عرض/ نسرين الصباحي

انسحب الجيش الإثيوبي من عاصمة تيجراي في 28 يونيو 2021، بعد سلسلة من الانتكاسات في ساحة المعركة، ويجب أن يعمل زعماء أديس أبابا وتيجراي الآن على تقديم المساعدة العاجلة إلى السكان المعرضين لخطر المجاعة. وكذا، ينبغي عليهم السعي إلى تحقيق المصالحة السياسية في الوقت المناسب. وعليه، نَشرت مجموعة الأزمات الدولية Crisis Group، تقريرًا بعنوان:” As Ethiopian Troops Exit Tigray, Time to Focus on Relief“، وسيتم عرض هذا التقرير على النحو التالي:    

انسحاب القوات الفيدرالية من تيجراي:

أوضح التقرير أن الحرب الأهلية المدمرة في منطقة تيجراي الإثيوبية اتخذت منعطفًا مهمًا في 28 يونيو 2021، بعد ثمانية أشهر من أمر رئيس الوزراء “آبي أحمد” بتدخل عسكري لعزل حزب تيجراي الحاكم من السلطة وسحق القوات الموالية لتيجراي، اضطرت القوات الفيدرالية إلى التخلي عن جميع الأراضي التي استولت عليها تقريبًا، وغادر آلاف الجنود عاصمة الإقليم ميكيلي إلى جانب المسؤولين الإداريين الذين عينتهم أديس أبابا ليحلوا محل القيادة في التيجراي.

وكان الانسحاب بمثابة انتصار كبير لقوات دفاع تيجراي (TDF) في تمردهم ضد القوات الفيدرالية والقوات الإقليمية المتحالفة في إريتريا وأمهرة، إذ حاولت أديس أبابا تغطية الانسحاب بإعلان وقف إطلاق النار، وهو ما رفضه زعماء تيجراي، ولكنّ لا يبدو أن رحيل القوات سيجلب الإغاثة العاجلة للسكان الذين هم في أمس الحاجة إلى المساعدة في ظل المجاعة الوشيكة، ويجب على جميع الأطراف إعطاء الأولوية القصوى للسماح للأغذية بالوصول إلى تيجراي من خلال تسّهيل وصول القوافل الإنسانية.

تاريخ الصراع السياسي بين أديس أبابا وميكيلي

نوّه التقرير إلى دخول أديس أبابا وميكيلي في صراع على السلطة منذ عام 2018، عندما بدأ زعماء تيجراي يفقدون معظم النفوذ الفيدرالي بعد السيطرة لفترة طويلة، وبعد توليّ “آبى أحمد” منصبه في أبريل 2018، عزز سلطته من خلال دمج الأحزاب الإقليمية الحاكمة في إثيوبيا في حزب جديد “حزب الازدهار أو الرخاء” في أواخر عام 2019 مع تسريع الجهود لفتح الاقتصاد والإصلاح السياسي في البلاد، لكنّ حزب الجبهة الشعبية لتحرير التيجراي (TPLF) كان قوة مهيمنة في السياسة الإثيوبية لعقود من الزمن، ورفض الانضمام إلى اندماج “آبى أحمد”، بدعوى أن الهيكل الجديد يقوض الحكم الذاتي الإقليمي الذي يضمنه دستور عام 1995.

وفي يونيو 2020، أرجأت السلطات الفيدرالية الانتخابات الوطنية بسبب جائحة كوفيد-19، وعملت على تمديد فترات جميع الحكومات لإجراء التصويت. وفي تحدٍ لقرار أديس أبابا، أعلنت تيجراي أن التمديد غير دستوري وأجرت تصويتًا إقليميًا خاصًا بها في سبتمبر 2020، وأعلنت حكومة أديس أبابا لاحقًا أن قيادة جبهة تيجراي المُنتخبة حديثًا غير شرعية، مما يمهد الطريق للتدخل العسكري في الإقليم.   

تَحركات عسكرية وتصعيد مُتبادل

أشار التقرير إلى قيام حكومة تيجراي في 3 نوفمبر 2020 بالاستيلاء بالقوة على القواعد العسكرية الفيدرالية في تيجراي والسيطرة على المركبات المدرعة وقطع المدفعية في الإقليم. وعليه، أرسلت أديس أبابا بشكل عاجل بقية جيشها مدعومًا بالقوات الإريترية وقوات الأمهرة شبه العسكرية والمليشيات من منطقة جنوب تيجراي، وحقق التحالف مكاسب سريعة. وفي 28 نوفمبر 2020، أجبرت حكومة التيجراي على التنحي عن السلطة وإخراجها من ميكيلي، وسط حصار شبه كامل على المنطقة، بقولها إن الحرب قد انتهت، وعيّنت الحكومة الفيدرالية إدارة مؤقتة وأعلنت عزمها على إعادة بناء تيجراي.

