أعلن الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، الجمعة الماضية خلال قمة افتراضية لزعماء مجموعة دول الساحل الخمس، أن فرنسا ستباشر إغلاق قواعدها في شمال مالي ” في النصف الثاني من العام 2021″ وذلك في إطار تقليص عدد القوات الفرنسية الموجودة بمنطقة الساحل في غرب القارة الإفريقية إلى ما يتراوح بين 2500 و3000 جندي. وأوضح ماكرون أن بلاده ستبدأ قريبًا في إعادة صياغة وجودها العسكري بالمنطقة، وستبدأ بنقل قواتها لمسافة أبعد باتجاه الجنوب قبل أن تشرع في وقت لاحق في تقليصها لنحو نصف قوامها الحالي البالغ حوالي 5100 جندي. فيما لم يحدد إطارًا زمنيًا لإتمام العملية.

إعلان ماكرون عن إعادة صياغة الوجود الفرنسي في منطقة الساحل الإفريقي كان متوقعًا، فقد سبق أن صرحت باريس غير مرة، بالتزامن مع مطلع العام الجاري، بأنها ترغب في تقليص عدد قواتها في منطقة الساحل الإفريقي، قبل الانتخابات الرئاسية المقبلة في إبريل 2022. وكان الرئيس الفرنسي ماكرون قد أعلن في وقت سابق من الشهر الماضي نهاية عملية ” برخان” الفرنسية لمكافحة الإرهاب في منطقة الساحل الإفريقي، وإن القوات الفرنسية هناك تعمل الآن في إطار جهود دولية أوسع.

رغبة فرنسا في تقليص عدد قواتها الموجودة في منطقة الساحل، يطرح العديد من التساؤلات حول ماهية الأغراض الفرنسية من الانسحاب، وتداعيات هذا الأمر على مستقبل الأمن في المنطقة، في ظل تنامي النشاط الإرهابي لتنظيمي داعش والقاعدة، وفي ظل الاضطرابات السياسية التي تعيشها المنطقة في الآونة الأخيرة، أبرزها: مقتل الرئيس التشادي، إدريس ديبي، في إبريل الماضي على يد المتمردين شمال البلاد، والانقلابات العسكرية الأخيرة في مالي.

 وفي هذا السياق تحاول هذه المقالة الإجابة على التساؤلات السابقة عبر عدة محاور، تسلط من خلالها الضوء على دوافع فرنسا لتقليص عدد قواتها الموجودة بمنطقة الساحل الإفريقي، وتداعيات هذا الأمر في حالة قيام باريس بالفعل بتخفيض عدد قواتها إلى النصف على مستقبل الأوضاع الأمنية في المنطقة.

دوافع فرنسا لإعادة النظر في طبيعة تواجدها في منطقة الساحل

قبل التطرق للحديث عن دوافع فرنسا لتقليص عدد قواتها في منطقة الساحل، تجدر الإشارة إلى حجم التواجد الفرنسي في المنطقة. حيث تعتبر فرنسا من أبرز القوى الدولية النشطة في منطقة الساحل الإفريقي، بعد تواجدها هناك منذ حوالي 8 سنوات، بقوة عسكرية قوامها 5100 جندي فرنسي، يعملون في مالي وتشاد والنيجر وموريتانيا وبوركينا فاسو، وتقوم بمجموعة من العمليات والمبادرات العسكرية، أبرزها: العملية سيرفال عام 2013 ، وعملية برخان عام 2014،  بدعوى مكافحة النشاط الإرهابي المتنامي في المنطقة، والتي تعد معقل للعديد من الجماعات الإرهابية، ومنها: تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، ولاية داعش غرب إفريقيا، وبوكو حرام، وحركة التوحيد والجهاد في غرب إفريقيا، وحركة أنصار الإسلام، وغيرها من الجماعات الإرهابية التي تشن هجماتها الإرهابية الدامية، وتُسقط مئات الجرحى والمصابين يوميا.  

