أعضاء الإخوان وجاء نص الحكم كالآتى:

– أولا انقضاء الدعوى الجنائية بالنسبة للطاعن عصام الدين محمد العريان لوفاته.

– ثانيا بقبول الطعن المقدم من من أحمد أبو مشهور، والسيد حسن، وصبحي صالح، وحمدي حسن، وأحمد دياب، وأحمد العجيزي، وعماد شمس الدين، وعلى عز الدين شكلا وفى الموضوع بنقض الحكم المطعون عليه وبراءة الطاعنين فيما نسب إليهم.

– قبول الطعن المقدم من محمد بديع عبدالمجيد، ورشاد البيومي، ومحيي حامد، ومحمد الكتاتني، وعصام العريان، وسعد الحسيني، ومصطفى طاهر الغنيمي، ومحمد زناتي، وحازم عبدالخالق منصور، ومحمد البلتاجي، وابراهيم يوسف شكلا وفى الموضوع برفضه وتأييد بالسجن المؤبد.

ختامًا، تكشف وقائع القضية ومحطاتها المختلفة منذ بدايتها وحتى نهايتها، وشهادات الكثير من المسؤولين بمختلف مستوياتهم  في تلك الفترة، عن مدى الخطر الداهم الذي تعرضت له الدولة المصرية منذ سنوات ومدى استعداد جماعة الإخوان لخيانة الوطن من أجل الوصول إلى سُدة الحكم حتى وإن كانت على حساب بقاء الدولة الوطنية ومؤسساتها، كما تكشف عن اليقظة الكاملة للأجهزة الأمنية التي رصدت كافة محطات التآمر وكانت لها بالمرصاد وإن طال الزمن لينال كل مخطئ عقابه الرادع. 

Scroll Up