ما بين مزاعم “آبى أحمد” بالفوز… وارتكاب جرائم الحرب في تيجراي:

تابع التقرير الحديث عن أن مزاعم “آبى أحمد” بالفوز كانت سابقة لأوانها، وكانت الغالبية العظمى من سكان تيجراي قد دعمت الجبهة في الانتخابات الإقليمية. كما غذى التدخل العسكري الفيدرالي، الذي اعتبره العديد من تيجيراي على أنه احتلال، إحساسًا بالظلم بين جمهور تيجراي وحفزّ الدعم للمقاومة المُسلحة بعد فقدان السيطرة على ميكيلي، حيث شكّلت قيادة تيجراي معاقل في المناطق الريفية بدلاً من ذلك. مع انتشار القتال، زادت التقارير عن الفظائع من تأجيج المشاعر الشعبية ضد التدخل، وأثبتت المزاعم بارتكاب جرائم حرب ضد المدنيين من الاعتداءات الجنسية ونهب واسع النطاق للممتلكات الخاصة والعامة في المنطقة، لكنّ “آبى أحمد” نفى لأشهر أن تكون القوات الإريترية منتشرة في تيجراي، واعترف أخيرًا بوجودهم في مايو2021، قائلاً إن أسمرة وافقت على سحبهم.  

واتصالاً بالسابق، شَنت قوات دفاع التيجراي تمردًا، وساعد سحب حملة الطائرات بدون طيار الفيدرالية، التي دُمرت في نوفمبر وديسمبر الكثير من المعدات العسكرية التي استولى عليها التيجراي في بداية الحرب، في جهودها، وكذلك نصب الكمائن لقوافل الجيش الإثيوبية والإريترية.

على الرغم من عدم وجود خط إمداد خارجي واضح، إلا أن قادة المقاومة في تيجراي يقولون إنهم تمكنوا من الاستيلاء على الأسلحة والمعدات من القوات الفيدرالية والإريترية، مما سمح لهم ببناء قدرات قوات الدفاع تدريجيًا وشن هجوم مُضاد، وبحلول نهاية يونيو 2021، استعادت هذه القوات السيطرة على جزء كبير من وسط تيجراي، بما في ذلك المناطق المحيطة بميكيلي، مما أدى تراجع وانسحاب القوات الفيدرالية.  

تكلفة الحرب الإنسانية في تيجراي

تَابع التقرير في سرده تداعيات وتكلفة الحرب في تيجراي على المدنيين في الإقليم، حيث اندلع القتال في وقت قريب من موسم الحصاد، مما أدى إلى تَفاقم نقص الغذاء المزمن، ومنع نقاط التفتيش التي أقامتها القوات الإريترية والإثيوبية دخول المُساعدات لعدة أشهر إلى المناطق الخاضعة لسيطرة قوات دفاع التيجراي، وبسبب الضغوط الدولية، خففت السلطات الفيدرالية بعض قيود الوصول في مارس 2021، ومنذ الأول من مايو 2021، قامت الوكالات الإغاثية؛ برنامج الغذاء العالمي والوكالات الأمريكية بتسليم الغذاء إلى أكثر من 3.7 مليون شخص، وهو أقل بكثير من هدفهم البالغ 5.2 مليون.

وفي أوائل يونيو 2021، قالت وكالات الإغاثة إن 353000 شخص يُعانون من ظروف المجاعة. وكذلك، حذّر تقييم للأمن الغذائي مُتعدد الشراكات في يونيو202، أنه إذا اشتد الصراع، أعاق المساعدات الإنسانية، فإن الناس في ثلاث مناطق- شمال غرب ووسط وشرق تيجراي- سيواجهون المجاعة، وسيعيش 2.1 مليون شخص إضافي في تيجراي في ظروف طارئة، وهي الخطوة السابقة لمستوى المجاعة، وتُقدر الأمم المتحدة الآن أن 400.000 يواجهون ظروف المجاعة، وما لم تتمكن وكالات الإغاثة من الوصول إلى المناطق الأكثر تضرراً بشكل عاجل، سيموت الناس جوعًا وسيزداد عدد من هم في أمس الحاجة إليها.  

أَوصي التقرير الحكومة في أديس أبابا بمجموعه من الإجراءات لتخفيف حالة الطوارئ الإنسانية وحدة المجاعات وتقليل مُعاناة السكان في إقليم التيجراي، ويُمكن توضحيها على النحو التالي:   

أولاً، يجب أن تدفع أسمرة لسحب القوات الإريترية من تيجراي، ولا يمكن للخروج الإريتري تسريع إيصال المساعدات فقط، حيث منع الإريتريون وصول المساعدات إلى أجزاء من شمال تيجراي، ولكنّ الانسحاب الكامل يُمكن أن يمنع أيضًا تجدد المواجهات بين القوات التيجراية والقوات الإريترية، ويجب على السلطات في أديس أبابا وميكيلي التوصل إلى اتفاق لتنفيذ قرار لجنة الحدود التابعة للأمم المتحدة في عام 2002 بشأن الحدود الدولية، والذي أثار عدم تنفيذه غضب أسمرة.

ثانيًا، يجب على السلطات الفيدرالية إنشاء حد أدنى من التعاون مع قادة تيجراي وضمان توفير الخدمات الأساسية مثل الاتصالات والكهرباء والبنوك، والتي يتم التحكم فيها على المستوى الوطني، وهناك أسباب تدفع أديس أبابا للقيام بذلك خارج نطاق المخاوف الإنسانية، وقد تتطلع قوة دفاع التيجراي إلى فتح ممر إمداد إلى السودان عبر المناطق التي تديرها الأمهرة، ولا يعني ذلك قتالًا عنيفًا بين قوات تيجراي وقوات أمهرة فحسب، بل قد يؤدي أيضًا إلى مُواجهة بين القوات السودانية والإثيوبية وتفاقم التوترات الخطيرة بين الخرطوم وأديس أبابا في منطقة الفشقة.  

Scroll Up