ورغم وجود مجموعة من العوامل الاقتصادية والأمنية الهامة التي شكلت حافزًا لفرنسا لتعزيز وجودها العسكري في منطقة الساحل الأفريقي، (أبرزها: مكافحة النشاط الإرهابي والهجرة الغير شرعية من المنطقة إلى أوروبا، إلى جانب تأمين المصالح والاستثمارات الفرنسية في هذه المنطقة الغنية بالعديد من الموارد والثروات الطبيعية)، إلا أنها أعلنت عن رغبتها في تقليص تواجدها العسكري في المنطقة، الأمر الذي يستدل منه على أن فرنسا مجبرة وليست مخيرة في اتخاذ مثل هذا الإجراء، في ظل وجود مجموعة من الدوافع التي شكلت ضغطًا على باريس لإعادة النظر في طبيعة تواجدها في المنطقة، نذكر من هذه الدوافع ما يلي:

  • تحرك خارجي لأهداف داخلية: توجد مجموعة من الضغوطات الداخلية التي تفسر التوجه الجديد للإدارة الفرنسية تجاه منطقة الساحل، أبرزها: ارتفاع تكلفة الحرب الفرنسية على الإرهاب في المنطقة، حيث تشير التقديرات إلى أن فرنسا تنفق حوالي 700 مليون يورو سنويًا على مكافحة الإرهاب في المنطقة، هذا إلى جانب الخسائر البشرية في القوات العسكرية الفرنسية، والتي يتم استهدافها من قبل الجماعات الإرهابية، والتي تسببت هجماتها الدامية في مقتل أكثر من 55 جندي فرنسي منذ عام 2013.

وإلى جانب الكلفة العالية للحرب الفرنسية في منطقة الساحل، يواجه ماكرون ضغط شعبي كبير في الداخل الفرنسي للانسحاب من المنطقة، فغالبية الرأي العام داخل فرنسا تؤيد الانسحاب العسكري من مالي، ومن منطقة الساحل عمومًا.  حيث تراجعت نسبة مؤيدي التدخل العسكري في الساحل وسط الرأي العام الفرنسي من 73% في العام 2013 إلى 49% خلال العام الجاري، ووفقًا لاستطلاع رأى فرنسي أجرته صحيفة ” لوبوان” الفرنسية الأسبوعية في يناير الماضي؛ 51% من المشاركين في الاستطلاع لا يؤيدون التدخل العسكري الفرنسي في مالي، و19% من هؤلاء لا يؤيدون مطلقًا هذا التدخل.

  • فقدان حليفها الأكبر في المنطقة: أحد الأسباب الرئيسية التي دفعت فرنسا إلى إعادة النظر في حجم تواجدها في منطقة الساحل؛ فقدانها حليفها الأكبر في المنطقة الرئيس التشادي، إدريس ديبي، بعد مصرعه في إبريل الماضي على يد المتمردين شمال البلاد.  فتشاد تحت حكم ديبي كانت أهم لاعب عسكري، وأقوى حليف لفرنسا في جهود مكافحة الإرهاب في المنطقة، وكانت تشارك جيوشها إلى جانب القوات الفرنسية عند تدخلها في شمال مالي.
  • الرفض الشعبي للتواجد الفرنسي في المنطقة: يتصاعد الرفض الشعبي للوجود الفرنسي في منطقة الساحل، حيث يرى البعض أن التدخل الفرنسي في المنطقة تسبب في تفاقم الأوضاع الأمنية لتصبح أكثر سوءًا مع قيام المتشددين بشن المزيد من هجماتهم الدامية. كما أن الحضور القوي للجنود الفرنسيين في عواصم المنطقة أعاد الأذهان إلى حقبة الاستعمار الفرنسي قبل ستينيات القرن الماضي، ومن هنا تولد نوع من النقمة الشعبية للتواجد الفرنسي في منطقة الساحل.

ففي مالي على سبيل المثال، منذ أكثر من عام يطالب الشعب المالي بخروج القوات الفرنسية من البلاد، معللين موقفهم بفشل تلك القوات في أداء مهامها الأساسية المتمثلة في القضاء على الجماعات الإرهابية، بل على العكس أصبحت هذه الجماعات كما يرون أكثر قوة ونجحت في التغلغل من شمال مالي إلى داخل البلاد.

وقد توالت المظاهرات المنددة بتواجد فرنسا داخل مالي، ولا سيما بعد أن توالت الأخطاء التي يقوم بها الجيش الفرنسي والتي أودت بحياة المدنيين هناك، ومن ذلك ما كشف عنه تحقيق للأمم المتحدة، أن ضربة جوية نفذها الجيش الفرنسي في مالي، يناير الماضي، أدت إلى مقتل 19 مدنيا تجمعوا لحضور حفل زفاف، بمدينة بوني وسط مالي.

  •  تدويل محاربة الإرهاب في منطقة الساحل: يريد ماكرون من إعلانه الأخير بشأن تقليص القوات الفرنسية في منطقة الساحل ان يبعث برسالة إلى حلفاؤه الأوروبيين والإدارة الأمريكية الجديدة، تفيد بأن الحرب الدائرة في منطقة الساحل أصبحت حربًا دولية، أكبر من أن تقودها فرنسا بمفردها، وأن باريس لا ترغب في تحمل المسؤولية كاملة عن محاربة الجماعات المتطرفة والتي أصبحت متنامية في دول الساحل الإفريقي، ومن هنا سعت باريس إلى استقطاب الحلفاء لمساعدتها في مكافحة الإرهاب في المنطقة.

وفي غضون ذلك، تهدف الخطة الفرنسية الجديدة في المنطقة إلى أن تتوارى القوات الفرنسية قدر الإمكان عن الأنظار وأن تصبح هناك قيادة أوروبية في المنطقة تقوم على محورية الدور الفرنسي، ومن ثم محاولة تخفيف العبء المادي والسياسي الذي تكبدته باريس طيلة السنوات الماضية.

ما هي التداعيات المحتملة في حال انسحاب فرنسا من الساحل؟

تقليص عدد القوات الفرنسية في منطقة الساحل، يثير العديد من التساؤلات حول مستقبل الأوضاع الأمنية في المنطقة، فهذا الانسحاب قد تكون له تداعيات سلبية على استقرار الأوضاع في دول الساحل، نذكر أبرزها فيما يلي:

  • تحالف بعض دول المنطقة مع الجماعات الجهادية: من الممكن أن يدفع الانسحاب الفرنسي بعض الدول في المنطقة إلى التحالف مع الجماعات الجهادية، فمنهم من يرى أن مصلحة استقرار البلاد قد تكون في وجود تفاهمات سياسية بين هذه الحكومات والجماعات المتشددة. ولاسيما وأن جيوش دول الساحل غير مؤهلة بالدرجة الكافية لدحر نشاط التنظيمات الإرهابية بمفردها. 
  • تنامي خطر النشاط الإرهابي في المنطقة: تقليص عدد القوات الفرنسية من منطقة الساحل، من شأنه أن يؤدى إلى تنامي خطر النشاط الإرهابي في المنطقة، فالجماعات الإرهابية التي تنشط في دول الساحل ستعتبر هذا الانسحاب انتصارا لها، وستسعى إلى ملئ الفراغ الذي ستشهده المنطقة عقب تقليص عدد القوات الفرنسية الموجودة هناك، في مقاربة لما يحدث الآن في أفغانستان فعقب إعلان الرئيس الأمريكي، جو بايدن، سحب القوات الأمريكية من البلاد بحلول سبتمبر المقبل، اعتبرت حركة طالبان هذا لانسحاب بمثابة انتصار لها، وسارعت في شن المزيد من هجماتها الدامية ضد المدنيين والقوات الحكومية، وباتت أفغانستان قاب قوسين أو أدنى من الوقوع تحت سيطرة الحركة.

وهنا تجدر الإشارة إلى حالة عدم الاستقرار السياسي والأمني التي تعيشها دول الساحل في الآونة الأخيرة، فقد أشرنا في مقالة بعنوان ” انقلاب مالي.. ومُؤشرات مُقلقة حول مُستقبل الأوضاع الأمنية في منطقة الساحل”، إلى أن هناك مجموعة من المتغيرات التي توفر لنا مؤشرات مقلقة حول مستقبل الأمن في منطقة الساحل الإفريقي، أبرزها: مقتل الرئيس التشادي، إدريس ديبي، والذي كانت تشاد تحت قيادته واحدة من الجهات الأمنية الرئيسية لدول الساحل الخمسة، إلى جانب استمرار نزيف الدم في دول المنطقة فلا يكاد يمر يوم تقريبا دون وقوع حادث دموي يودي بحياة العشرات ويخلف مئات المصابين، ومن مؤشرات ذلك وفاة حوالي 406 شخص في منطقة غرب إفريقيا خلال الشهر الماضي، وفق تقرير أصدرته مؤسسة ماعت للسلام والتنمية وحقوق الإنسان بعنوان ” عدسة العمليات الإرهابية في إفريقيا” .

ويعقد من المشهد الأمني للمنطقة أيضا ظاهرة الانقلابات العسكرية والتي باتت ظاهرة مألوفة في دول الساحل، ولا سيما مالي، والتي شهدت انقلابين متتاليين في أقل من عام واحد. ويضاف إلى المؤشرات السابقة قيام الجماعات الجهادية التي تنشط في المنطقة بتوحيد صفوفها الداخلية لتصبح أكثر قوة، مثل ما حدث بعد إعلان عناصر جماعة بوكو حرام الموالية لأبو بكر شيكاو، (زعيم جماعة بوكو حرام الذي انتحر مؤخرًا بعد أن حاصرته عناصر تابعة لتنظيم داعش) البيعة للأخير، وقبوله لهذه المبايعة الأمر الذي ينذر بولوج نجم تنظيم داعش في غرب إفريقيا، ومن ثم تمدده في باقي أنحاء القارة.

  • إتاحة الفرصة لتمدد لاعبين جدد في المنطقة: تقليص حجم الوجود الفرنسي في منطقة الساحل، قد يحفز العديد من القوى الدولية الأخرى لاقتناص الفرصة، والتمدد في المنطقة، ومنها على سبيل المثال: الصين والتي ارتفع رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر لديها بشكل كبير في جميع أنحاء المنطقة، وروسيا التي تسعى إلى تعزيز نفوذها في أجزاء شتى من القارة، حتى وصل الأمر إلى حد خروج المظاهرات الشعبية المطالبة باستبدال الدور الفرنسي بالدور الروسي مثلما حدث في مالي عقب الانقلاب الأخير.

وإلى جانب روسيا والصين توجد أيضا تركيا، والتي تضع المنطقة نصب عينيها، فوفقا لمقال كتبته، لينسي شوتل، في مجلة فورين بوليسي الأمريكية، تسعى تركيا إلى ضخ المزيد من استثماراتها في السنغال، حيث أقامت الشركات التركية مشاريع بنية تحتية ضخمة في البلاد، وزارها الرئيس التركي، أردوغان، ثلاث مرات منذ عام 2016.

وفي غضون ذلك، تدرك فرنسا جيدًا أن هناك العديد من اللاعبين المنافسين لنفوذها في المنطقة، ويستدل على ذلك من زيارة لوزيرة الجيوش الفرنسية، فلورانس بارلي، إلى واشنطن، الجمعة الماضية، للتباحث مع نظيرها الأمريكي، لويد أوستن، بشأن الساحل الإفريقي في ضوء توجه باريس لتقليص دورها العسكري. وهنا يمكن القول بأن هذه الزيارة لم تكن لطلب الدعم العسكري والاستخباراتي الأمريكي فقط، بل كانت لدق ناقوس الإنذار للولايات المتحدة بأنها إذا لم تتحرك لدعم الوجود الفرنسي في هذه المنطقة، فإن المنظومة الأمنية الروسية ومعها الصينية والتركية ستسعى بلا شك إلى ملئ الفراغ الأمني في المنطقة، الأمر الذي يمثل تهديدا كبيرا للمصالح الغربية والأمريكية في الساحل الإفريقي.

ختاما يمكن القول بأن إعلان فرنسا عن إعادة صياغة توجدها العسكري في منطقة الساحل الإفريقي، يأتي في ظل وجود مجموعة من الضغوطات التي دفعت باريس إلى التفكير في هذا الأمر، أبرزها: الخسائر المادية والبشرية التي تكبدتها في حربها على الإرهاب، والرأي العام الرافض للتواجد الفرنسي في منطقة الساحل، الأمر الذي دفعها إلى إعادة النظر في طبيعة تواجدها في المنطقة، وطلب انخراط أكبر لشركائها الأوروبيين في العمليات العسكرية التي تستهدف الجماعات الإرهابية.